الغرض من الإمامة وصفات الإمام

والغرض في الإمامة المنفردة عن النبوة ما بينا من حصول اللطف بها ، وعموم الاستصلاح لكل مكلف يجوز منه فعل القبيح ، ويجوز اختصاص هذه الرئاسة بهذا اللطف .

ويجب له نصبه الرئيس ذي الصفات التي بينا وجوب تأثير ثبوتها وانتفائها في الاستصلاح لكل والاستفساد .

ويجوز أن يكون الرئيس الملطوف للخلق بوجوده مؤديا عن نبي ومنفذا لشرعه أو نائبا في ذلك عن إمام مثله ، ويعلم كونه كذلك بقوله ، لأن قيام البرهان على عصمته يؤمن المكلف كذبه فيما يخبر به .

فإذا ثبت كونه مؤديا فلا بد من كونه معصوما من القبائح ، للوجوه التي لما كان النبي عليه السلام كذلك .

وعالما بما يؤذيه ، لاستحالة الأداء من دون العلم ، وإن كلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجب كونه عالما بكل معروف ومنكر ، لكون الأمر بالشئ والحمل عليه فرعا للعلم بحسنه ، وكون اللهي عن الشئ والمنع منه فرعا في الحسن للعلم بقبحه ، ولأن الحمل على فعل ما يجوز الحامل عليه كونه قبيحا .

والمنع مما يجوز المانع منه كونه حسنا قبيح .

وإن تعبد بإقامة حدود وجب كونه ممن لا يواقع ما يستحق به ، لأن ذلك يخرجه عن كونه إماما ، وإن تعبد بجهاد وجب كونه أشجع الرعية ، لكونه فئة لهم ، ويجب أن يكون هذه حاله عابدا زاهدا مبرزا فيهما على كافة الرعية ، لكونه قدوة فيهما .

ويجوز من طريق العقل أن يبعث الله سبحانه إلى كل مكلف نبيا وينصب له رئيسا ، ويجب ذلك إذا علم كونه صلاحا ، وإنما علمنا أنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا إمام في الزمان إلا واحد بقوله عليه السلام المعلوم ضرورة من دينه ، حسب ما قدمناه .

وهذه الصفات الواجبة والجائزة حاصلة للأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعليهم – الملطوف بوجودهم لأمته ، المحفوظ بهم شرعه ، المنفذون لملته ، المتكاملو الصفات التي بينا وجوب كون الرئيس والحافظ عليها – : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ثم الحسين ابنا علي ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد ابن علي ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد ابن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم الحجة بن الحسن صلوات الله عليهم أجمعين ، لا إمامة في الملة لغيرهم ، ولا طريق إلى جملة الشريعة من غير جهتهم ، ولا إيمان لمن جهلهم أو واحدا منهم .

الدلالة على ذلك : ما بيناه من وجوب الصفات للرئيس العقلي والحافظ للتكليف الشرعي ، وفقد دلالة ثبوتها لمن عداهم ، أو دعوى بها فيمن سواهم ممن ادعى الإمامة ، أو ادعيت له ممن استمر القول بإمامته .

وفساد خلو الزمان من إمام ، لكون ذلك مفسدة لا يحسن التكليف معها ، وقيام البرهان على ضلال من خالف أهل الإسلام .

ولأنه لا أحد قطع على ثبوت هذه الصفات المدلول على وجوب حصولها للإمام إلا خصها بمن عيناه من الأئمة عليهم السلام ، فيجب القطع بصحة هذه الفتيا ، لأن تجويز فسادها يقتضي فساد مدلول الأدلة ، وذلك باطل .

وهذان الدليلان كافيان في إثبات إمامة الجميع مجملا ومفصلا ، ونحن نفرد لإمامة كل منهم كلاما يخصها .

ولا يعترض هذين الدليلين مذاهب الكيسانية والناووسية والواقفة وأمثالهم .

لإسناد الجميع ما يذهبون إليه إلى دعوى حياة الأموات المعلوم ضرورة موتهم ، ولأنهم أجمع منقرضون ، فلا يوجد منهم إنسان معروف ، فخرج لذلك الحق من جملتهم .

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي