الفقر

أصل الفقر في اللغة هو المكسور الفقار، أي من نزلت به داهية فكسرت فقاره، وأفقرك الصيد فارمه، أي أمكنك من فقاره حتى ترميه. وقيل: هو من الفقرة، بضم الفاء، وهي الحفرة، قيل: لكل حفيرة يجتمع فيها الماء فقير، وفقرت الفسيل، حفرت له حفيرة غرسته فيها.

ويذكر العلامة الراغب الأصفهاني، أنَّ الفقر يستعمل على أربعة أوجه:

الأول: وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للإنسان ما دام في دار الدنيا، بل هو عام للموجودات كلها، وعلى هذا قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ)، وإلى هذا الفقر أشار بقوله في وصف الإنسان: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ).

والثاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله: (لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ)، (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ).

والثالث: فقر النفس، وهو الشَرَه، المعني بقوله عليه الصلاة والسلام: (كاد الفقر أن يكون كفراً)، وهو المقابل بقوله: (الغنى غنى النفس)، والمعني بقولهم: من عدم القناعة لم يفده المال عنى.

والرابع: الفقر إلى الله، المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك)، وإياه عنى بقوله تعالى: (رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير)، وبهذا ألمَّ الشاعر فقال:

ويعجبني فقري إليك، ولم يكن *** ليعجبني، لولا محبتك، الفقر.

والمعنى السائر بين الناس لقول الرسول الأكرم “صلى الله عليه وآله”: (كاد الفقر أن يكون كفراً)، هو فقدان الحاجة الملحة، وهو الفاقة والحرمان، وتعذّر الوصول إلى الأسباب التي بوجودها يرتفع العوز، ويكتمل النقص، ويدفع الأذى والضرر، فمن لا يملك وسائل الرزق ولا أسباب العيش، وليس عنده ما يكفل له استمرار الحياة، فهو الفقير، وهذا المعنى وإن كان صحيحاً صائباً، يظل أقل قيمة واعتباراً من ذلك المعنى الذي انجلت عنه بصيرة الرّاغب الأصفهاني، والذي هو الشره والطمع، فالإنسان الذي يصرف عمره في الجمع والتملك، فلا تستجيب له حاجة حتى يتلهف إلى حاجات أخرى، ولا تنقضي له شهوة حتى تغريه شهوات جمة، حريص على أن يأخذ مما في أيدي الناس وما ليس في أيديهم، لا يقعد عن السعي وإن لم تكن له حاجة فيه، ولا يشبع من الامتلاك والادّخار، ولا يقنع بما هو موجود عنده، ولا يرضى بما هو فيه، مثل هذا الإنسان هو الفقير حقّاً، وأن الطمع يجرّه إلى الشعور بالحاجة، ولأن الحرص يصور له الافتقار إلى ما ليس في يده، وبهذا المعنى أيضاً، كان قول أمير المؤمنين الإمام علي “عليه السلام”: (لو كان الفقر رجلاً لقتلته)، ونحن لا نستطيع أن نقبل الفقر ونمدحه، إذا كان من وراء التراخي والقعود عن تلمس أسباب الرزق، أو العزوف عن النهوض بما لا بد من كسبه لاستمرار الحياة بحجة الزهد، فهذا الأمر لا ينسجم وسنة الله في الخلق، ولا يأذن به شرع إلهي أو قانون بشري.

ولا يستوي هذا النوع من الفقر وذلك الذي يحل بالإنسان، وليس له قدرة على التصرف به تخفيفاً أو دفعاً، فذا خارج عن إرادة الإنسان، وتأتي به أسباب قد تظهر فيها الحكمة وقد تخفى، ولعل ما يرويه أبو طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) يقدم تعريفاً محكماً لهذين النوعين المختلفين من الفقر، يقول: (عن علي “عليه السلام”: إن لله عزّ وجل في خلقه مثوبات فقر، وعقوبات فقر، فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن خلقه ويطيع به ربه، ولا يشكو حاله، ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علامات الفقر إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه ويعصي به ربه، ويكثر الشكاية، ويتسخط القضاء)، ويعقب الملكي قائلاً: وهذا النوع الذي هو عقوبة، من الفقر، هو الذي استعاذ منه النبي “صلى الله عليه وآله” وهو فقر النفس.

وقد أورد القشيري، عن أبي الدرداء، عن رسول الأكرم صلوات الله عليه وآله: (إياكم ومجالسة الموتى، قيل: يا رسول الله! ومن الموتى؟ قال: الأغنياء)، فهؤلاء ما أصابوا الثروات ولا ملكوا الكنوز ومتاع الدنيا، إلاّ باتباعهم طرق الفساد، من كذب واحتكار وربح فاحش وبيع للأعراض والقيم وتضييع حقوق الناس، أو بميلهم إلى أسباب الضلال، من إتباع الهوى وترويج الفجور ونشر الشبهات، فكأن نفوسهم قد أقفرت من روح الإيمان، وغشيتها ظلمة الشهوات ودخان اللذات، فلم تعد قادرة على استقبال شعاع من صفاء، يكشف لها عما ستصير إليه وعما ستلاقيه في غدا، ولا تحب أن تذكر عندها المصائب والأوجاع والمرض والموت، لأنّها أمور تنغص عليها متع الحياة، فهؤلاء الذين فقدوا الإحساس بجوهر الحياة، وغابوا عن حقيقتها، هم الذين ماتوا وقبروا في شهواتهم ورغباتهم.

سئل يحيى بن معاذ عن الفقر، فقال: (حقيقة الفقر أن لا يستغني العبد إلا بالله)، فمن يكتفي بالنظر إلى الأسباب دون الله، فقد جهل وضلّ، لأن الأسباب لا تكون إلاّ بإذن الله. وسئل مرة أخرى عن الفقر، فقال: (هو خوف الفقر). ومثله قال أيضاً ذون النون: (علامة سخط الله على العبد خوفه من الفقر).

وفي هذين التعريفين إشارة إلى ناحيتين معاً: إحداهما: سوء الظن بالله، والاعتماد على الأسباب وحدها، والثانية: السعي والكدح فوق الطاقة وفوق ما تتحمله النفس، للكسب والجمع والادخار، فراراً من الفاقة والعوز، وفي هذا السعي يقع في فقر وحاجة إلى الراحة والصحة وهدوء البال والثقة بالله والإيمان به، فما يغني عنه ماله وما جمع وما ادخر؟ ولا يبعد أن يكون أبو الطيب المتنبي قد التفت إلى هذا القول وهو ينسج بيته:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله *** مخافة فقر، فالذي فعل الفقر

وربما كان من أمتع الأقوال في هذا الموضوع وأكنزها، قول الأمير المكزون السنجاري:

غناك عن الشيء نفس الغنى *** وأما به، فهو فقر إليه.

ويعني أن مفهوم الغنى هو أن يملك الإنسان مالاً أو متاعاً أو جاهاً، فإن ملك هذه الأشياء أو واحدة منها، فهو بها غني من جهة، وفقير محتاج إليها من جهة أخرى.

وبعبارة أوجز وأوضح الاستغناء بامتلاك الحاجة هو الفقر إليها، لأن الاحتجاج يعني الافتقار، والاستغناء عنها يعني رفع الحاجة، وهو الغنى بعينه. وكأني بالمكزون قد نظر إلى قول أمير المؤمنين الإمام علي “عليه السلام”، وإن اختلف الموضوع: (العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله، هلك خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة).

وسئل يحيى بن معاذ أيضاً عن الغنى، فقال: (الأمن بالله تعالى)، ويريد بذلك لطف الله ورحمته بمخلوفاته، وهو مأخوذ من الإمام علي “عليه السلام”، كما في القشيرية: (ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله عزّ وجل، وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة بالله تعالى)، والناس بما هم مخلوقون مدبرون لله، هم فقراء، والله بما أنّه الخالق المدبر، هو الغني وحده.

وقد سألوا الجنيد عن الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى: أهو أتم أم الاستغناء بالله تعالى؟ فقال: إذا صح الافتقار إلى الله عزّ وجل، فقد صح الاستغناء بالله تعالى، وإذا صح الاستغناء بالله تعالى كمل الغنى به، فلا يقال: أيهما أتم الافتقار أو الغنى؟ لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلاّ بالأخرى.

وإلى هذا المعنى ذهب الشبلي، فقد سألوه عن حقيقة الفقر، فقال: ألا يستغني العبد بشيء دون الله عزّ وجل، وفي تعريف الفقير يقول مظفر القرمسيني: (هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة)، ويشرحه القشيري، بأنه الإشارة إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار. والرضى بما يجريه الحق سبحانه، فيصير المعنى أن الفقير المؤمن لا يريد إلا ما يريده الله له، ولا يختار لنفسه إلا ما يختاره سبحانه، وإلى هذا المعنى قصد محمد المسوحي بقوله: (الفقير هو الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأسباب).

والمخلوقات كلها تتصف بالفقر الذاتي إلى الله سبحانه، لأنها محتاجة إليه في الوجود والحياة، ولا قيام لشيء إلاّ بفيض جوده، والعارف لا يرى له حولاً ولا قوة إلاّ بالله، ويستحي أن يدّعي له ملكاً، أو ينسب لنفسه استقلالاً بتملك، وقد أجاد بن خفيف بقوله عن الفقر أنه (عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات).

وإلى مثل هذا المعنى قصد الحكيم العارف حسن حمزة الشيرازي في افتتاح كتابه (التنبيه) ورسالته (الأذكار الموصلة إلى حضرة الأنوار) وهذه عبارته: (يقول الفقير من الفقر إلى الفقر)، ويعني أ، الشعور بالافتقار إلى الله وحده، والحاجة إليه دون غيره، هو أول مراقي الإيمان، وكلّما تنامى هذا الشعور عند العبد تنامى عنده الإيمان، وازداد ترقياً ورفعة، حتى لا يحس بوجود إلا لخالقه، ولا يرى لنفسه كياناً، وحينئذ يكون قد وضع قدمه في أول درجة من درجات الفقر، وانجلى له الطريق السوي إلى الله، وبهذا المعنى يفهم قول المزين: (كانت الطرق الموصلة إلى الله أكثر من نجوم السماء، فما بقي منها طريق إلاّ طريق الفقر، وهو أصح الطرق).

المصدر: موقع عقبات الانوار