الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد

ثمّة مدرستان كبيرتان تتجاذبان الفقه الإسلامي اليوم، بفريقيه: الشيعيّ والسنّي:

المدرسة الأولى

وهي المدرسة التراثية التي تميل أكثر إلى الأصول الاجتهادية التي قرّرها متقدمو العلماء، وتقوم بتطويرها تطويراً تدريجياً هادئاً، أي أنها تأخذ تلك الأصول ثوابت في الأعم الأغلب، وتنطلق عبرها، وترى أن مجال الاجتهاد وحرية البحث العلمي مفتوحةٌ على مستوى تفاصيل الأصول المذكورة، وأحياناً على مستوى بعض هذه الأصول وبشكل محدود نسبياً.

وتبدو للقارئ معالم شبه واضحة إلى واضحة تماماً ـ إذا لم نُرد أن نكون متفائلين ـ لأبرز العناصر والبُنيات التي تُقام عليها فقهيّات هذه المدرسة واجتهاداتها، فعنصر التراكم المعرفي لدى هذه المدرسة أكبر من المدرسة الأخرى، يساعد في ذلك مرور أجيال كثيرة ساهمت في تنقيح وتشييد وتهذيب وتشذيب أركان ومعطيات هذا اللون الاجتهادي في علم الفقه.

ورغم ذلك، نجد أن بعض الأصول والمنطلقات والقواعد التي ينطلق منها هذا الفريق من الفقهاء ما يزال غير مدروس على مستوى التدوين، أي أنه لا توجد بحوث مستقلّة فيه، يجري البحث حولها والتعليق عليها، ولهذا يمكننا القول: إن أصول الفقه الإسلامي في صورته المدرسيّة له وجهان: أحدهما ظاهر مدوّن بارز، نجده في المصنّفات الأصولية الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري وإلى يومنا، وثانيهما مضمر مختبئ كامن في وعي الفقهاء، قائم في بعض الأحيان على تراكم الخبرات وتجارب التعامل مع النصوص والمعطيات الاجتهادية، ولا يصحّ اعتباره باطلاً لأنه لم يخرج إلى عالم التدوين والبحث الواعي بل ظلّ في اللاوعي.

نعم، هناك حاجة ماسّة لإخراج هذا المخزون المتراكم على صورة المفاهيم الملفوظة، لكي تدرس بشكل مركّز، وهنا يحصل أنّ بعض هذا المخزون عندما يصل إلى هذه المرحلة تشتدّ قوته، وتتراكم البراهين عليه، ويُصبح أشدّ وضوحاً ومنهجةً ودقة، كما يحصل أنّ بعض هذه المفاهيم ينكشف ضعفه وعدم وجود مستند علمي له، وأنّ الحالة النفسية هي التي لعبت دوراً في ترسيخه، فلمّا أخضعت لمجهر النقد العلمي بان أنّها ليست بشيء يستحقّ الوقوف عنده.

من هنا، نطالب بتفكيك هذه الأُسس اللاملموسة للفكر الاجتهادي، بغية انجلاء المعرفة أكثر فأكثر، واستحكامها من جهة، كما وتنقيتها من جهةٍ أخرى.

المدرسة الثانية

وهي ما نسمّيه ـ فعلاً ـ المدرسة المعاصرة التي تمثل بعض شرائح المجتمع العلمي، وتمتاز هذه المدرسة بميّزات، بعضها يعبّر عن نقاط ضعفٍ، وبعضها الآخر عن نقاط قوّة:

أ ـ من نقاط الضعف في هذه المدرسة، كثرةُ الأسس غير المدروسة صراحةً، وإنما هي مختزنة في اللاوعي نتيجة تراكم المعطيات الفكرية، تماماً كما حصل ـ وفق ما بيّناه ـ مع المدرسة التراثية، لكن مع فارقٍ في أن درجة التنظير المفاهيمي في المدرسة التراثية أكبر من المدرسة المعاصرة، وذلك ـ كما قلت ـ نتيجة الجهد المركّز على الأجيال، فإن هذا العمق التاريخي سمح لهذه المدرسة بالكشف عن بناءات كثيرة تقوم عليها، فيما المدرسة المعاصرة ما زالت تعاني ـ في بعض أوجهها ـ من درجةٍ كبيرة من اللاتنظير في هذه الأسس، وهو ما زاد من الغموض حولها أمام الطرف الآخر الذي لم يَعِش هذه الأسس في لاوعيه.

ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة تاريخية النصّ الديني، فقد ذهب فريقٌ معاصر إلى القول بأن الأصل في الأحكام الفقهية أن تكون تاريخيةً، وأن الحكم الثابت الإلهي يحتاج إلى شاهد يدلّ عليه، فلو أصدر النبي (ص) حكماً فإن القاعدة تستدعي اعتباره حكماً تاريخياً مرحلياً لا نشاط له في الحقبة المعاصرة، إلا إذا ساعدتنا الشواهد الخاصّة على إثبات استمراريّته في الزمان والمكان، كما أن بعض أنصار التاريخية، ولو لم يصرّحوا بهذا المبدأ، إلاّ أنّهم كثيراً ما يتعاطون مع النصّ الديني بعقلية تاريخية.

وعلى العكس من ذلك المدرسة التراثية؛ حيث اعتبرت ـ بالأعم الأغلب منها على الأقلّ ـ أنّ الأصل في النصوص الدينية أن تكون إلهيةً ثابتة عبر الزمن، وأنّ الحديث عن تاريخيّتها يظلّ هو الاستثناء الذي يحتاج إلى شاهد أو قرينة؛ ولهذا قلّ توظيف المنطق التاريخاني في التعامل مع النصوص الدينية في الوسط التراثي، مع نسب مختلفة بين مثل مدرسة الرأي ومدرسة الحديث.

وهنا نلاحظ أنه من النادر أن يتصدّى الفريق المعاصر في الاجتهاد الفقهي لدراسة تاريخية النصّ الديني على صعيد أصول الفقه، وحتى لو تصدّى لذلك، فهو لا يقدّم التاريخية سوى مسلّمٍ أنتجته التراكمات المعرفية الفلسفية والألسنية، دون أن يكيّف هذا المفهوم في بناء الاجتهاد في أصول الفقه الإسلامي، أي أنه لا يقوم بعملية تبيئةٍ له في نطاق الاجتهاد الإسلامي؛ حتى يحظى بالاعتراف، وهذا ما يستدعي تسجيل ملاحظة، وهي أنّ ذلك أدّى إلى حالة من الفوضى أحياناً في التعامل مع بعض النصوص دون ضوابط تحدّد إطار الاستخدام التاريخاني للنصّ، مما أوجب قلق الفريق المدرسي في المؤسّسة الدينية.

من هنا، كانت هناك حاجة ماسّة لطرح البناءات التحتية على بساط البحث، تلك البناءات التي لم تتحوّل إلى مقولات مفاهيمية مدوّنة، فحركة التدوين من شأنها إلغاء حالة الاستنساب أحياناً، أو فوضى التطبيق أحياناً أخرى، أو عدم تحديد الدائرة والنطاق اللذين يتحرّك داخلهما هذا المفهوم أو ذاك.

ب ـ في هذا السياق، ثمّة نقطة ضعف أخرى تعاني منها هذه المدرسة على مستوى آليات عملها، فهذه المدرسة تمثل أنموذج الانفتاح على الآخر من الاتجاهات الفقهية المتنوّعة في الساحة الإسلامية، ولا تبدي كثير ممانعة من استقاء مقولات من مذاهب أخرى عندما تقتنع بها، أي أن الحاجز المذهبي ليس عقبةً أمامها في إنتاجها الفقهي، وهذه نقطة إيجابية في حدّ نفسها ومن حيث المبدأ.

لكن المسألة أنّ عملية التوظيف هذه يتمّ اقتطاعها ـ أحياناً ـ اقتطاعاً من داخل النسق المذهبي الآخر دون ملاحظة المناخ الذي تعيش فيه أو تنمو هذه المقولة أو تلك في إطاره، وحيث نعرف أن علم أصول الفقه قد وُلد تاريخياً ـ على الصعيد الشيعي ـ من رحم علم الكلام، لا فقط من رحم علم الفقه أو الحديث، خلافاً ـ تقريباً ـ لما يرى السيد محمد باقر الصدر (۱۴۰۰هـ)، كما تحدّثنا عن ذلك واستعرضنا الشواهد في دراسة أخرى، فإن معنى ذلك وجود ترابط وثيق بين علمي الكلام والأصول، وهذا الترابط وإن كان تاريخياً إلاّ أنه ما زال يلقي بظلاله على إنتاج أصول الفقه الإسلامي، ومن ثم يجب الأخذ بعين الاعتبار العناصر الكلامية المتواشجة مع المقولات الأصولية في المذاهب الأخرى؛ لأنّ التغافل عن هذا الموضوع سوف يؤدي إلى اصطدام مشروع النهضة الأصولية والفقهية بملفّ الخلاف المذهبي، والجميع يَعرف أن النصر سيكون لصالح الملفّ الكلامي والمذهبي من الزاوية النهضوية والاجتماعية والسياسية.

إذن، فمن الضروري أن تحدّد المناخات الكلامية و.. التي تحيط بالنتاج الأصولي والفقهي للمدارس المختلفة، لتحديد مدى إمكانية التوظيف بما لا يتصادم مع المناخات التي تحملها المدرسة الأخرى، وعدم الاستعجال في هذا الموضوع.

ج ـ وفي إطار الملاحظات، ثمّة فارق واضح بين هاتين المدرستين اللتين صدّرنا بهما الحديث هنا، وهو أن المدرسة التراثية تنطلق ـ عادةً ـ من النصّ إلى الواقع، فالواقع فيها منفعل، فيما النصّ هو الفاعل، حسب البناء الأيديولوجي الذي تؤمن به، وإذا ما احتاجت أحياناً إلى مراجعة الواقع قبل مطالعة النص فهي تراجعه من منطلق الحاجة إلى تحديد موضوع الحكم، حتى تضع الحكم الصحيح في مكانه الصحيح، وهذه خطوة جديرة وصحيحة ومنطقية أيضاً.

في مقابل ذلك، كثيراً ما نجد أنصار المدرسة الثانية ينطلقون من الواقع إلى النصّ، أي أن درجة ملامستهم للواقع وانفعالهم به تبقى أكبر، لهذا فهم يسعون لجعل الواقع مؤثراً ـ معرفياً وإيبستمياً ـ بالنص، فتتقيّد بذلك حركة النصّ طبقاً لمتطلّبات الواقع.

ولعلّ مثالاً مبسّطاً غير مفرط لهذا النوع من التفكير، هو ما جاء في كلام السيد محمد باقر الصدر في كتاب «اقتصادنا»؛ فقد لاحظ الصدر أنّ الاجتهاد السائد في المدارس الفقهية هو اجتهادٌ يتعامل مع النصوص ونظام الحجيّة وبراءة الذمّة، لهذا فعندما يواجه أي إنسان حالةً ما في الحياة فإنه يرجع إلى ما تتطلبه منه النصوص الدينية؛ لكي تبرأ ذمّته أمام ربه سبحانه وتعالى، ومهما كانت نتائج البحث الفقهي فإنها لن تبدو ذات ثغرات عندما نطبّقها على حياة فردية شخصية، اللهم إلاّ نادراً، أما عندما نريد تطبيقها على حياة مجتمعيّة وعلى مستوى الأمّة والدولة، فإن شيئاً من عدم الانسجام سوف يحصل داخل نتائج البحث الاجتهادي، وعندما واجه الصدر هذه المشكلة في إطار رسم معالم مشروع اقتصادي متكامل، اندفع ـ بقطع النظر عن التبرير الفقهي ـ إلى طرح فكرة الأخذ بالاجتهادات المختلفة للفقهاء عبر الزمن، وتركيب مكوّن جديد متوالف ومنسجم فيها، وهذا التوالف هو توالفٌ يفرضه الواقع، لكنه على الصعيد النصّي لمجتهدٍ ما ليس انسجاماً في نتائجه من حيث تبعيّتها للأسس الاجتهادية والأدلّة، كما هو واضح.

هذا اللون من التفكير يضغط الواقع لتبنّيه، تماماً كما نجد اليوم نزوعاً نحو المقاصدية في التشريع وعودةً إلى طروحات الشاطبي (۷۹۰هـ)، حتى في بعض الأوساط الشيعية، اعتقاداً بأن المقاصديّة يمكنها التجاوب مع الواقع بشكلٍ أفضل، كما وهناك حديث جادّ عن فقه المصلحة، وهو حديث كان شبه محرّم في الوسط الشيعي قبل نصف قرن من الزمن، لكنّ تجارب الحياة وخوض الفقيه غمار تأسيس الدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فرض عليه تناول هذا الموضوع بشكل أكثر جدّيةً واهتماماً.

إذن، فما هو المنهج الصحيح؟ هل الواقع هو الأصل؟ أم النصّ هو الأساس؟ أم هي توليفةٌ ما بين النصّ والواقع؟ وما هي هذه التوليفة؟

من الطبيعي أن تعكس رؤيتنا للواقع موقفاً هنا، فمن يرى واقع الحياة اليوم في انحدار واندحار من الطبيعي أن يميل أكثر لمرجعية النصّ، أما من يراه عكس ذلك فلا أظن أن نزعةً تشاؤميةً بهذا القدر سوف تحكمه.

لست هنا بصدد اتخاذ موقف نهائي؛ فالآراء متعدّدة، إنما نريد أن نؤكّد أن الإفراط في تبنّي أحد الاتجاهين، لم يجلب الكثير من النجاحات، فنحن لا نريد الله وأحكامه ألعوبةً بيدنا نُنطقه بما نشاء والعياذ بالله، كما لا نريد أن نصدّر إسلاماً للبشر لا يمكن أن يتكيّف مع البشرية، ولو في أحد الأزمنة، ويحلّ مشاكلها التي يُعنى بها حقّاً، ما دمنا نعتقد بخلود هذا الدين واستمراريّته.

د ـ وفي السياق عينه، هناك نقطة أساسية أيضاً، وهي أنّ الفريق المعاصر لم يختبر بشكل جادّ أفكاره على أرض الواقع؛ إذ كان المهيمن غالباً هو التيار المدرسي، وكانت معطياته الفقهية والقانونية هي الأكثر حضوراً وتطبيقاً وإنجازاً؛ لهذا بدت عناصر النجاح والإخفاق فيها بشكلٍ أكبر، أما الأطروحات الجديدة فلم نجدها تهيمن على نمط الحياة الدينية، حتى ننظر في آثارها الإيجابية والسلبية على مدى مدّة زمنية يمكن من خلالها الخروج بنتائج، ولهذا ظلّت بعض عناصر الضعف في هذا اللون من التفكير خافيةً ومستورة؛ لأن الواقع العملي هو الذي يكشف ـ غالباً ـ ضعف أطروحات قانونية وتشريعية.

إذن، فمن الضروري عدم المبالغة في النزعة المثالية التي تقدّمها لنا معطيات المدرسة الجديدة، بقدر ما المطلوب رصد تطوّرات الساحة الميدانية لمعرفة مدى النجاح الذي تحقق؛ إذ من الممكن لرؤيةٍ ما أن ترفع عن كاهلنا رؤيةً سابقة ذات آثار سلبية، لكن المهم أن لا توقعنا في آثار سلبية أكبر من ناحية ثانية.

(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا)

(سورة الجن: ۱۶)

الكاتب: حيدر حب الله