العرفان والأخلاق

هنا قد يأتي هذا التوهّم وهو أنّ العرفان العملي لا يفترق أساساً عن علم الأخلاق ، باعتبار أنّ التصوّف عزلناه عن العرفان كظاهرة اجتماعيّة ، وعلم الأخلاق يدور في نفس الفلك الذي يدور فيه العرفان العملي .

فالحاجة هنا ضروريّة إلى التمييز بين العرفان العملي وبين علم الأخلاق ; فعلم الأخلاق عندما نعرّفه نبيّنه بكلمة واحدة هي أنّ الأخلاق تعني : « ينبغي ولا ينبغي » ; أي ينبغي أن تفعل كذا ، ولا ينبغي أن تفعل كذا ، وفي العرفان العملي نرى ما يقرب من ذلك حيث إنّه يتضمّن القول : « ينبغي أن تفعل كذا ولا ينبغي أن تفعل كذا » ، فالعرفان العملي هو عبارة عن ذلك القسم الذي يوضّح ويبيّن ارتباط الإنسان ووظائفه وعلاقته بنفسه وبالعالم وبالله ، والعرفان العملي في هذا القسم يشبه الأخلاق أي هو علم عملي ولكن بتفاوت .

ويشير الشهيد مطهّري إلى مضمون ومحتوى العرفان العملي بقوله :

« وهذا القسم من العرفان يُعرف ويسمّى بعلم « السير والسلوك » وفي هذا القسم من العرفان يتّضح للسالك كيفيّة الوصول إلى القمّة المنيعة للإنسانيّة ، وهي التوحيد ، ومن أين يجب عليه البدء وما هي المنازل والمراحل التي يجب عليه طيّها بالترتيب ، وما هي الظروف التي ستكتنفه في هذه المنازل خلال الطريق ، وما هي الأمور التي سترد

82

عليه فيها ; ويجب عليه بالطبع أن يترسّم في هذه المنازل والمراحل خطى إنسان كامل وناضج ، بصير ومستوعب ، قد طوى هذه الطريق من قبل ، وبإشراقه ومراقبته ، وإذا لم يرعَ هذا الطموح وهذا الجهد إنسان كامل في هذه الطريق ففي ذلك خطر الضلال والانحراف . والعرفاء يدعون الإنسان الكامل الذي توجب الضرورة أن يرافق « المسافرين الجدد » ويرشدهم ، يدعونه حيناً ب‍ « طائر القدس » و ب‍ « الخضر » أحياناً » ( 1 ).

وهذا الأمر لا يعني التداخل بين موضوعي العرفان وعلم الأخلاق ; لأنّ هناك جملة من الفوارق الموجودة بينهما :

الفارق الأوّل

إنّ الإنسان عندما لا يعرف طريق الوسط وفي أي اتّجاه يسير ، من هنا أو من هناك ، يأتي علم الأخلاق يبيّن له أنّ الطريق من أين ، فيوجد يمين ويسار ، ويوجد الطريق الوسط ، ويوجد الطريق المستقيم .

والنظرية الأخلاقيّة التي تحكمنا إلى يومنا هذا تقول بأنّ خير الأمور أوسطها ، وأنّ هذا الطرف الذي هو التفريط غير صحيح ، وهذا الطرف الذي هو الإفراط غير صحيح ، والصحيح هو الجادّة الوسط . إذن كلّ هدف علم الأخلاق أن يجعل الإنسان السالك إلى الله تعالى على الحدّ الوسط ، وإلى هنا تنتهي وظيفة علم الأخلاق .

ومن حيث تنتهي وظيفة الأخلاق يبدأ العرفان العملي ، فيشير إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكلام والعرفان ، مصدر سابق : ص 67 .

83

السالك بالقول : الآن تدرّج في هذه المسالك إلى الله تعالى ، وأنّك أيّها الإنسان عندما وقفت على الطريق الوسط كيف تسير وكيف تواصل السير ، وما هي العقبات التي قد تواجهك ، وكيف تصعد إلى الله سبحانه وتعالى . . . فهذه هي وظائف العرفان العملي .

فلا ينبغي التوهّم بوجود تداخل بين العلمين ، إذ إنّ أحدهما وهو الأخلاق يجعل الإنسان على الجادّة والطريق ، والآخر وهو العرفان يهدي ويرشد إلى الطريق حتّى يصعد إلى الله ويترقّى إليه سبحانه وتعالى ، وهذه هي منازل السائرين ، ومقامات العارفين ، والسير والسلوك عندما يقف العارف على جادّة الوسط يقول له أو يحدّد له من أين يبدأ ، كأن يقول له إبدأ من اليقظة وهكذا يسير في درجات الرقيّ ( إقرأ وارقى ) وكما يعبّر شيخنا الأستاذ جوادي آملي بأنّ هذا هو الحبل ( كتاب الله حبلٌ ممدود ما بين السماء والأرض ) ( 1 ) والله سبحانه وتعالى لم يعطِ هذا الحبل للإنسان حتّى يتمسّك به ويقف ، وإنّما ليأخذه ويرتقي إلى المقامات والدرجات المعنويّة.
إذن الفارق والمائز الأساسي الأوّل بين العرفان العملي وبين علم الأخلاق هو أنّ علم الأخلاق يجعل السالك على الجادّة الوسط ولكن العرفان العملي يأخذ بيده للصعود إلى المراتب العالية .

الفارق الثاني

هو أنّ علم الأخلاق يتكلّم عن كلّ شيء ولا يختصّ بمن يؤمن بالتوحيد ، ولعلّ هناك جملة من النظريات التي لا تؤمن بالتوحيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 10 ، باب 20 ، ح 18 .

84

ولكنّها تؤمن بنظرية أخلاقيّة ، ولكن الجانب العملي أو السلوك والعرفان العملي محوره هو ربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى .

إذن هناك جنبة أساسيّة في العرفان العملي لا نجدها في علم الأخلاق ، إذ إنّ هذا العلم يركّز على الكثير من القضايا ينبغي ولا ينبغي ، ولكن عندما يأتي العرفان العملي يقف عند نقطة مركزية حيث يحاول أن يترقّى بالإنسان من هذه النقطة التي وقف عندها علم الأخلاق .

الفارق الثالث

هو أنّ علم الأخلاق ثابت ولكن العرفان العملي متحرّك « ديناميكي » ، ولهذا يسمّى علم العرفان بعلم السَّير والسلوك فلا يوجد فيه وقوف وتوقّف ، بل فيه حركة ، وسلوك . . . بخلاف علم الأخلاق الذي هو مجموعة من الثوابت ومجموعة من المفاهيم والقضايا محصورة ب‍ « ينبغي ولا ينبغي » لا بدّ أن يعملها الإنسان .

الفارق الرابع

هو أنّ العرفان يبدأ من الخواصّ ; أي أنّ العرفان إذا كان يبدأ من حيث تنتهي الأخلاق ، فلا بدّ للإنسان أن يكون متخلّقاً أوّلاً وعلى الجادّة الوسطى ثمّ يكون عرفانيّاً .

المصدر: العرفان الشيعي