العرفان الشيعي رحلة عرفاء للوصول إلى الكمال والحقيقة

في الاوساط الشيعية، لا شيء يميّزهم. قد يكون “العرفاء” بلباس رجال الدين، او بلباس عادي. وقد يكونون تجارا او بحاثة او طلابا او رجال دين او عمالا… ويعيشون “العرفان” ويمارسونه يوميا. ويمكن معرفة ان ثمة عارفا في المكان، “من نمطه واهتماماته وكلامه على الاخلاق الحسنة وتربية النفس والعلاقة بالله”… وايضا من سلوكه وعمله. فـ”المسلك العرفاني” منتشر في المجتمعات الشيعية، الاكثر في ايران، وايضا في الهند والعراق. وفي لبنان، هناك ايضا عرفاء.

تستمد كلمة “عرفان” معناها من المعرفة. و”المقصود بالمعرفة هو المعرفة بالله”، يشرح الباحث في مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي الشيخ محمد حسن زراقط في حديث الى “النهار”. واهل “العرفان” هم “العرفاء”، اي الساعون الى معرفة الحقائق والتمكن من العلوم الظاهرة والباطنة من خلال ما يسمّى الكشف والشهود والاشراق، “التي يدعي فيها العارف”، على قول زراقط إن “المعرفة أشرقت على قلبه من الله مباشرة، على تنوع تلك المعارف وتنوع موضوعاتها. وهذه المعرفة إما هي معرفة بالله، وإما معرفة بصفاته، وإما معرفة بخلقه… إلخ”.

مسلك وليس طريقة

يُعتَبَر العرفان من “المذاهب الفكرية المتعالية والعميقة… رؤية في الكون والوجود، تستند في بنيتها المعرفية على المعرفة الوجدانية القلبية. ويمكن ملاحظته من جهتين: الاولى كونه رؤية معرفية، والثانية كونه تجربة سلوك وعمل”(•). وانطلاقا من ذلك، ثمة أوجه تقارب وتباعد بينه وبين الصوفية. ويقول زراقط إن “وجه الاشتراك بين المفهومين هو أنهما يعبّران عن نمط الاهتمام بباطن الإنسان وتربية نفسه وتهذيبها، لتكون على استعداد لإشراق المعرفة عليها من منبع العلم الفياض وهو الله”.

أما الفارق بينهما “فاجتماعي أكثر مما هو منهجي”. يشرح زراقط ان “التصوف كلمة تدل على تشكيل اجتماعي من خلال التنظيم الذي يعرف باسم الطريقة، أو فلنقل على شكل مدرسة منظمة لها قائد أو مرشد وما شابه، وتعتمد في بعض الحالات على الشكل الظاهري الذي يلبسه بعضهم، وعلى بعض الطقوس والتقاليد… غير ان العرفان مسلك وليس طريقة لها حدودها المرسومة وينتمي اليها الانسان بطريقة معينة، بل يعتمد العلاقات بين راغب في ممارسة هذا الاتجاه وشخص قد يتولى ارشاده وتربيته”.

والاسباب التي لم تسمح للمسلك العرفاني بأن يتحول طريقة لها أتباعها ومريدون في البيئة الشيعية الاجتماعية. “فالانتماء الشيعي غالبا ما يكون انتماء الى المرجعية التي تكون أحيانا منسجمة مع هذا المسلك، هذا الاتجاه الروحي، وأحيانا لا. وبالتالي يرى الشيعي نفسه مندمجاً مع الجماعة الشيعية كلها عموماً، وإن كان يختار هذا النمط في حياته الروحية. لكن في النهاية، يكون ولاؤه والتزامه للجماعة عموماً، وليس لمدرسة صوفية محددة”.

انطلق العرفان “كمسلك روحي” مع القرآن والنبي محمد والامام علي وغيرهما من أئمة الشيعة. ويشدد زراقط على ان “أحد أهم الاهداف التي جاء من أجلها القرآن هي تربية النفس وتهذيبها بمحاسن الاخلاق، وتجريدها من الاخلاق السيئة. وهذه هي الخطوة الاولى في العرفان، بحيث يرى الشخص ما صفاته السيئة، فيحاول ان يتجرد عنها، ويتحلى بالصفات الحسنة عبر تنظيم علاقته بربه من خلال الصلاة والصوم والحج وغيرها من الاعمال العبادية”.

وتصبّ في الاهداف نفسها توصيات النبي في تربية النفس وتهذيبها، والسنّة النبوية، “أكان في مجال الاخلاق أم في غيره من المجالات”، وكلمات الامام علي و”الادعية المنسوبة اليه، التي تعبر عن اعلى درجات الشوق والمودة التي تربط ما بين الانسان والله”. و”قد بدأ الكلام على المعرفة او العرفان عند متصوفين في القرنين الثالث والرابع الهجريين، أبرزهم ذو النون المصري الذي جعل معرفة الصوفية في مقابل معرفة الحكماء والمكتملين، واعتُبِرَ الغزالي أوّل من عمّق الكلام في المعرفة الصوفية وجعل التصوف نظرية في العرفان بالله مؤدية الى السعادة (*).

وثمة من يقسّم العرفان قسمين: نظري وعملي، الاول يعطي رؤية كونية عن المحاور الاساسية في عالم الوجود، اي الله والانسان والعالم، ويستند فيها على المكاشفة والشهود. والآخر مرتبط بالسلوك والمجاهدة الخارجية، بحيث تكون غاية العارف بلوغ مقام لا يُرَى فيه الا الله. وتعوّل المعرفة العرفانية على “أداة وحيدة” للوصول الى معرفة الحقيقة والوجود هي “المجاهدة والرياضة، اذ انه من خلال التزكية وتصفية القلب يمكن السالك الوقوف على حقيقة الوجود من حوله، وبالتالي الى المعرفة الصحيحة بالله وبنفسه وبالعالم

تجلّي الله

كذلك، للمعرفة ثلاث مراتب، وفقا لاهل العرفان، هي الشريعة والطريقة والحقيقة، ولـ”السير والسلوك” ثلاث مراحل للوصول الى الكمال والحقيقة هي التخلية، التحلية، والتجلية. “التخلية هي خلو الباطن من السوء وكل ما يمنع الانسان من الخالق، والتحلية هي تحلي النفس بالصفات الحميدة والفضائل، والتجلية هي تجلي الخالق واشراق نور الحق في قلب العارف” (*).

وفي كل الاحوال، يبدأ الامر “بقرار شخصي” بعيش هذا “المسلك” العرفاني. ووفقا لتوجيهات عرفاء، “على الانسان ان يبدأ المسير. لكن هذه البداية تحتاج الى زاد هو المعارف. فكلما ازداد الانسان معرفة، ازداد عمقا في سيره وسلوكه الى الله…”. ورغبة المريد في التعمق اكثر تجعله “يحتاج الى من يوجهه”. ويفيد زراقط ان “عرفاء يقولون، ولا احكم هنا على اقوالهم لا إيجابا ولا سلبا، انه بعد سير الانسان وسلوكه في المنهج، ثمة امور يشعر بها. على سبيل المثال، قد تكون منامات او حقائق تتجلى لديه ويشعر بصحتها بوضوح كبير او تنكشف له بطريقة معينة… وان الحاجة الى المرشد تكون ضرورية في تفسير هذه الحالات الروحية التي تظهر على السالك بغض النظر عن الشكل الذي تأخذه”.

وما يخبره عرفاء عن الله هو “انهم شعروا بوجوده، وانه تجلى في نفوسهم. قد يكون التجلي حالا من الخوف الشديد من الله، او حالا من الحب الشديد له، او شعورا بالكرم الالهي او الرحمة الالهية”، يقول زراقط، مشيرا الى ان “الامر يتعلق بكل شخص، والمسألة ذاتية. لله عشرات الصفات. وكل عارف يميل الى صفة منها، فيوجه الحب والرغبة نحوها”.

هذا الكشف او تلك الشواهد تختلف ما بين شخص وآخر، و”لا ضوابط معينة لها”. ويقول زراقط ان “العرفاء يفسرونها انها نعمة من الله، وان هدف العرفان الاساسي هو ان يقترب العارف من الله، وان كرامات معينة تصير مع الشخص، مثلا المعرفة بالغيب، او ان يُدَّعَي لبعضهم انه يمشي على وجه الماء، او ان الارض تُطْوَى له. لكنهم يقولون ايضا ان هذه الكرامات لا قيمة لها، لانها ليست هي المقصودة، بل يرون أنها تعوق السالك عن الوصول إلى مقصده النهائي وهو الله”.

والتأكد من حقيقة تمتع العارف بهذه الكرامات مسألة صعبة، “وخصوصا انها تُدَّعى لأشخاص ميتين، او لأحياء تبقى هذه الكرامات عند حدود الدعوة”، على قوله، مشيرا الى ان “عادة ما يعقّد المسألة أن العارف الحقيقي لا يكون هو من يدّعي. فباعتقاد العرفاء أن ادعاء هذه الكرامات موجب لسقوطه. فمن يدعي لهم هم الناس المحيطون بهم. ولو سئل هو لما أجاب، وينكر هذه الكرامة ولا يتفاعل معها، حتى لو كان مقتنعا بأنه يتمتع بها. فلذلك يقولون إن حديث العارف عن كراماته – وهذه توصية من اهم توصياتهم – تسقطه والمطلوب الكتمان”.

۳ شروط ضوابط

ثلاث شروط رئيسية يحددها العرفاء “لضبط سيرهم وسلوكهم” في العرفان، اتقاء للوقوع في المطبات، “اولها التزام الشرعية بحرفيتها، ثانيها ان يكون للعارف مرشد، لان المرشد، في اعتقادهم، مرّ بكل الاختبارات التي لا بد من ان يمر بها المريد. فيبين له ما الخطأ، وما هو من الشيطان، وما هو من الله. وثالثها، العقل ضمان من الضمانات. والمقصود بالعقل هو انه اذا انكشفت خلال سير المريد وسلوكه، حقيقة ما مخالفة للعقل، فهذا يعني ان هناك خللا ما، وان المكاشفة مكاشفة خاطئة”.

على صعيد الشريعة، فان مخالفتها تشكل “مطبا قد يسقط فيه بعضهم بقوله: ما دمت وصلت الى الله، فما حاجتي بعد اليوم الى العبادات؟ فالصلاة للعوام، لأؤلئك الذين لم يصِلُوا بعد”. لذلك، إضافة الى الصلوات الخمس التي يصليها المسلم عادة كل يوم، “يصلي أيضا العارف ما يسمى في الاسلام الصلوات المستحبة، خصوصا الصلوات التي تتلى بعد منتصف الليل”، يفيد زراقط.

وهل كمية الصلاة التي يصليها العارف هي التي تؤثر في مسيرته ام لا؟ يشرح ان “الامر يتعلق بكمية الصلاة ونوعيتها. على صعيد الكمية، يعتمد بعض العرفاء صلوات محددة وأذكارا وأدعية خاصة يكررونها في شكل دائم، ويهتمون كثيرا بصلوات الليل، وغيرها من الصلوات التطوعية. من جهة أخرى، الدعاء تعبير آخر عن حالة الوجد او العشق – وفقا لتعابير العرفاء – التي يشعرون بها. كذلك، هناك الاذكار او تسبيحات معينة: سبحان الله، الحمد لله، لا إله الا الله… اما المقصود بنوعية الصلاة فهو افراغ العقل والذهن من كل الهموم وعيش الصلاة بكل معانيها وبشكل روحي، فلا تكون الصلاة مجرد قراءة”.

على صعيد الارشاد، للعرفاء “كتب رسائل في السير والسلوك العرفاني. وهي موجهة الى الراغبين في الاهتمام بهذا الجانب. ويكتبون فيها تجاربهم الشخصية، ونصائحهم وتوجيهاتهم”. ومنها، يمكن ان يفيد المريد، ان يتبعها او لا. ويشرح زراقط: “قد يقول الشيخ الفلاني “المربي” بان يردد المريد ذكراً معينا ۱۰۰ مرة في اليوم، بينما قد يطلب آخر ترداد ذكر مختلف ۱۰۰ مرة او اقل او اكثر. ويمكن المريد ان يردد الذكرين معا، وقد يشعر باثرهما على نفسه ام لا هذا امر آخر”.

وتجاه خطر السلوك و”الشطحات”، للمرشد ايضا دور اساسي في “وضع السالك على الطريق الصحيح، بحيث يدفع عنه الوقوع في الزلل في السلوك، قولا وعملا، لاسيما العجب والغرور، بما يؤدي الى الانحراف ومتابعة الشيطان… (*). فالوقوع في الزلل ممكن جدا، ويلفت زراقط الى “القول بان على العارف، في الوقت نفسه الذي يحرص فيه على سلوكه، ان يكون حذرا من تسويلات الشيطان له”.

۳ مراتب للايمان، ۴ اسفار عقلية في رحلة العارف، ۳ مراتب للفناء والاحتجاب، ۷ مقامات للنفس الانسانية… هذا من المشهور بين العرفاء. ومن المعروف ايضا ان “العرفان” يجد ارضا خصبة خصوصا في ايران، “حيث التربية الايرانية قائمة على قبول فكرته”. وفي لبنان، هناك عرفاء، “وآخرون يدّعون العرفان”، على قول زراقط. ويشير الى “انه يُنظَر عادة بعين الريبة والشك الى كل شخص يسعى الى جمع المريدين من حوله، لان هذا النمط ليس متداولا لدينا. فعلاقة العارف يجب ان تكون اولا بينه وبين الله في شكل خاص. وان يسأل الناس التحلق حوله يشكل اول عثرة له… وهناك بعض التجارب يُعمَل على محاصرتها. والسبب تربوي فحسب…”.

بالنسبة الى زراقط، “الاختبار والتجربة هما اللذان يكشفان عن صدق العارف. وتهذيب النفس يظهر في العمل واللسان ومقدار الصدق والامانة. فالعارف الحقيقي هو الذي يكون عمله منسجما مع الحالة الروحية التي يدّعيها”.

الكاتب: السيد كمال الحيدري