القرآن الثقل الأكبر

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الَعَزِيزْ الحَمِيدِ﴾.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنَّه شافع مشفع وما حلّ مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ‏ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيلٌ وبيانٌ وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليُجِلْ جال بصره، وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ويتخلّص من نشب .

وقال علي عليه السلام:  واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ، والهادي الذي لا يضلّ، والمحدّث الذي لا يكذب، وما جالس القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدىً، أو نقصان في عمًى .

إنّ من الضرورة بمكان أن تركّز الأُمة الإسلامية اليوم على هذا التعريف الذي قدّمه نبي الإسلام للقرآن .

إنّ البيئة المعايشة للمسلمين لم تلوَّث إلى هذا الحد الذي تلوثت به اليوم من سحب سوداء متراكمة وقطع الليل المظلم .

صحيح أننا نجد القرآن ومنذ الخطوات الأولى التي تلت تحوّل الخلافة الإسلامية إلى السلطنة الطاغوتية وقد تحوّل في الواقع إلى زائدة كمالية، وخرج بشكل رسمي وإن لم يكن ذلك بشكل اسمي عن المجال الحياتي للمسلمين، إلاّ أن ما حدث في جاهلية القرن العشرين من خلال عمل الأجهزة السياسية والإعلامية المعقدة، يعدُّ أخطر من ذلك بمراتب، وأكثر بعثاً على القلق بلا ريب.

ولكي يُعزل الإسلام عن الحياة، فإنّ أكبر وسيلة وأكثرها أثراً هي إخراج القرآن عن المجال الذهني والقلبي والعملي للأُمة الإسلامية.

وهذا بالتأكيد ما عمل له المتسلطون الأجانب والعملاء الداخليون لهم، سالكين هذه السبيل عبر الاستعانة بشتى الأنماط والوسائل.

إنّ القرآن وهو (حسب تعبيره هو) الكتاب المقدس، والنور، والهدى، والفرقان بين الحق والباطل، والحياة، والميزان والشفاء، والذكر؛ لا تتم له هذه الخصال بشكلٍ عملي إلاّ إذا تمّ قبل كل شي‏ء استيعابه فهماً، وتطبيقه عملاً.

لقد كان القرآن في عصر الحكم الإسلامي في الصدر الأول، هو القول الفصل والكلمة الأخيرة، وحتى كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يجب أن يعرض عليه.

وكان حَمَلَة القرآن، يتمتعون بمكانة مرموقة في المجتمع بعد أن كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطى الأمة التعليم القائل: أشراف أُمتي، أصحاب اللّيل وحَمَلَة القرآن .

لقد كان استيعاب القرآن علماً وعملاً، يشكل قيمة واقعية.

فللعثورعلى حلّ‏ لكل مشكلة حياتية يجب الرجوع إلى القرآن، ولقد كان القرآن ملاك قبول أيّ حديث، أو أسلوب، أو مدّعى، ومعياره.

كان عليهم أن يعرفوا الحق والباطل من وجهة نظر القرآن ليشخصوا نماذجهما ومصاديقهما في ميدان الحياة.

ومنذ فقدت القوى الحاكمة على المجتمعات المسلمة القيم الإسلامية واغتربت عنها ورأت في القرآن وهو الناطق بالحق وفرقان الحق والباطل عقبة في سبيلها، بدأ السعي الحثيث لإبعاد كلام الله عن ميدان الحياة، ووُجد عقيب ذلك الفصل بين الدين والحياة الاجتماعية، والتفريق بين الدنيا والآخرة، والتقابل بين المتدينين الواقعيين وأهل الدنيا المقتدرين، وأُبعد الإسلام عن مركز إدارة مجالات الحياة الاجتماعية للمجتمعات المسلمة، ليقتصر على المساجد والمعابد والبيوت وزوايا القلوب، وهكذا وُجد الفصل بين الدين والحياة بكل ما عاد به من خسارة وعلى المدى الطويل.

ومن الطبيعي أن القرآن قبل أن يتمّ الهجوم الواسع للمتسلّطين الغربيين الصليبيّين والصهاينة وإن لم يكن موجوداً في المجال الحياتي بالمعنى الحقيقي إلاّ أنه كان يحتل مكانة في أذهان المسلمين وقلوبهم على تفاوت بينهم في ذلك غير أن الهجوم الصليبي الصهيوني في القرن التاسع عشر لم يستطع أن يتحمّل حتى هذا القدر أيضاً.

إنهم لا يستطيعون أن يتحمّلوا وجود القرآن الذي يصدر بكل وضوح أمر: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾، ويصدح بقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلى المُؤْمِنينَ سَبِيلاً﴾، القرآن الذي يريد للمؤمنين أن يكونوا إخوة فيما بينهم، أشداء غضاباً على

أعدائهم، مثل هذا القرآن لا يمكن أن يتحمّله المتسلطون الساعون للسيطرة على أزمّة أُمور المسلمين، ونهب كل شي‏ء لديهم .

إنّ هؤلاء المتسلطين أدركوا بكل وضوح أن القرآن رغم هذا الحضور غير الكامل في حياة الأمة، لن يسمح لتسلُّطهم ونفوذهم أن يسلكا سبيلهما المنشودين، لذا فقد وضعوا خطة حذف القرآن بشكل كامل، وطبيعي أن لا تمتلك ولن تمتلك هذه الخطة تطبيقاً عملياً، ذلك أن اللَّه تعإلى قد وعد الأُمة الإسلامية بحفظ القرآن دائماً على أننا لا نستطيع أن نغض النظر عن نتائج ذلك السعي الواسع الأبعاد الذي تمّ من قبلهم بهذا الصدد.

ألقوا اليوم نظرة على ميدان حياة المسلمين، فأين تجدون القرآن؟ هل تجدونه في أجهزة الحكومات؟ أو في النظم الاقتصادية؟ أو في تنظيم العلاقات والمناسبات بين الناس بعضهم مع البعض الآخر؟ في المدارس والجامعات؟ في السياسة الخارجية والعلاقات بين الدول؟ في تقسيم الثروات الوطنية بين فئات الشعب؟ في أخلاقية المسؤولين في المجتمعات الإسلامية وكل فئات الشعوب التي تتأثّر بهم قليلاً أو كثيراً؟ في السلوك الفردي للحكام المسلمين؟ في العلاقات بين الرجل والمرأة؟ في الأرصدة المصرفية؟ في أنماط المعاشرة؟ في أي مكان من الحركة العامة والاجتماعية للناس؟ ولنستثنِ من كل هذه الميادين الحياتية المساجد والمآذن وأحياناً بعد البرامج التي لا تُعد شيئاً من الإذاعات رياءً وخداعاً لعامة الناس.

ولكن هل جاء القرآن لهذا فقط؟ لقد كان السيد جمال قبل مئة سنة يَبكي ويُبكي لهذا الأمر، حيث عاد القرآن يقتصر على الإهداء والتزيين والتلاوة في المقابر والوضع على .

الرفوف.. ولكن ماذا حدث في المئة سنة هذه؟ ترى ألا يبعث وضع القرآن لدى الأُمة الإسلامية على القلق؟

إنّ الحديث كلّه يتركز على أن القرآن، كتاب حياة الإنسان؛ إنسان اللانهاية، الإنسان المتكامل، الإنسان ذي الأبعاد، الإنسان الذي لا حدّ لتكامله، إنّ هذا الهادي والمعلم للإنسان قادر على أن يرعاه في كل العصور، وأن نظام الحياة اللائق بالإنسان، إنما يتعلّمه الإنسان من القرآن لا غير، وأن الأساليب التي يجب أن يتبعها ليرفع عن كاهله أنواع الظلم، والتفرقة والفساد، والجهل، والطغيان، والانحراف، والدناءة، والخيانة التي ابتلي بها خلال تاريخه الطويل فكانت عقبة في سبيل رشده وتعاليه، كل هذه الأساليب إنّما يمكن أن تكون عملية في ظل الهداية القرآنية والمخطط الذي طرحه الكتاب السماوي للحياة الإنسانية.

إنّ العودة إلى القرآن، هي عودة إلى الحياة التي تليق بالإنسان، وهي المهمة الملقاة على عاتق المؤمنين بالقرآن، وفي طليعتهم العارفون به، والعلماء والمبلغون الدينيُّون.

وإنّ العودة إلى القرآن، شعار لو يطرح بشكل حقيقي وجدّي، لاستطاع أن يقدِّم الفارق بين الحق والباطل. كما يجب أن لا تتحمّل الشعوب الإسلامية وجود تلك القوى التي لا تريد أن تقبل مسألة العودة إلى القرآن.

إخواني المسلمين، أخواتي المسلمات.

إننا بعد أن ابتلينا كذلك بالبعد عن القرآن وأُصبنا بآثار التآمر ضد القرآن من قبل الأعداء العالميين، قد ذقنا طعم العودة إلى القرآن.

وإن انتصار الثورة الإسلامية العظيمة في إيران، وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية، ليعدّان من الاثار المباركة الكبرى لهذه العودة.

إنّ هذا الشعب ليشاهد اليوم في أُفق حياته، وفي علاقاته الإجتماعية، وفي شكل حكومته ومحتواها، وفي مناقبية قادته، وفي سياسته الخارجية، وفي نظام التعليم والتربية لديه، يشاهد في كل ذلك لمعات من التعليم القرآني… إنّ الذي هبّ‏ علينا لحد الان إنما هو نسيم في جنة القرآن.. إلاّ أن الطريق أمام السعي والحركة، ما زال مفتوحاً للوصول إلى بحبوحة هذه الجنَّة الواقعية.

الكاتب: السيد علي الخامنئي