المتفرقة » المقالات » العقائد »

القدس في وعي المسلم

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء:۱٫

كانت أرض فلسطين ـ والقدس على وجه الخصوص ـ حاضرة بقوة في وعي المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من خلال عدة عناوين:

العناية القرآنية بالقدس

الآيات القرآنية المتعددة التي تحدثت عن تلك الأرض المباركة التي شهدت جهاد الأنبياء عليهم والسلام وجهاد من آمن معهم من أجل تمكين دين الله عليها والقيام بالقسط بين الناس، وقدّمت للمسلمين كعبر من التاريخ يدركون من خلالها سنن الله سبحانه وقوانينه في المجتمعات البشرية، وكوسيلة لبث روح النضال والصبر والاستقامة وترقب النصر الإلهي الحاسم. ومن تلك الآيات قوله تعالى عن الخليل إبراهيم عليه السلام: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء:۷۱، وقوله على لسان موسى عليه السلام: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) المائدة:۲۱، وقوله عز اسمه عن النبي يوشع بن نون عليه السلام ومن معه: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) الأعراف:۱۳۷٫

وعن السيدة مريم وزكريا ويحيى عليهم السلام: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء، فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران:۳۶-۳۹٫

إسراء النبي

حادثة الإسراء التي شهدت انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. إلى بيت المقدس.. الذي اكتسب من النفحات الروحية التي عاشها الأنبياء فيه، ومن التسبيحات الخاشعة لله التي انطلقت من قلوبهم، ومن الابتهالات التي كانت ترتفع في سمائه والتي تتفايض بالمحبة لله والخشية منه، ومن حركة الرسالة في خطوات الأنبياء والمؤمنين المتحدّية للشرك وللكفر وللضلال، والواقفة في مواقع ردّ التحدّي بالكلمة تارةً، وبالصبر أخرى وبالمواجهة ثالثة. وهكذا كان هذا المسجد مصدر وحيٍ للرسل وللناس وللحياة، كما كان موقع وحيٍ من خلال ما كان يتنزل فيه من وحي الله على رُسله.. جاءت هذه الحادثة لتكون بمثابة رحلة عبر التاريخ في زمن قياسي، شاهد من خلالها النبي من آيات الله ما شاء، ولتؤكد على هذا البعد العميق في الارتباط بينه وبين من سبقه من الأنبياء في مسيرتهم الرسالية التي يجمعها عنوان توحيد الله، وتؤكد وحدة مسار النبوات في المنطلقات والغايات، ولترسخ في وجدان كل مسلم قداسة تلك البقعة وأهميتها: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران:۶۸٫

قبلة المسلمين الأولى

تعيينها قبلة الصلاة للمسلمين في بادئ الأمر ولعدة سنوات.. فعلى الرغم من وجودهم في مكة، وعند البيت الحرام، إلا أن الله سبحانه جعل المسجد الأقصى قبلتهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) البقرة:۱۴۳، والمسألة لم تكن سهلة كما حدثنا بذلك القرآن الكريم، بل كانت كبيرة صعبة.. ولكن لعل التأكيد على وحدة خط النبوات ـ بما فيها هذه النبوة ـ كان يستدعي ذلك من خلال موقعية بيت المقدس كرمز للنبوات السابقة وقبلةٍ لأهل الكتاب.

يوم القدس العالمي

إذاً أرض فلسطين، والقدس، وبيت المقدس كانت حاضرة بقوة في وعي المسلمين على عهد رسول الله، من خلال عناوين التوحيد والنبوة والجهاد والعبادة والطهارة الروحية والبركة والقداسة.. وهكذا كانت حاضرة بقوة في وعي وضمير كل مسلم غيور في الأزمنة اللاحقة لاسيما في أجواء التحديات التي عاشتها هذه الأرض من خلال احتلال الصليبيين ثم الاستعمار البريطاني ثم العدوان الصهيوني.

ومن هنا كانت القدس والقضية الفلسطينية حاضرة في وعي الإمام الخميني بقوة حين جعلها واحدة من القضايا المركزية في حركته الثورية، معتبراً أن تحرير الأراضي المحتلة من دنس الصهاينة أمر واجب ومقدس على كل مسلم، وليجعل من آخر جمعة من كل شهر رمضان يوماً خاصاً للقدس، لتبقى القضية حية على الرغم من كل محاولات التمييع والتهميش والتدليس، وليعطيها البعد الرسالي والروحي من خلال اختيار يوم الجمعة وشهر رمضان لتكون وعاءه الزمني، بينما جعل من العالم كله وعاءً مكانياً له، لأن مسؤولية إحقاق الحق هي مسؤولية كل إنسان حر.

وقد دفعت إيران من خلال تمسكها بالقضية الفلسطينية ورفضها لكل المساومات ودعمها للمقاومة الفلسطينية ضريبة كبيرة، وما زالت.. وإذ أخذت تركيا على عهد حكومة حزب العدالة والتنمية دورها في المنطقة، وانطلقت في دعم القضية الفلسطينية، فإن من الخطأ الاستراتيجي الفادح على المستوى العربي السعي لتهميش ـ بل ومحاربة ـ الدور الإيراني، نزولاً عند الانحياز الطائفي أو التنافس على الحضور الإقليمي أو غير ذلك من العناوين.

وحدة الكلمة والموقف

إن سر القوة في وحدة الكلمة وفي تضافر الجهود وتجاوز العناوين الوهمية والفرعية التي تفت في العضد وتُمعِن في الضعف.. وإذا أضفنا إلى ما سبق الهزائم التي مني بها الكيان الإسرائيلي على يد المقاومة البطلة وانهيار أسطورة إسرائيل التي لا تُهزَم، ونهضة الشعوب العربية التي تجلت في شعاراتها حالة العداء للكيان الصهيوني والمطالبات بإلغاء ما يسمى بمعاهدات السلام معه وطرد الديبلوماسيين الإسرائيليين وغير ذلك من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فإنها بإجمعها يمكن أن تشكل عوامل متضافرة في طريق عودة الحق إلى أصحابه: (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال:۴۶٫

الکاتب: الشيخ علي حسن