العمل والنتاج في ضوء الإسلام الوهّاج

إنّ مفهوم العمل في الإسلام يعني الطاقة أو الجهد الحركيّ الذي يبذله الإنسان ، في سبيل إنتاج ما يشبع حاجة معيّنة (۱) .

أما الإنتاج فيعني السلع والخدمات التي يُساهم الجهد البشريّ في إيجادها ، من أجل إشباع حاجة معيّنة .

وهذا الإنتاج قد يكون سلعة ماديّة أو خدميّة معنوية ، وتكييف الطاقة البشرية يتجسّد في إنتاج هذه الخدمة أو تلك السلعة ، فالطبيب والأديب والزارع مثلاً ، كلّ منهم يكيّف طاقته البشريّة من أجل إشباع حاجة معيّنة ، لأنّ العمل هو الجهد أو القوّة البشريّة التي تتفاعل مع مختلف العناصر الأولّية ، من أجل توفير سلعة ماديّة كالطعام واللباس ووسيلة النقل و… ، أو إشباع حاجة فكريّة أو نفسيّة كالبرامج الثقافيّة والعلاج الطبيّ .

وإنّ الإسلام الحنيف حدّد مفاهيم العمل والإنتاج والحاجة ، وبيّن عناصرها في نصوص عديدة ، وأوضح أنّ الطاقة الإنسانيّة بتفاعلها مع عناصر الطبيعة ، تنتج السلع التي تشبع حاجات الإنسان المختلفة ، وقد لمّح القرآن الكريم في مواضع ، وصرّح في أخرى ، مؤكّداً أنّ الطبيعة هي مصدر الثروة ، كما هي مستودع الحاجات البشريّة ، وأنّ هذه الثروة الطبيعيّة لا يمكن استثمارها والاستفادة منها؛ إلاّ ببذل الإنسان جهوده اللازمة ، فحينها تتمّ عمليّة التفاعل بين الجهد وعناصر الطبيعة وخيرات الأرض ، لإشباع كل حاجة إنسانيّة تتركّز عناصرها في الطبيعة بشكلها الطبيعي الحّر ، قبل أنّ تمسّها يد الإنسان : قوله عز ّوجلّ: ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيّام سواءً للسائلين ) (۲) .

( أو لم يروا أنّا خلقنا لهم ممّا عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون* وذلّلناها لهم فمنها رَكوبُهم ومنها ما يأكلون* ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ) (۳) .

( الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار* وسخّر لكم الشمس والقمر دائِبَيْن وسخّر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإنّ تعُدّوا نعمة الله لا تحصوها إنّ الإنسان لظلوم كفّار ) (۴) .

ممّا تقدّم من نصوص قرآنيّة مباركة يتّضح لنا جملة من المفاهيم والأفكار الأساسيّة التي تبسط لنا رأي الإسلام الحنيف في كون الأرض وما فيها ، كلّها تعتبر المصدر للثروة ، ومنبعها الأساس ، وهي مخلوقة ومسخّرة للإنسان : ( والأرض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنّخل ذات الأكمام* والحبّ ذو العصف والريحان ) (۵) .

ولو ألقينا نظرة متأمّلة على’ هذه النصوص ، لوجدنا رأي الإسلام واضحاً في الفقرات القرآنيّة التالية : ( خلقنا لهم ممّا عملت أيدينا ) ، ( ولهم فيها منافع ومشارب ) ، ( وآتاكم من كلّ ما سألتموه ) .

فهذه الأفكار الرئيسة تبيّن أنّ الطبيعة وما فيها من أرض وهواء وماء وحيوان ونبات ومياه وشمس وقمر ونجوم و… غيرها ، هي مسخّرة لخدمة الإنسان ، وأنّ الأرض هي مستودع الثروة ومصدرها الرئيس .

وبعد أن حدّد القرآن الكريم هذه الحقيقة الاقتصادية ، ذهب إلى مرحلة الإنتاج ، فأوضح أنّ هذه الخيرات وهذه المنافع المودعة في الطبيعة ؛ لا يمكن الاستفادة منها ألاّ بعد تفاعلها مع الجهد البشري ، فيتّخذ الإنسان من صيد الحيوان وقطع الخشب واستخراج النفط واستخلاص الطاقة الكهربائيّة مثلاً؛ ليحوّل كل ذلك وغيره إلى صورة أخرى ، أكثر ملاءمة لسدّ حاجات الإنسان ورغباته .

وقد ورد تشخيص الإسلام لعنصر الجهد البشري ( العمل ) كعنصر ثانٍ يدخل في عمليّة الإنتاج واضحاً ، في النصوص المباركة التالية :

أولاً – قال عزّ وجلّ : ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (۶) .

( فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) (۷) .

ثانياً – قول أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) : ( إنّ الأشياء لمّا ازدوجت ، إزدوج الكسل والعجز ، فنتجا بينهما الفقر ) (۸) .

ثالثاً – وقال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) : ( من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق ، وكيف لا خْطره وما أصاب فيه فهو لربّه الذي آجره ) (۹) .

رابعاً -عن عقبة بن خالد قال : سألت أبا عبد الله الصادق ( ع ) عن رجل أتى أرض رجل فزرعها بغير إذنه ، حتّى إذا بلغ الزرع جاء صاحب الأرض فقال : زرعت بغير أذني ، فزرعك لي ، ولك عليّ ما أنفقت . أله ذلك أم لا ؟

فقال ( ع ) : ( للزارع زرعه ، ولصاحب الأرض كري أرضه ) (۱۰) .

يتّضح ممّا تقدّم أن ( المشي والانتشار في الأرض ) أي السعي وبذل الجهد ، هما الوسيلتان الرئيستان في تحصيل المنافع والخدمات ، وإشباع حاجات الإنسان ، وأنّ الجهد البشري ( العمل ) هو سبب الملكيّة والإنتاج .

لذا فقد أوضح الإمام علي ( ع ) في حديثه المتقدّم أنّ الكسل والعجز هما من أسباب تجميد الطاقة البشرية ، وحجرها في مستودعها البشري ، وقد ( ازدوجا فنتجا الفقر ) .

والمقصود بالفقر اقتصاديّاً هو نقص السلع والخدمات الضرورية لإشباع الحاجات البشرية .

فقرّر بذلك أنّ بذل الجهد والنشاط ( العمل ) هو مصدر الثروة والغنى ، مادام الكسل والعجز هما مصدر الفقر والحاجة .

وبإضافة حديث الإمام الصادق ( ع ) إلى حديث الإمام علي ( ع ) تتكشّف لنا جوانب مهمّة من قانون العمل والإنتاج في نظر الإسلام .

فالحديث ( من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق ) يوضّح أنّ الجهد البشري هو السبب الأعمق في إنتاج الثروة البشرية ، وتوفير الحاجات الإنسانيّة ، كما أنّ حديث عقبة بن خالد يفصح عن حقيقة أنّ جهد الزارع هو الذي أنتج الزرع .

فالزرع هو نتاج المفاعلة بين عنصرين : الجهد البشري والطبيعة . وللجهد البشري يعود الفضل في تكييف الإمكانات الطبيعيّة ، وتحويل استعداداتها إلى سلعة ضروريّة . لذا استحقّت الأرض أجرة الاستغلال ، أي استحقّ الزارع تملّك الزرع ، ولم يستحقّه صاحب الأرض .

فكان طبيعيّاً أنّ يرتبط الإنتاج بعلّته الحركيّة ( العمل ) التي تسبّبت في إيجاده ، وهي جهد الزارع ، ولولاها لبقيت عناصر الزرع الأوليّة مهملة ، ولولاها لما حصل المنتوج الجديد ( الزرع ) ، لذا ملّك الحديث الزارع كلّ الإنتاج ، لأنه يؤمن بأن الجهد هو صانع الإنتاج.

ويتّضح لنا كذلك مفهوم اقتصاديّ آخر خطير الشأن ، وهو أنّ الذي يؤجّر نفسه لإنتاج سلع أو أداء خدمات معيّنة بأجر محدّد ، فإنّه سيحرم نفسه من قسط كبير من نتاج جهده الذي يقتطعه ربّ العمل ، أي من جهد العامل الزائد على القدر الذي تقاضاه ، حسب المفهوم الإسلامّي للإنتاج القائم على’ أساس أنّ الطاقة البشرية هي التي تقرّر نوع ومقدار الإنتاج, والإنسان الذي صرف هذه الطاقة من كيانه ، هو صاحب الحقّ في امتلاك الفائض منها عن حاجته ، وليس من حقّ أحد أنّ يستولي عليها . إلاّ أنّ الإنسان يملك حقّ التصرّف وحرّية التعاقد لتأجير هذه الطاقة لغيره لقاء أجر معيّن ، فيكون الأجير قد تنازل من قدر من جهده الذي بذله ، وإنتاجه الذي أنتجه ، لغيره ، بمقتضى هذا التعاقد .

وهذا التعاقد هو المبرّر الشرعي لامتلاك المؤجّر الفائض من جهد الأجير على’ أجرته ، مقابل توفير فرص العمل له .

وإنّ الإسلام قد كرّه هذا التأجير ، وحثّ على’ التخلّص منه ، ونادى بتحرير المنتج من سيطرة التأجير ، ليملك كلّ نتاج جهده الذاتي ، ولا يضيّع منه شيئاً ، لأنه امتداد طبيعّي لذاته ، سواء في المرحلة الأولى’ من الإنتاج والتصنيع وأداء الخدمات ، أو في المرحلة الثانية ، كالتداول والمتاجرة والنقل… إلخ.

نستخلص من هذا كلّه أنّ الإسلام يرى أنّ هناك عنصرين فقط يشتركان في عمليّة الإنتاج ، هما : الطبيعة ( المادّة الأوّليّة في الإنتاج) ، والجهد البشري .

( فلو دفع إنسان دابّة وآخر راوية إلي سقّاء ، على’ الاشتراك في الحاصل ، لم تنعقد الشركة ، وكان ما يحصل للسقّاء ، وعليه أجرة مثل الدابّة والراويّة ) (۱۱) .

وبالتأمّل في هذا النصّ الفقهي ندرك أنّ الجهد هو العنصر الذي يخلق روح الإنتاج الجديدة ، وبالتفاعل مع العناصر الأوليّة – مادّة الإنتاج – مثل رأس المال وأدوات الإنتاج – في المثال السابق – يحصل الإنتاج ، وأنّ هذه العناصر الأوليّة هي عامل مساعد على’ الإنتاج ، و تستحق أجرة المثل فقط .

وعلى’ أساس هذا المفهوم الاقتصادي نبني خطوات ذات أهميّة بالغة الخطورة ، تنظم العلاقات الاقتصادية والتوزيع والتملّك ، وتحدّد الأجور في مجالات الإنتاج والحيازة ، لأنّ هذه النظرة يتوقّف عليها تقديم الجهد البشري ، ومنحه ما يستحقّ من الأهميّة ، وربط آثاره الإنتاجيه كافّة به ، وإعادتها إليه ، إلاّ ما رضي المنتج نفسه بالتنازل عنها بالعقد والمصالحة و… .

فالإنتاج كلّه ملك للمنتج – الجهد الإنسانّي – لذلك صرّح النصّ الفقهّي بعدم انعقاد الشركة ، فقال: ( لم تعقد الشركة) ، لإيمان المذهب الاقتصادي الإسلامي بأنّ كلّ العناصر التّي يستخدمها الإنسان في عمليّة الإنتاج لا تعتبر مشاركة له ، ولا مكافئة لجهده .

وعلى’ هذا النظر يتوقّف تشجيع الإنتاج ، ودفع العامل إلى توظيف جميع طاقاته المادّية والأدبية في عمليّة الإنتاج ، وتحسينه. وبهذا يتمّ التفاعل مع الحكمة الإلهيّة في العلاقة بين طاقة الإنسان وعناصر الطبيعة والإنتاج والتملّك.

ففي الطبيعة طاقات وإمكانيّات إنتاجيّة هائلة ، كالنباتات والماء والنفط والشمس والحديد والحيوان والعناصر الكيميائيّة ومواد الإنتاج المختلفة الأخرى’ ، السلعيّة والخدميّة من جهة أخرى’ في كيان الإنسان قوى’ حركيّة وفنّية وعقليّة ضخمة ، بإمكانها أن تتفاعل مع عناصر الطبيعة تلك ، فتوفّر الحاجة للجميع ، وتبعد الفقر والجوع والحرمان عن الإنسان ، لأنّ الله عزّ وجلّ قد جعل في كلّ إنسان من القدرة والطاقة والإمكانيّة ما يمكنّه من توفير لوازم حياته ومستلزمات عيشه ، وكذلك تخليصه من الظلم والهيمنة والاستغلال والاستعباد .

ـــــــــــــــ

(۱) ـ الحاجة إلى الشيء هو الفقر إليه مع محبّته: الراغب الإصفهاني ، مُعجم مفردات ألفاظ القرآن.

(۲) ـ فُصّلت: ۱۰٫

(۳) ـ يس: ۷۱ – ۷۳٫

(۴) ـ إبراهيم: ۳۲-۳۴٫

(۵) ـ الرّحمن: ۱۰-۱۲٫

(۶) ـ المُلْك:۱۵٫

(۷) ـ الجمعة:۱۰٫

(۸) ـ الكليني – الفروع من الكافي ، ج۵ ، كتاب المعيشة ، ص۸۶ ،ط۳٫

(۹) ـ المصدر السابق: ص۹۰٫

(۱۰) ـ المصدر السابق: ص۲۹۷٫

(۱۱) ـ شرائع الإسلام ، لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي ، ج۲ ، ص۳۷۷٫