القراءة المشروع المغيَّب

إن الفوضى التي نعيشها الآن والخصومات السياسية على الساحة والمجاذبات الحادة والأزمة المفتعلة بين طرفي الصراع الحكومة والمجلس وتبادل التهم، ناهيك عن البرامج الضخمة المقدمة على أطباق من فضة، وسط كل هذا الضجيج يبقى أن ننتبه إلى المتهم الأول والمسؤول الحقيقي عن هذه التراكمات السلبية، والمتمثل بـ (الشعب).

نعم وبكل أسف نحن شعباً بثقافته هزيلة، بعقليةاستهلاكية، باهتمامات سطحية، بأنانية في الاستحواذ على المركز والمال والرفاهية (أنا ومن بعدي الطوفان).

وقد أصاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هذه الحكمة: (كيفما تكونوا يولى عليكم).

لا نطلب من شعب لا يعرف أبجديات الثقافة أن يختار نواباً على مستوى المسؤولية والالتزام.. لأنه يفتقد المعايير الرصينة التي تحدد خياراته الجادة، فالشعوب المثقفة تعرف كيف تفكر وتقرر وتختار عن وعي وإرادة ولعل هذا القرار يختزل تجربة ناضجة ثمرة نظام تعليمي قائم على (التفكير الناقد) وتربية أسرية تغرس قيم الأخلاق في التعاطي المسؤول مع الشأن العام وحتماً تأتي معطيات النظام الديمقراطي مكملة لهذين العنصرين.

والسؤال هنا، كيف يتبلور وعي الشعوب؟ وكيف تصنع ثقافتها؟

الجواب بكل بساطة (القراءة)، للأسف نحن مجتمع يفتقد إلى الثقافة العامة التي نحتاجها في حياتنا الاجتماعية والسياسية لأننا هجرنا الكتاب كمنبع نرفد منه المعارف وتجارب الآخرين والدليل إلغاء حصة القراءة الحرة من مناهج التربية لسنين طويلة وعودتها خلال السنتين الماضيتين وبشكل هزيل حتى أن المعلم أو المعلمة يتهاون ويستخف بالحصة ويعتبر زيارة المكتبة من الأمور المعطلة للمنهج!

هناك جهل عام يبدأ من الطفل المدمن على الألعاب الإلكترونية وبرامج التلفزيون المسطحة ومن ثم المرأة وحدود قراءاتها لا تتعدى المجلات الاستهلاكية ومتابعة أخبار الفنانات ونجوم الغناء.

وعندما أسأل النساء هل تقرأين؟ تجيب أن ليس لديها وقت للقراءة رغم تسكعها في الأسواق والمقاهي، فأمّ لا تقرأ لا يمكن أن تربي طفلاً يقرأ، والمثل يقول (لا تعطيني حُلي وجواهر، بل اعطيني أمّاً قارئة).

وشبابنا في المولات والمجمعات والمقاهي يستعيضون عن الكتاب بالأرجيلة، والرجال رواد الديوانيات والمجالس العاطلة لا يدخلون الكتاب ضمن برنامجهم اليومي إلا النادر منهم.

لكن أي ثقافة ووعي نقصده؟ هل هي ثقافة الدكتوراه وحملة الشهادات وهي في الواقع ليس سوى بوابة عمل إلى وظيفة قائمة على برستيج لمّاع، إن ما أقصده الوعي الذي يجعلك تفكر وتنتقد وتحلل وتستنتج وتختار وتعمل بوازع من حس المسؤولية والتكليف لا أن تكون إمعة، تابع تسيرك التيارات يميناً وشمالاً.. أن تستوعب قضايا المجتمع ومشاكله وسبب التخلف عن عجلة الإبداع والتنمية والتطوير، لأن هذا هو واقعنا الحقيقي للأسف، واقع مشوه يحتاج إلى عمليات تجميل لتحسن فيه كل النظم والمؤسسات أداءها.

نسينا قول رسول الله (ص): (كلكم راعٍ وكلكم مسوؤل عن رعيته)، كم أسرة في الكويت تمتلك مكتبة منزلية؟ كم شخص فكر في زيارة المكتبات العامة، مبانٍ ضخمة مهجورة تعاني الخواء والفراغ، المؤسسات الثقافية والمؤتمرات الأدبية والعلمية غاب عنها الشباب والمقاعد الفارغة التي التقطتها عدسات المصورين بإحباط وخجل.

نحن أمّة اقرأ هجرنا الكتاب وعزفنا عن القراءة، فالكتاب عندنا لم يرقى مستوى الخبز اليومي ولهذا غرقنا في جهل، والجهل الذي أقصده (التفكير المستنير) أن تعرف كيف تحرض مهارات عقلك وتنتقد واقعك لتغيره وتحركه نحو التجديد.

هل تعرفون سر تفوق الروس وغزوهم الفضاء قبل غيرهم من الأمم السبب أن الشعب السوفيتي كان نهماً للقراءة يقف طوابير بانتظار أن تفتح المكتبة بابها وكل فرد ينتظر وبيده كتاب، مما أثار ضجة في الشعب الأمريكي حينما شاهدوا هذا الإنجاز العلمي الهائل مطالباً الحكومة بتغيير مناهج التعليم لأنهم أدركوا أن نظم التعليم القائمة على النقد والتفكير والتحليل تدفع الإنسان إلى التقدم والتطور، وهكذا كانت الولايات المتحدة تمضي في هذا السباق.

لماذا نقرأ؟ قد يتساءل القارئ مدهوشاً ومستهيناً بدور القراءة في تكون رؤيا واعية للإنسان، القراءة لها تأثير في تكوين فكر المجتمع وسلوكه فيكون قادراً على الإبداع رافضاً كل فكر متطرف، مقاوماً لكل عوامل الجهل والخرافة والتخلف باحثاً باستمرار عن الحقيقة، إن الغرب تفوق علينا علمياً وتكنولوجياً وهيمن علينا لأن شعوبه قارئة، مدمنة على القراءة، هناك حراك في الشارع الثقافي، تفاعل مع الأدباء، تناغم مع المفكرين والعلماء، الفرد منهم يحمل كتابه أينما يكون حينما ينتظر في عيادة الطبيب أو يجلس في حافلة الركاب، في المطار، الكتاب من أولويات اهتمامه ومن ضروريات حياته، ونحن شعوب كان لها حضارة عريقة أدرنا ظهورنا على الماضي وتشبثنا بنفايات الغرب لا علومهم وإبداعهم فسقطنا في وحل الجهل والتخلف.

ورسول الله (ص) يقول: (اقرأ لترقى).

والإمام علي يرشدنا: (خير محدث الكتاب).

لا نستهين بالقراءة فهي الغذاء الفكري للشعوب، فالمفكر الروائي الفرنسي (فيليب سولزر) يقول: (القراءة هي فن الحياة الرائع).

والشاعر الأمريكي (باوند) يؤكد: (يجب أن نقرأ لتزيد قوتنا).

إذن نحن بحاجة إلى0 نواب مثقفين يحطمون الأصنام الفكرية الجاهلة التي تحنطت في ذهن المواطن الجاهل، أن نخرج من شرنقة الجمود والاستغراق في الحياة الاستهلاكية الهشة، أن ينطلق من بين زحام الأصوات حنجرة صافية تتبنى مشروع القراءة عبر وسائل الإعلام، المدارس، المؤسسات الثقافية، عن طريق الأدباء والكتاب والصحافيين، ففي عام 1993 لاحظ الفرنسيون انخفض معدل القراءة لدى الشعب الفرنسي فقام وزير الثقافة بتأسيس مشروع أطلق عليه (مهرجان جنون القراءة) وقد شارك فيه الكتاب والأدباء والفنانين والعلماء وخرجوا إلى الشارع وبيدهم الكتب لتشجيع الناس على القراءة.

لهذا نحتاج إلى مشاريع قومية على غرار مشروع (القراءة للجميع) في مصر الذي أشرفت عليه السيدة سوزان مبارك، ومشروع (الرئاسة الأمريكية) برعاية (كلينتون) تشجيع زوار المكتبات العامة على القراءة.

إن المشكلة تكمن في المواطن المُسَّير من قبل الآخر والخاضع لمؤثرات حزبية وطائفية وقبلية لأنه يجهل استقراء واقعه وتاريخه ويجهل أسلوب النقد والتقييم، يجهل دستوره ومضامينه، يجهل كيف يبني تطلعاته في الحياة، والمرأة في مجتمعنا مازالت تعاني عقدة الرجل فتأتي الفزعة الحامية للأنوثة لكونها ضداً للرجل الظالم والذي بلور هذه الصورة في ذهنها طوال سنين مضت وهي في الحقيقة تجهل خارطة حقوقها ومنظومة الأسرة والعلاقة الزوجية، ولهذا كثير من النساء حينما يخضن تجربة الطلاق تتفاجئ أنها جاهلة بالأحكام الشرعية والقانونية الخاصة بحقوقها والتزاماتها كقضية النفقة، الحضانة، العدة، وغيرها.. وهذه من أبجديات الثقافة التي تحتاجها المرأة العادية فكيف تعرف ذلك إلا إذا قرأت وبحثت، فقد تعودنا أن (نتلقى) المعلومة الجاهزة، الخبرة الجاهزة، البرامج الجاهزة، التلقي الساذج الذي انتشر في مجتمعنا عبر دورات استهلاكية تجارية مضحكة مثال (كيف أفكر؟ كيف أعيش، كيف أتحدث) ننفق مئات الدنانير على دورات بهذه الشاكلة وهي ثقافات تنصهر في وجداننا وفكرنا وسلوكنا عبر قراءات مستفيضة تبنينا فكرياً وعاطفياً ونفسياً فتعيد إلينا التوازن والتناغم والانسجام وتوجهنا إلى اختيار قادتنا الأكفاء.

إننا كمجتمع بحاجة أن نقرأ كل ما يخص حياتنا وتفاصيلها الدقيقة، فالكويت أكثر دولة خليجية يتدنى فيها مستوى القراءة مقياساً لدول الخليج الأخرى، ولهذا كانت ساحتنا مرتعاً لهذه المهاترات والخصومات التي تجرنا إلى الحضيض، فالمواطن القارئ الواعِ لن ينخدع بمعسول الكلام ولا تنطلي عليه الوعود، إنه وحده المسؤول عن تأسيس مجلس نيابي على درجة عالية من الكفاءة والفاعلية.

فأرجو أن نقرأ هذه المقولة بتدبر لأن عدونا يعرف كيف يقرأنا بينما نحن نجهل أنفسنا:

رئيس الوزراء الإسرائيلي (موشى ديان) يقول:

(الشعوب العربية لا تقرأ، وإذا قرأت لا تفهم، وإذا فهمت لا تعمل).

نتمنى في الواقع أن ننسف هذه الصورة المستهجنة ونقرر مصالحة الكتاب كخطوة أولى في طريق الحلم الكبير.

الكاتبة: خولة القزويني