المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

الفتور المعنوي بعد المواسم العبادية

بسم الله الرحمن الرحيم

الإنسان المؤمن بطبيعته ميّالٌ للطمأنينة الروحية، وينشد صفاء القلب وطهارة الروح والتحليق في أجواء الكمال. ولكنه مع آلاف الأسف يقتل تلك المواهب إمّا لضيق قابليته وإمّا لسعة غفلاته وإمّا لسوء تعامله مع قوانين الزمان والمكان، ولذلك نجده ما إن يحين موسمٌ عباديٌ كشهر رمضان وشهر محرّم الحرام وذي الحجة إلاّ وقد التفت إلى ذاته واستشعر نواقصه وأحبّ لقاء الله تعالى والتزوّد بما يُحقّق له سعادة الدارين. هذه هي الحالة العامّة. وكل ذلك يرجع إلى وجود الخلل في نفس برامج هذا الإنسان حيث تأخذه الدنيا بين أحضانها ويستغرق في عشقها وعشق متعلقاتها، وأكبر خلل يوصِّف تلك الحالة هو خلل الفتور بعد الحماس. بينما الله سبحانه وتعالى يُريد من عبده المؤمن أن يُبقي شعلة عبادته ملتهبة على طول خط التكليف وإلى حين الوضع في ملحودته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: كفى بالعبادة شغلاً، وقال مولى المتقين علي عليه السلام: إذا أحبّ اللهُ عبداً ألهمه حُسنَ العبادة. وهما دُرتان تشعّان ضياءً تشحذ في المؤمن همّة الحماس من دون تحديدٍ لموسمٍ ما. نعم تبقى لبعض الشهور والأيام والأمكنة خصوصياتها من حيث الفضل والتفرّغ، وهي من نِعَم الله عزّ وجل. وأقول للمتكِلين الذين يكتفون بهذه المواسم بأنْ لا حجة لديكم إذ الإتكال على بعض الأعمال ليس مؤمّناً للنجاة وخصوصاً مع خفاء المصير ومجهولية المقام عنده تبارك وتعالى. وعبادة الله عزّ اسمه ليس لها سقفٌ محدّداً لينتهي عند حدّ، وكلما استكثر المرء فهو في الحقيقة نقصان إذا قارن نسبة عمله بمدّة عمره التي ثلثها نوم وربعها حرامٌ بيّن وحلالٌ بيّن وأغلبها ذنوبٌ وآثام ومُباحات. فتأمّل معي في هذه الياقوتة النبوية لتُدرك كم نحن مقصّرون وخائبون عن تحصيل حظوظنا. يقول صلى الله عليه وآله وسلّم: قال الله عزّ وجل: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملون بها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم _أعمارهم_ في عبادتي كانوا مقصرين، غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبونه من كرامتي. فلنجعل شعلة حماس العبادة ملتهبة طوال العام. وما يُدري الإنسان أين يكمن أجله؟ وماهو الفرق بين أن يموت وهو على عشق عبادة وبين التمرغ في مُباح؟ والرغبة الأكيدة في تحصيل رضوان الله يسبقها العزم والإرادة وخلوص النية. وكذلك ملاحظة اعتبار الكيف عن الكم من حي الأهمية. والمهم كذلك أن يعيش حالة الموازنة بين الثابت من الخوف والرجاء ، والعمل في الدنيا لأجل الآخرة والتركيز على المعنويات أكثر من الماديات. وأن يلزم الوسطية ومجانبة التطرف في القول والعمل. لماذا لا تجعل من ليلة القدر شمعة بداية طريق العبادة الحقّة للحق عز وجل ؟ هي والله فرصة مواتية لتقييم الذات في علاقتها مع موضوع الفتور في العبادة واستشعار النقص . إن الأمر يحتاج لشحذ الهمّة والإرادة الجادة في التعاطي مع موضوع مهم يطوّر من العلاقة المهزوزة مع المولى تبارك وتعالى . والتقييم الذاتي الذي نعنيه هو الصدق مع النفس أولاً و مجانبة المبررات . إنه يعني جرد سلبيات ومعوقات الاستمرارية من قبيل تنظيم الوقت وعدم الاستغراق في المباحات والعبث الفكري و الترف الفكري وثقافة الالتقاط . و إذا رأى الله عز اسمه في قلوبنا قبل عقولنا عشق عبادته في جميع المواسم فإنه حتماً يأخذ بأيدينا نحو ضفة الآخرة . وفي ليلة القدر فيوضات تنساب على روح مريد الآخرة والتي من أجلّها حب الله تبارك وتعالى والتوفيق للخلوة به . ولا يظننّ أحدٌ بأن هذا يصّبُ في خانة الكم أكثر مما يصب في خانة الكيف فيسلب العبادة روحها وجوهرها ونحنُ الذين نركز على جنبة الكيف أكثر من جنبة الكم ، أي العبادة المُتـَّأملَة . لأنا نقول بأنه لا يوجد تناقض في البين ، وموضوعنا العنوان يتحدث عن مسألة الفتور أصلاً . ومع ذلك فليكن التركيز على الكيف في العبادة الاستمرارية فلا مانع عندنا أن يقوم العبد لربه في رحاب ركعتين حُبّاً له ثم يعقبه تفكّرٌ في أوضاع النفس وصيانتها ثم التأمل في الآيات الآفاقية مثلاً ، أو يستفيد معنىً معنوياً من دعاء من أبي حمزة الثمالي رض و إسقاطه على الحالة الروحية ، أو يُصحح منعطفاً معوجاً في علاقته الروحية مع الله تبارك وتعالى من خلال تدبّره في إحدى المناجيات لسيد الساجدين ع وكما قيل بأن مسافة ميل تبدأ من خطوة وأن الخروج من نفق النفس المظلم يبدأ بإشعال شمعة ..

و إليك حقيقة من وحي التجربة خذها من هذا القابع في أغلال المادة :

إن أكبر ضيق وألم يصادفني في ليلة القدر الشريفة هو تحسري على تقصيري في الليال التي سبقتها ، فأتمنى عودها وأنّى لي ذلك كي أجبر الشهر الكريم مما ضيعّت و أقصد منه محدودية اللقاء العشقي مع محبوبي الذي أخاله يناديني لماذا هجرتنا يا سيد ؟ هذا و أتبعه بتأملات من دعاء سيدي السجاد عليه السلام في تألمّه وتأوهاته في دعاء وداع شهر رمضان راجعه في إقبال السيد ابن طاووس قدس سرّه وكنتُ أترنم بمقولة أحد رجال الله : الدنيا نزهة الأطفال … الدنيا لعبة الأطفال سامحني حبيبي ما عبدناك حق عبادتك. حقاً إن مسألة الفتور في العبادة مسألة شخصية تخضع في كثير من الأحايين إلى مقومات الفرد ذاته ومقومات الضعف والقوة وسعة القابلية وضعفها . ولكن هذا لا يعني أن يهمل الإنسان تشخيص الداء وأسبابه ثم يقوم بدراسة معمّقة للخلل ويسعى لإصلاحه وعلاجه ، تماماً كما يسعى للبحث عن الخلل في عطب سيارته و اصلاحها عن التوقف من جديد . كذلك النفس تحتاج في هذه المسألة الفتور في العبادة إلى وقفات ومحطّات تنشد من خلالها الكمال وعشق العبادة ووضع اليد على مكامن الفتور . فكم بقي من العمر كيف تنفقه على توافه الأمور والقيل والقال ؟ و لكي لا تصبح دنيانا نزهة أو لعبةً للأطفال في خريف العمر أو الوضع في اللحد ، فما زالت ليلة القدر فرصةً ذهبية يمكننا من خلالها أن نحرق مراحل التزكية فيها بعزمٍ و إرادة جادتين ، ما لا نستطيع حرقه من مراحل خلال أعوام ، في طريق طي العبادة المحسوبة من أعمارنا سواءً المخرومة أو المحتومة . وأدعو الله تبارك وتعالى أن يشملني و إياكم بالفوز بفيوضات ليلة قدر العارفين معنوياً ومادياً . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطاهرين

الكاتب: السيّد جميل المصلي