العدل-في-أفعال-اللّه-تعالى

العدل في أفعال اللّه تعالى(1)

المبحث الأوّل: معنى العدل

معنى العدل (في اللغة) :

ورد في “لسان العرب”: العَدْل: ما قام في النفوس أ نّه مستقيم ، وهو ضدّ الجور .

والعدل في أسماء اللّه تعالى يعني الحكم بالحق . والعدل في الناس يعني المرضي قوله وحُكمه(1).

تنبيه :

“العَدْل” من أسماء اللّه تعالى ، وهو مصدر أُقيم مقام الاسم ، والمقصود منه المبالغة في وصفه تعالى بأ نّه عادل ، أي: كثير العدل(2).

معنى العدل (في الاصطلاح العقائدي):

العدل يعني تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب(3).

معنى التنزيه :

التنزيه يعني البُعد ، ويُقال: اللّه منزّه عن القبيح ، أي: بعيد عنه(4) .

____________

1- انظر: لسان العرب ، ابن منظور: مادة (عدل) .

2- انظر: مجمع البحرين ، فخر الدين الطريحي: 3/133 .

3- انظر: النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد: الفصل الثاني ، ص32.

شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: أبواب العدل ، ص 83 .

قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الخامس ، ص111 .

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، ص85 .

شرح الأصول الخمسة ، القاضي عبد الجبار: الأصل الثاني ، الفصل الثاني ، ص 301 .

4- انظر: لسان العرب ، ابن منظور: مادة (نزه) .

 

الصفحة 16

معنى الفعل القبيح :

الفعل القبيح هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم، ويستحق تاركه المدح(1).

معنى الفعل الواجب :

الفعل الواجب هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح، ويستحق تاركه الذم(2) (3).

معنى الوجوب على اللّه تعالى :

إنّ قولنا “الوجوب على اللّه تعالى” لا يعني أ نّه تعالى محكوم بأوامر غيره ، بل يعني أنّنا نكتشف عن طريق التدبّر في صفاته تعالى أ نّه حكيم ، وتقتضي حكمته أن يفعل كذا ، لأنّ عدم فعله له يؤدّي إلى الإخلال بحكمته(4) .

الآيات القرآنية المتضمّنة لمعنى الوجوب على اللّه تعالى :

1- { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [ الأنعام: 54 ]

أي: أوجب اللّه تعالى على نفسه الرحمة(5).

2 ـ { وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } [ النحل: 9 ]

أي: يجب على اللّه تعالى بيان الطريق المستقيم للعباد(6).

3 ـ { إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى } [ الليل: 12 ]

أي: يجب علينا بمقتضى العدل أن نهدي العباد إلى الحقّ ببعث الرسل ونصب الدلائل(7).

4 ـ { وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى } [ النجم: 47 ]

____________

1 و 2) انظر المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1 ، القول في العدل ، ص152 .

الاعتماد، مقداد السيوري: الركن الثاني، ص 75 .

3- ينبغي تقييد المدح والذم في هذا المجال بمرتبة خاصة لئلاّ يشمل المستحب .

انظر: صراط الحقّ ، محمّد آصف المحسني: ج2 ، المقصد الخامس ، القاعدة الاُولى ، ص 167 .

4- للمزيد راجع: تلخيص المحصّل ، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث ، القسم الثالث ، ص342 .

5- انظر: الميزان، محمّد حسين الطباطبائي: ج7 ، تفسير آية 12 و 54 من سورة الأنعام ، ص 27 و 105 .

6- انظر: تفسير القرآن الكريم، عبد اللّه شبّر: تفسير آية 9 من سورة النحل .

7- انظر: المصدر السابق: تفسير آية 12 من سورة الليل .

 

الصفحة 17

أي: يجب على اللّه تعالى أن يجعل داراً أُخرى إضافة إلى دار الدنيا ليقع فيها الجزاء والانتصاف(1) .

دليل عدم إخلاله تعالى بالواجب :

إنّ اللّه تعالى لا يخل بالواجب ، لأنّ الإخلال به قبيح(2) . وسنبيّن لاحقاً أدلة عدم فعله تعالى للقبيح .

معنى العدل الإلهي في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) :

1 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): “العدل أن لا تتهمه”(3).

2- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “أمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه”(4) .

تنبيهات :

1- إنّ “العدل” من صفات اللّه “الفعلية” ، وليس من صفاته “الذاتية”(5)، لأنّ “العدل” عبارة عن تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، وهذا الأمر منتزع من مقام الفعل .

____________

1- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج9 ، تفسير آية 47 من سورة النجم ، ص 276 .

2- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الخامس، ص 111 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل، الفصل الخامس ، البحث الثالث ، ص260 .

الاعتماد، مقداد السيوري: الركن الثاني، ص 75

3- نهج البلاغة ، الشـريف الرضي : باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، الحكمة 470 ، ص755 .

4- التوحيد ، الشيخ الصدوق: باب 5، ح1 ، ص93 .

5- الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية:

الصفات الذاتية الصفات الفعلية

منتزعة من الذات الإلهية       منتزعة من الأفعال الإلهية

قديمة بقدم الذات الإلهية        حادثة بحدوث الأفعال الإلهية

لا يصح سلبها عنه تعالى أبداً يصلح سلبها عنه تعالى في بعض الأحيان

فلا يقال: اللّه غير عالم وغير قادر في فيقال: اللّه لا يخلق ولا يرزق في

بعض الأحيان بعض الأحيان

انظر: الكافي، الشيخ الكليني: ج1 ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، ص 111 .

الصفحة 18

2- إنّ العدل الإلهي صفة لكيفية تعامل اللّه تعالى مع الكون بما فيه الإنسان ، ولهذا اكتسبت هذه الصفة أهمية خاصة وموقعاً مميّزاً ، لأنّ بها يتمّ تحديد نوعية موقف تعامل اللّه عزّ وجلّ مع الإنسان .

3 ـ إنّ “العدل الإلهي” لا يتنافى مع “حرّية اللّه في أفعاله” .

وليس “العدل” قيداً لأفعال اللّه عزّ وجلّ .

لأنّ “الحرية الإلهية” منزّهة عن النقص والظلم والقبائح .

ولا يفعل اللّه تعالى إلاّ الحسن .

ولا يضع الأُمور إلاّ في مواضعها اللائقة بها .

ولهذا لا يكون بين “حرية اللّه في أفعاله” و”العدل الإلهي” أيّ تضاد أو تناف.

الفرق بين “العدل” و “المساواة” :

إنّ “المساواة” تعني مراعاة التساوي بين طرفين أو بين عدّة أطراف .

ولكن “العدل” يعني إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه .

والفرق بينهما:

إنّ أموراً من قبيل: “مراعاة الاستحقاق” و”أخذ الأولويات بنظر الاعتبار” و”إعطاء كلّ كائن نصيبه بموجب ما يستحق”:

تُشترط في “العدل” .

ولكنها لا تُشترط في “المساواة” .

مثال :

لايعني مراعاة العدل بين تلاميذ الصف الواحد أن يُعطى الجميع درجات متساوية.

ولا يعني مراعاة العدل بين العمّال والموظفين أن يُعطى الجميع أُجوراً متساوية .

بل يعني مراعاة العدل في هذا المقام:

إعطاء كلّ تلميذ الدرجة التي تستحقها معلوماته ولياقته العلمية .

 

الصفحة 19

وإعطاء كلّ عامل أُجرته بحسب أهمية العمل الذي يقوم به .

تنبيه :

إنّ الحكمة في جعل اللّه الاختلاف والفوارق بين الناس وعدم المساواة بينهم في إعطاء المواهب والنعم هو لأ نّه تعالى جعل الحياة الدنيا داراً للبلاء والاختبار، فخلق نظاماً يؤدّي إلى رفع بعض الناس فوق البعض الآخر، ليبلوهم أيّهم أحسن عملا ، وليرى مستوى صبرهم وشكرهم ومدى نجاحهم في الاختبار الإلهي .

لماذا اعتبر العدل أصلا من أصول مذهب التشيّع ؟

الدليل الأوّل :

بالعدل يتمّ التوحيد، ومن دون إثبات العدل لا يمكن إثبات النبوّة والإمامة والمعاد(1).

قال العلاّمة الحلّي:

“اعلم أنّ هذا الأصل [ العدل ] عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً ، وبدونه لا يتمّ شيء من الأديان”(2).

توضيح ذلك :

1 ـ الصلة بين “العدل” و”النبوّة” :

إنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي:

أوّلا: إرسال اللّه الأنبياء بالهدى ودين الحقّ .

ثانياً: وثوق الناس بهؤلاء الأنبياء، واطمئنانهم بأنّ هؤلاء هم الذين أرسلهم اللّه وسدّدهم بالمعاجز ، وأنّ هدفهم الخير والصلاح لهم .

ولولا العدل الإلهي لأمكن القول:

____________

1- انظر: حقّ اليقين ، عبد اللّه شبّر: كتاب العدل، الفصل الأوّل ، ص 83 .

2- نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر ، ص 72 .

 

الصفحة 20

أوّلا: قد لا يرسل اللّه تعالى أحداً من رسله إلى العباد، فيترك الناس لشأنهم ، ثمّ يفعل بهم كيفما يشاء ، فيبطل أصل النبوّة .

ثانياً: قد يسدّد اللّه تعالى الكذّابين والدجّالين بالمعجزة، أو يرسل رسلا من أجل إغواء العباد وإلقائهم في التهلكة ، فلا يمكن بعد ذلك الوثوق بالأنبياء .

2 ـ الصلة بين “العدل” و “الإمامة” :

إنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي اصطفاء اللّه تعالى الأئمة والأوصياء بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) للحفاظ على ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والتصدّي من بعده للقيام بالمسؤوليات التي كانت على عاتقه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدا النبوّة .

ولولا العدل الإلهي لجاز له تعالى أن يترك الأُمة من بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سُدى ، ويتركهم يتخبّطون في الضلال من دون وجود أحد يرشدهم إلى الحقّ والصواب .

3 ـ الصلة بين “العدل” و “المعاد” :

إنّ الاعتقاد بالعدل الإلهي هو الذي يستلزم الاطمئنان بالوعد الإلهي وتحقّق المعاد وإثابته تعالى للمحسن وعقوبته للمسيء في دار الآخرة.

ولولا ثبوت العدل الإلهي لم يمكن الوثوق بوعد اللّه تعالى ، ولأمكن القول بأ نّه تعالى قد يلغي المعاد أو يقيمه ولكنه يتصرّف بالعباد كيفما يشاء ، فيلقي الأنبياء في نار جهنم ويدخل الطغاة والمجرمين في جنّة النعيم ! فيبطل بذلك أصل “المعاد” .

الدليل الثاني :

إنّ الأشاعرة فسّروا “العدل الإلهي” بصورة تؤدّي إلى نفيه ، فوقف أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بقوة أمام هذا التفسير ، ودافعوا عن “العدل الإلهي” بحيث عُرفوا بالعدلية ، واعتبر “العدل الإلهي” أصلا من أصول مذهبهم(1) .

____________

1- اشتهر الخلاف حول مسألة العدل الإلهي بين المسلمين من بداية القرن الثاني للهجرة ، واستمر هذا الخلاف بحيث أصبحت هذه المسألة علامة بارزة على أنّ المعتقد بها:

“شيعي” إذا كان من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

“معتزلي” إذا كان من أتباع مذهب أهل السنة .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون