العلاقة-بين-الدعاء-والعمل

العلاقة بين الدعاء والعمل

ليس من الصحيح أن نفهم (الدعاء) فهماً منفصلاً عن سنن اللّه‏ تعالي، فإنّ اللّه‏ تعالى قد سنّ لعباده سنناً فى الكون، فى شؤونهم وحاجاتهم، ولا يصح للناس أن يهملوا هذه السنن في شؤونهم وحاجاتهم.

وليس الدعاء بديلاً عن هذه السنن، ولا يغنى سلوك هذه السنن الإنسان عن الدعاء (أي أنّ سلوك هذه السنن لا يكون بديلاً عن الدعاء). وفهم هذه النقطة من رقائق الثقافة الربانية فى الإسلام، فلا يصح أن يكتفي الفلاّح عن حرث الأرض وسقيها وتشذيب الأرض من الأعشاب الزائدة ورعاية الزرع ومكافحة الأمراض النباتية من مزرعته… بالدعاء.

فإنّ هذا دعاء لا يستجاب وهو مصداق قول الإمام الصادق عليه‏ السلام: «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر». كما لا يستجاب دعاء المريض إذا أهمل الطبيب والدواء.

وكيف يستجاب مثل هذا الدعاء وقد أعرض صاحبه عن سنن اللّه‏ تعالي، فلا يستجاب دعاءٌ إلاّ ضمن السنن الإلهية، فإنّ الذي يستجيب لدعاء عباده هو خالق هذه السنن في الطبيعة، وهو الذي أمر عباده بسلوك هذه السنن وأن يبتغوا رزقهم وحاجاتهم من خلال هذه السنن بقوله تعالى: «هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا في مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رزْقِهِ…». ويقول تعالى: «فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضلِ اللّه‏ِ». وكما لا يكون الدعاء بديلاً عن العمل كذلك لا يكون العمل بديلاً عن الدعاء.

فإنّ مفاتيح هذا الكون بيد اللّه‏ تعالي، واللّه‏ يرزق عباده بالدعاء ما لا يقدرون عليه بالعمل، ويوفق عباده بالدعاء للأسباب الطبيعية ما لا يقدرون عليه بالعمل. وليس معنى تمكين اللّه‏ تعالى للإنسان من الأسباب الطبيعية للرزق أنّ الإنسان يستغنى بالتعامل مع الأسباب الطبيعية من الدعاء والسؤال والطلب من اللّه‏ تعالي.

فإنّ اللّه‏ تعالى هو الباسط القابض، المعطى المانع، النافع الضار المحيي المهلك، المعزّ المذل، الرافع الواضع، بيده مفاتيح هذا الكون، ولا يمتنع عن أمره، شيء في هذا الكون، ولا يخرج عن أمره وسلطانه شيء، وكل قوة وسلطان ونافع وضار فى هذا الكون خاضع لأمره وحكمه وسلطانه، وليس لقوى الطبيعة في هذا الكون الرحيب وجود مستقل عن سلطان اللّه‏ وإرادته حتى يستغنى الإنسان بالتعامل معها عن الدعاء والطلب والسؤال من اللّه‏ تعالي. ونحن نسبّح اللّه‏ وننزهه تعالى عمّا يقول اليهود: «يَدُ اللّه‏ِ مَغْلُولَةٌ» ونقول بما يقول القرآن: «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ».

فنتعامل مع اللّه‏ في كل حال، ولا نفصل بين التعامل مع اللّه‏ والتعامل مع السنن الذي جعلها اللّه‏ تعالى وسائل لرزق عباده ونعتقد أنّ هذه القوى والسنن تنفعنا وتضرنا في امتداد إرادة اللّه‏ تعالى ومشيئته وسلطانه، وليس في عرض إرادته وسلطانه، ولا مستقلاً عن إرادته تعالى وسلطانه. ونلمس يد اللّه‏ تعالى و رحمته و فضله و حكمته في كل صغيرة وكبيرة من أمورنا وشؤوننا، ونلمس إرادة اللّه‏ وتوفيقه وفضله في مسيرة حياتنا كلها، وفي كل منعطف من منعطفات حياتنا فنحن نحتاجه تعالى فى كل لحظة ونفتقر إلي رحمته وفضله ورعايته وتسديده وتوفيقه وهدايته في كل لحظة من لحظات حياتنا، وندعوه تعالى أن يتولى كل أمورنا بالتسديد، والتأييد، والهداية، والتوفيق، ونعوذ بوجهه الكريم من أن يكلْنا إلى أنفسنا طرفة عين، ونسأله تعالى أن يتفرد بكل حاجاتنا وشؤوننا، ولا يحوجنا إلى غيره.

وليس معنى هذا الدعاء أن يعزل الإنسان حاجاته وأموره عن الناس والأسباب الطبيعية في هذا الكون، إذا دعا اللّه‏ تعالى أن يتفرّد بها… وإنما معنى ذلك أن يدعو اللّه‏ تعالى ليجعل حاجته إلى غيره تعالى في امتداد حاجته إليه تعالي، وأن يجعل اعتماده على غيره تعالى في امتداد اعتماده عليه تعالي، وأن يجعل تعامله مع غيره تعالى في امتداد تعامله مع اللّه‏ تعالي، وليس في عرضه، ولا مستقلاً عنه… فكل هذا الكون أسباب مسخّرات للّه‏ تعالي، سخّرها لخلقه. والتعامل مع هذه الأسباب، والأخذ منها، والاعتماد عليها في امتداد التعامل مع اللّه‏، والأخذ من اللّه‏، والاعتماد على اللّه‏ ومن صلب التوحيد الذي يدعو إليه القرآن وليس مع الله ولا مستقلاً عن الله.

ومن هذا المنطلق نقول أن على الإنسان أن يدعو اللّه‏ تعالى في كل شيء ويسأله كل شيء، في صغائر أموره وكبارها من ملح عجين خبزه، وعلف دابته، إلى الانتصار على الأعداء في ساحات المواجهة والقتال، ولا يعزل شأناً من شؤون حياته صغيراً أو كبيراً عن هذه الكليّة (كلية الدعاء والسؤال من اللّه‏)، ولا يستغنى عن اللّه‏ تعالى في شيء من حاجاته وطلباته بغير اللّه‏ تعالى من خلقه، ويعوذ باللّه‏ تعالى أن يكله إلى نفسه طرفة عين في صغيرة أو كبيرة من صغائر أموره أو كبارها. وفى نفس الوقت، نعتقد أنّ هذا اللجوء العام إلى اللّه‏ في كل شيء، والسؤال، والطلب من اللّه‏ في كل شيء… لا ينافى أن يأخذ الإنسان مما خلق اللّه‏ تعالى وسخّر له في هذا الكون ويستعين به، فيدعو اللّه‏ تعالى بالسلامة والشفاء لمرضه، ثم يأخذ بكل ما جعل اللّه‏ تعالى في الطب من أسباب الشفاء والعلاج وبكل ما جعل اللّه‏ تعالى في الدواء من أسباب الشفاء.

بل نعتقد أنّ الإنسان إذا أخلّ بهذا التوازن فدعا اللّه‏ تعالى بمعزل عن سنن اللّه‏ تعالى في هذا الكون لا يستجاب له الدعاء ويكون كالرامي بلا وتر. بهذا الفهم الدقيق والصافي يثقّفنا الإسلام في التعامل مع اللّه‏ تعالى ومع سنن اللّه‏ في هذا الكون. وبهذا الفهم نجد أنّ نصوص الأدعية زاخرة بالطلب إلى اللّه‏ تعالى أن يتفرد بأمور عبده جميعاً وأن لا يحوجه إلى غيره، وأن لا يكله إلى نفسه، وأن يصل حبله بحبله تعالي، ويقطعه عن كل شيء يقطعه عن اللّه‏. يقول الإمام زين العابدين على بن الحسين عليه‏السلام في الدعاء: «ولا تكلني إلي خلقك بل تفرّد بحاجتي، وتولَّ كفايتي، وانظر إليَّ، وانظر لي في جميع أموري».

وفى دعاء عرفة للإمام الحسين عليه‏السلام: «اللّهمّ ما أخاف فاكفني، وما أحذر فقني، وفى نفسي وديني فاحرسني، وفى سفري فاحفظني، وفى أهلي ومالي فاخلفني، وفيما رزقتني فبارك لي وفى نفسي فذلّلني، وفى أعين الناس فعظمني ومن شر الجن والإنس فسلمني، وبذنوبي فلا تفضحني، وبسريرتي فلا تخزني، وبعملي فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني».

الكاتب: الشيخ محمد مهدي الآصفي