العراق عشرة اعوام من الالم والامل

عشرة اعوام مرت منذ الحرب غير المشروعة التي شنها التحالف الانكلو امريكي ضد العراق، واحدثت من الخراب والدمار ما جعلها واحدة من اشد الحروب شراسة. التركة الثقيلة التي خلفتها تلك الحرب ما تزال تتحدى قادة العراق الحاليين الذين ما يزالون عاجزين عن بناء دولة حديثة متماسكة تقدم مثالا للدول التي اعقبتها في التغيير. فهذا البلد العربي الكبير ما يزال يواجه اشكالات الهوية والوحدة والانتماء والدور الاقليمي.

كما لا يزال اسيرا للتركة الغربية الثقيلة برغم انسحاب القوات التي شنت الحرب واحتلت البلاد واعتقدت انها قادرة على قضم اكبر بلد عربي مشرقي. وثمة ثوابت لا بد من استحضارها قبل الولوج في تحليل الواقع واستشراف المستقبل. من هذه الثوابت:

اولا ان عشر سنوات على الحرب كرست مقولة عدم شرعيتها ولم تستطع امريكا او بريطانيا اقناع العالم بوجود ضرورة قصوى تستدعي العدوان الذي تواصل عشرين يوما بكافة اسلحة التدمير الجوية والارضية. وعلى العكس من ذلك اظهرت التقصيات الاعلامية ان البلدين كان لديهما معلومات تؤكد عدم امتلاك عراق صدام حسين اسلحة الدمار الشامل التي اعتبرت مبررا لشن الحرب، وان مسؤولين عراقيين كبارا اكدوا لهما عدم وجود تلك الاسلحة، بالاضافة للمفتشين الدوليين مثل هانز بليكس الذين عارضوا الحرب بسبب انتفاء مبرراتها، مؤكدين ان العراق تخلص من ترسانته من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية خلال حملات التفتيش التي امتدت طوال التسعينات.

ثانيا: ان العراق، برغم نكباته والتحريض ضده استطاع ممارسة مستوى من الديمقراطية غير متوفر في اي بلد عربي آخر، سواء من خلال الانتخابات المحلية لمجالس المحافظات ام البرلمانية. ولكن هذه الديمقراطية ما تزال أسيرة لقيم أخرى تقلل من بريقها اهمها المحاصصة وفق خطوط الانتماءات العرقية والمذهبية، والفئوية القاتلة التي ادت في بعض الحالات لاقتتال المجموعات ضمن التصنيف الواحد (مجموعات سنية ضد اخرى سنية، وشيعية ضد شيعية). مع ذلك بصم العراقيون وهم ينزفون الدماء على اوراق الانتخاب المرة تلو الاخرى، وما تزال اغلبية الشعب تعترف باهمية تلك الممارسة للحفاظ على وحدة بلدهم وتجاوز معوقاتها والتخلص من عوامل الفرقة والتناحر.

ثالثا: ان البلد لم يصل نقطة اللارجعة في مسيرته الوحدوية او الاستقلالية او الاخلاقية او الديمقراطية. فعلى كل هذه الصعدان ثمة منغصات تحول دون تحقيق المستوى الادنى الضروري لتجنيب العراق كوارث الاستبداد او التقسيم او انتهاكات حقوق الانسان او الفساد. وبالتالي فبرغم التفاؤل بامكان تحويل البلد العربي الكبير الى واحة ديمقراطية فريدة من نوعها في المنطقة فان الواقع يحول دون الافراط في التفاؤل، ويقتضي الكثير من الحيطة والاستمرار في الحذر وعدم التسرع باصدار احكام نهائية على التجربة العراقية. فحتى ان تكن سليمة فانها ليست فاشلة تماما، خصوصا بلحاظ التداول على السلطة وتمثيل الفئات المجتمعية بشكل يقترب من التوازن.

رابعا: ان الفساد شوه صورة عراق ما بعد صدام حسين، فما ان تذكر ذلك البلد الا وتصفعك سمة الفساد الذي مارسه بعض السياسيين في الفترات الاولى التي اعقبت التغيير. وبرغم وجود قيود صارمة على العقود التجارية وإصرار لجنة النزاهة على مطاردة الفاسدين، فما تزال تلك السمة حاضرة في اذهان من يتحدث عن ذلك البلد. ويحتاج ازالتها الى جهود اضافية اكبر وتفعيل للقضاء كوسيلة للقضاء على تلك الظاهرة. كما يتطلب الامر اقامة حكم القانون وتفعيل دور المؤسسات المدنية والاعلامية لممارسة الرقابة وكشف الفاسدين والمرتشين، خصوصا في العقود الحكومية الكبيرة.

هذه الثوابت توازيها حقائق اخرى لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن العراق بعد مرور عشرة اعوام على حدوث اكبر تغيير في تاريخه المعاصر. ومن هذه الحقائق التي لا يمكن اغفالها ما يلي:

ان الحرب كلفت الولايات المتحدة أكثر من ألفي مليار دولار، وانها حرب انطلقت بدون تفويض دولي، وبالتالي فهي ‘غير شرعية’. وبرز اكبر قائدين فيها، الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، دعاة لحرب رفضها الرأي العام العالمي وخسرت الولايات المتحدة فيها ليس سمعتها في مجال حقوق الانسان فحسب، بل حتى في قدراتها العسكرية والسياسية. حتى ان كولن باول، وزير الخارجية الامريكي آنذاك، اعترف بانه خدع من قبل بوش وبلير بمقولة اسلحة الدمار الشامل، وعبر عن اسفه لانه استخدم من قبلهما لطرح ذلك امام الامم المتحدة مع علمهما بان تلك الدعوى زائفة.

ثانيا: ان الثمن الانساني كان كبيرا جدا. فقد ادت تلك الحرب الى نزوح اكثر من ثلاثة ملايين عراقي من منازلهم، وقتل عشرات الآلاف منهم خلال الحرب والسنوات اللاحقة. كما ادت الى تفريغ العراق من عقوله العلمية التي هاجرت في ظروف الحرب او اغتيل من قبل قوى خفية لا تريد ان ينهض هذا البلد العربي الكبير علميا او يحقق لنفسه مكانة استراتيجية مرموقة. وتم تدمير البنية التحتية حتى اعيدت البلاد الى الخلف عقودا. وكان من نتائجها تنامي ظاهرة الطائفية وتوتر العلاقات بين مكونات المجتمع العراقي: شيعة وسنة واكرادا. ثالثا: ان تلك الحرب اعادت الولايات المتحدة ونفوذها الى المنطقة بقوة. بدأت تلك العودة بالحرب التي شنتها قوات التحالف في ۱۹۹۱ ضد العراق لاخراج قواته من الكويت. وبانتهاء الحرب الاولى كانت واشنطن قد ثبتت مواطىء اقدامها في المنطقة بشكل مروع، وبدأت تهندس مستقبلها كما تشاء. ولذلك لم يكن صعبا على واشنطن اختراق ظاهرة الربيع العربي بشكل مقزز، والهيمنة على الظاهرة الثورية وتوجيه مسار التغيير لخدمة مصالحها. ومن خلال التشويش الثقافي والنفسي، استطاعت واشنطن ان تجعل حضورها في المسرح السياسي العربي ليس مقبولا فحسب، بل مطلوبا احيانا. وقد ساهم علماء البلاط النفطي في التمهيد لهذه الهيمنة الامريكية عندما أقر المئات منهم في مؤتمر مكة في ۱۹۹۰ جواز الاستعانة بالقوات الاجنبية لاخراج القوات العراقية من الكويت. فالذين شاركوا في اصدار تلك الفتوى مهدوا للهيمنة الامريكية المباشرة على المنطقة، وألغوا بها مناعة الشعوب العربية ضد الاستعمار الغربي، وهدموا الجدران الفاصلة بين شعوب الامة وقوى الاحتلال والهيمنة. ويمكن القول بان الوضع النفسي لمن يعتبرون ‘طلائع التغيير’ اصبح قادرا على التعايش مع ‘العدو الامريكي’ كلاعب اساس في شؤون ‘الثورات’. الغريب في الامر ان حالة التطبيع مع السياسات الامريكية في المنطقة والدور المتصاعد لواشنطن في ادارة شؤون ‘الثورات’ لا تواجه تحديا شعبيا او على مستوى النخب المثقفة. فاذا كان التدخل الامريكي في العراق مرفوضا، واذا كان العراقيون الذين ارتبطوا بذلك التدخل ‘عملاء’ يستحقون القتل وتفجر فيهم القنابل البشرية الانتحارية ويستهدفون في كافة مرافق الحياة، بدعوى انهم تعاملوا مع الامريكيين، فلماذا يبرر التدخل الامريكي في ليبيا؟ ولماذا يتم القبول بقيام امريكا بتدريب عناصر المعارضة السورية في الاردن؟ وكيف يسمح للولايات المتحدة بانشاء قواعد عملاقة في العديد من الدول العربية؟

ثالث الحقائق المتعلقة بالعراق يتمثل بحالة التشرذم السياسي في صفوف المجموعات والاحزاب والفئات والنخب السياسية. وهي ظاهرة لا تقتصر على جالية مجتمعية دون اخرى، بل يمثل الصراع على السلطة ظاهرة عامة، بالاضافة الى تعدد التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي من قبل القوى الاجنبية التي تحاول حماية نفوذها في ارض الرافدين. هذا التشرذم له اسبابه ومن بينها حالة الانفتاح التي سادت البلاد في السنوات الاخيرة، بالاضافة الى تضارب اولويات الفرقاء وسقوف تطلعاتهم وحجم الدور الذي يتطلعون للقيام به. فثمة اختلافات بين الاحزاب والتيارات الشيعية، حتى داخل الائتلاف الذي يفترض ان يضم جميع الفصائل الشيعية، كما هي قائمة بين المجموعمات السنية، وبين المجموعات التي كانت تسمى ‘الصحوة’ وتنظيمات القاعدة. ومع الاعتراف بوجود اختلافات في الرؤى والسياسات، وهو امر مشروع، الا ان الكثير من هذه الاختلافات مدفوع من خارج الحدود بالمال والسلاح. الامر المهم ان لا يلعب العراق دوره الاقليمي المطلوب منه، وان لا يتمتع بممارسة ديمقراطية حقيقية تجعله منارة للآخرين.

رابع الحقائق: ان ما يشهده العراق من اعمال ارهابية متواصلة لم تعد موجهة ‘ضد الاحتلال’ كما كان يقال قبل بضع سنوات. فليس هناك في شوارع بغداد جنود امريكيون او اسلحة تابعة لقوات الاحتلال، بعد ان سحبت امريكا آخر جنودها مع نهاية العام الماضي. صحيح ان لامريكا اكبر سفارة في العالم تحتل مساحة شاسعة على نهر دجلة، الا ان موظفيها بعيدون عن مرمى المجموعات المسلحة التي اصبحت عملياتها تستهدف العراقيين وليس الاجانب. فما يجري من قتل عبثي وتفجيرات انتحارية انما يهدف لابقاء العراق اسيرا للعنف وغارقا في بحر الدماء. المسألة الجوهرية هنا تتلخص بان الذين دعموا المجموعات المسلحة في افغانستان لمواجهة الاحتلال السوفياتي تورطوا بها بعد انتهائه، فقاموا بتوزيعها بعد ذلك في البوسنة والهرسك والسودان ثم الصومال. وبعد حرب العراق، زجوا بتلك المجموعات، بعد ان تدخلوا لتحريف عقيدتها السياسية، في العراق ووجهوها وفق منظومة مذهبية فرضت على الامة بالدم والسلاح.

وهكذا تبدو الذكرى العاشرة للحرب الانكلو امريكية ضد العراق مناسبة لفتح ملفات تلك الحرب وتبعاتها وما يتصل بها اليوم من ملفات مرتبطة بالثورة تارة والتوازن السياسي في المنطقة من جهة ثانية، والموقف الايديولوجي والسياسي للنخب العربية ازاء ما كان يعتبر قوى ‘امبريالية’ تكرس الاستعمار وتدعم الاستبداد وتحمي الاحتلال الصهيوني لفلسطين من جهة ثالثة. هذا التداخل مدعوم بالدولار النفطي الذي اصبح سلاحا مشروعا في ما يعتقد اصحابه انه ‘حرب من اجل الوجود’ ضد حركة الشعوب الباحثة عن الحرية والاستقلال والديمقراطية. فلا يمكن فصل ملفات التغيير والثورة عن بعضها. ولا بد من الاشارة الى ان الظاهرة الثورية قبل عامين وحدت الامة التي ابتهجت عندما انطلقت شعوبها في ميادين الثورة ساعية لاقامة انظمة تمثلها، فانقضت عليها الذئاب والثعالب وانشبت فيها مخالبها وتمكنت من حرف مساراتها. لقد انطلقت الاصوات بقوة ضد التدخل الانكلو امريكي في العراق، وكان ذلك بدفع من النخب المثقفة والمفكرين والاعلاميين. ولكن سرعان ما تم الالتفاف على ما كان تعبيرا صادقا عن الوجدان الشعبي، وتم صرف الانظار بعيدا عن ذلك الاحتلال. المجموعات المسلحة التي قامت اساسا لاستهداف الوجود الغربي في المنطقة أعيد توجيهها لخوض معارك داخلية بعيدة عن استهداف ذلك الوجود العسكري والسياسي. كما تمت اعادة تهيئة المسرح السياسي الذي انطلقت فيه ثورات الربيع العربي ليصبح حاضنا للدعوات التي تكرس التبعية للاجنبي وتعمق مشاعر الكراهية في اوساط الامة، وتختلق الازمة الداخلية تلو الاخرى لمنع تبلور مواقف وطنية او قومية تعمق مشاعر الحرية والتخلص من الاستبداد والديكتاتورية. كان هناك امل بان تتحول الاصوات الشعبية والنخبوية التي وقفت ضد الحرب الانكلو امريكية على العراق الى مشروع سياسي تحرري نهضوي ينقذ الامة من عقود التبعية وسياسات التمزيق والتخلف، ولكن سرعان ما نجح التحالف الانكلو امريكي مدعوما بقوة الدولار النفطي في تغيير وجهة تلك الثورات، واصبح هو مفتاح التغيير في ليبيا واليمن، وكذلك في سوريا. فما الذي جرى للعقل العربي؟ واين مبدئية دعاة الاصلاح والديمقراطية والتحرر من التبعية للغرب والشرق.

طوال عشرة اعوام بقي العراق يعاني من آلام الحروب والتدخلات الخارجية، ابتداء بالاحتلال الانكلو امريكي واعمال الارهاب والطائفية والصراعات البينية بين مكونات مجتمعه، وسيستمر في هذه المعاناة ما لم ينهض اهله من جهة ليضمدوا جراحهم ويضحوا بالمصالح الفئوية من اجل العراق. ولا جدوى من مطالبة الآخرين بعدم التدخل في شؤونه، فذلك امر لن يتحقق. ولكن تضافر جهود ابنائه هو المفتاح للحل او تداعي الاوضاع. لقد انتهت الحرب وخرجت قوات الاحتلال، وبقيت التركة الكبيرة لكل هذه التداعيات. مع ذلك فما لم ينهض العراق بدوره الاقليمي والعربي فلن تنجح محاولات اصلاح اوضاع المنطقة وانظمتها السياسية، فالصراع تبلور اليوم بشكل اوضح مما كان عليه من قبل: انه صراع بين الوجود الحقيقي للشعوب واللاوجود، بين قيم الحرية والعدالة وحكم الشعوب، وقيم الاستبداد والظلم وهيمنة الدولار النفطي ومشاريع التقسيم والتبعية والامركة. مطلوب من علماء الامة ومفكريها واعلامييها ان يقرروا مواقفهم تجاه كافة الدول التي تسعى شعوبها للتغيير، وفي مقدمتها العراق، البلد العربي الاكبر الذي كسر، بسواعد ابنائه جميعا، شوكة الاحتلال والتدخلات الاجنبية.

الكاتب: سعيد الشهابي