القوانين التشريعية في القرآن انعكاس للحياة الواعية

إن القرآن الكريم وافق الفطرة الإنسانية فغطى كل ما تحتاجه من طلبات روحية وجسمية وتربوية وتشريعية وهنا تبرز المعجزة التشريعية للقرآن الكريم وتبقى هذه المعجزة كسائرها من مظاهر المعجزة القرآنية معلماً شاخصاً يتحدى الزمن بكل ما أوتي من قوة وتطور علمي.

فإذا تأملت في الفقه الإسلامي الذي شرع قبل أربعة عشر قرناً ضمن حياة تسودها أعراف البادية الجافة وهو يتمتع بروح مدنية عالية لعرفت عظمة الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم حيث الطرح القانوني المتكامل للحياة المتحضرة فقد انحنى أمام القوة التشريعية في القرآن أكابر المقننين وعظماء القانون والسياسة إجلالاً واعترافاً فقد بين القرآن أحكام العقوبات وآداب الحكم وحقوق المحكوم وواجبات القاضي والحاكم وكيف يستدل الحاكم على البينة في القضاء حيث الشهادة من العدول على المدعي واليمين على من أنكر، وبين دقة آداب المعاملات من بيع وشراء وإيجار وعارية وسائر العقود، ونظم حياة الأسرة في النكاح والإرث وحقوق الزوج والزوجة وواجباتهما ووضح أحكام الجهاد والدفاع والمعاهدات والاتفاقيات وهكذا وبالرغم من أن البعض من أساتذة القانون كان يشكل على قانون العقوبات في الإسلام ويدعي بأنه تعسفي في بعض الأحيان كقوله تعالى:

(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا. . ) . (سورة المائدة: الآية 38).

و (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. . ) . (سورة النور: الآية 2).

والمرأة في الإسلام يعتبرها هذا البعض! أنها مظلومة في قوله تعالى: (وللذكر مثل حظ الانثيين) وفي التشريع الإسلامي الطلاق بيد الرجل حيث ورد عندنا (الطلاق بيد من أخذ بالساق) ومن هذه الأمثلة.

ولكن بعد الدراسة العلمية والميدانية المستفيضة تبين أن هذه الإشكالات ناتجة عن عدم فهم حالة الرجل أو المرأة نفسياً واجتماعياً ولا بد من هذه العقوبات الرادعة لمن يتجاوز الحدود فالسارق لا يرتدع إلا بقطع يده وبذلك يرتدع الناس من ارتكاب هذه الجريمة ويبقى السارق حاملاً عاره علناً.

وأوضح مثال في تأريخنا بالعصر الإسلامي الطويل حيث لم تقع مثل هذه الجريمة إلاّ مرتين كما هو المشهور وقد اختلف الفقهاء في زمن المعتصم حينما ثبتت السرقة على رجلٍ من المسلمين وكان اختلافهم في مقدار القطع أي من أين تقطع يد السارق؟ فقال أحدهم تقطع من الكرسوع وهو طرف الزند الثاني مما يلي الخنصر وقال آخرون من المرفق ولم يقتنع المعتصم بأدلتهم وطلب الإمام التاسع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهو الإمام محمد الجواد (عليه السلام) أن يعطي القول الفصل فقال: (فإن القطع يجب أن يكون عن مفصل أصول الأصابع فيترك الكف) وعندما سئل عن السبب أجاب قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها قال تعالى: (وإن المساجد لله).

ونتيجة اختلاف الفقهاء من عدم تطبيق هذا القانون الرادع لعدم وقوع السرقة والإنسان حينما يعرف مصيره في هكذا عقوبة من الصعوبة أن يقرر ارتكاب هذه الجريمة.

وبالمقابل نلاحظ اليوم في مجتمعاتنا وفي كل مكان فما أكثر السرقات والاعتداءات المتكررة لماذا؟ لان السارق لا يخاف من القانون الذي يسجنه فترة زمنية بسيطة ليخرج بعدها طبيعياً بينما الشريعة الإسلامية تجعله يتذوق مرارة الفعلة الشنيعة وتبقى العلامة في جسمه وصمة عار حتى الموت بل ربما تنتقل هذه الوصمة السوداء إلى أبنائه وأحفاده.

أما بالنسبة للمرأة فلها مكانة في القانون الإسلامي وكرامة وحقوق على كل من يحتويها أبا كان أو زوجاً. . فينفق عليها من الجهات المشروعة وما تحصل عليه الإرث مثلاً فهو لها بالخصوص ومسألة الطلاق بيد الرجل هذا القرار يناسب حالتها العاطفية التي سرعان ما تغضب أو ترضى فهي ريحانة لا قهرمانة كما يصفها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فهذه الصياغة العاطفية الرقيقة للمرأة من غير الصالح أن تسلم قرارات مصيرية كبيرة كالطلاق ويمكنها من جهة ثانية أن ترضي زوجها ببذل مهرها أو غيره في الحالات الشاذة فيكون الطلاق خلعياً من قبل الزوجة. .

ونقل لنا دكتور في القانون في محاضرته إن المحاكم القانونية في باريس قبل سنين منحت للزوجة حق الطلاق كما للزوج تطبيقاً لشعار المساواة بين الرجل والمرأة في كل الميادين وإن هذا القانون سرعان ما رفع من المحاكم وحدد لكثرة المرافعات من قبل الزوجات تطبيقا لهذه الصلاحية المناطة لهن ونقل لنا الأستاذ بأن كثيراً من الأسباب الدافعة للمرأة كي تطلق زوجها كانت أسباباً تافهة وأدنى من التافهة وذكر أن إحدى النساء ذكرت سبب طلاقها لزوجها لأنه خالفها في الرأي في حلاقة رأسه أو لبس ملابسه باللون غير المناسب للون السيارة أو لعدم قبوله الخروج معها للسينما في ليلة معينة وما شابه ذلك.

المهم إن الذي يدرك النفس وحالاتها وأسرارها سيصل في يوم ما إلى أن التشريع القرآني هو الأنسب والأجدر بالتطبيق للمصلحة الإنسانية العامة فالقرآن الكريم حكم بالعدل والمساواة أمام القانون وحرم الزنا والاعتداء وعاقب على الفواحش: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق… ) .(سورة الأعراف: الآية 33).

وشرع الجهاد والدفاع: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) . (سورة التوبة: الآية 41).

و (فقاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا أيمان لهم) . (سورة التوبة: الآية: 12).

والحقيقة إن المعجزة التشريعية لهي التي يفهمها العالم المتحضر اليوم لأن العالم لا يفهم التحدي البلاغي والغيبي بقدر ما يفهم القوانين والدساتير التشريعية فهي انعكاس للحياة الواعية وبذلك يثبت إعجاز القرآن الحكيم بأنه مرسل من الحي القادر وليس من صنع البشر إطلاقاً لأنه يتوج الصياغة النفسية لدى البشر ويطابق الفطرة الإنسانية ويحيط برحمته كل شيء ولا يترك حاجة إلا وسن لها قانوناً صالحاً يماشيها مع الزمن أو زود قانونها بمطاطية خاصة يستطيع القانون أن يتماشى مع جميع الظروف والأحوال بحيث لا يخرج من الإطار التشريعي فنرى الدساتير الإسلامية صالحة لكل الوقائع صغيرة وكبيرة وفي أدق التفصيلات يقف القانون الإسلامي إلى جانبه. قال (سانيلانا) : (إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين تشريعهم المدني إن لم نقل إن فيه ما يكفي للإنسانية كلها).

وقد أصدر مؤتمر لاهاي للقانون الدولي القرار التالي:

الشريعة الإسلامية حية مرنة تصلح للتطور مع الزمن وإن اللغة العربية قد دخلت من الآن فصاعداً في عداد اللغات التي يجب أن تسمع في المؤتمر) .

وقال الأستاذ (شيرل) عميد كلية الحقوق بجامعة فينا: (إن البشرية لتفخر بانتساب رجل كبير كمحمد إليها إذ أنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيون أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي عام).

وقال الأستاذ أدمونت بورك: (القانون المحمدي قانون ضابط للجميع نسج بأحكم نظام حقوقي وأعظم نظام علمي وأسمى تشريع منور لم يسبق قط للعالم إيجاد مثله) .