القوة والعنف

(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) [القصص:۱۵-۱۹]

هل امتلاك عنصر القوة والتفوق الجسماني أو الاعتباري يبيح للإنسان استعمال العنف ضد الآخر؟ وأقصد بالتفوق الاعتباري أن يمتاز هذا الفرد على الآخر بعنوان الانتماء إلى أسرة حاكمة أو ثرية أو متنفذة أو مواطن في مقابل وافد إلخ.

تصحيح مفهوم القوة للإجابة على ذلك أحب أن أطرح عدة عناوين

۱ـ النبي صحح مفهوم القوة بقوله: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ). وفي موقع آخر مرَّ صلى الله عليه وآله بقوم يصطرعون، فقال: (ماهذا؟ قالوا: فلان الصرِّيع، ما يصارع أحداً إلا صرعه. قال: أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه).

وهذا على خلاف المنطق السائد عند كثيرين، في ذلك الزمان، وفي هذا الزمان، حتى عند القوى العظمى التي تتصور أن امتلاكها لعناصر القوة الاقتصادية والعسكرية تخوّلها أن تفعل ما تشاء، وأن تلجأ للعنف متى شاءت.

بالطبع فإن هذا لا يعني أن التفوق الجسماني أو الاعتباري ليس بقوة في الحقيقة، ولكن بمعنى أنها قوة منقوصة وقد تجلب لصاحبها الكثير من النتائج السلبية التي تربك حياته، أو تدخله في متاهات لا خلاص له منها.

تجربة النبي موسى

لاحظ كيف استعمل النبي موسى عليه السلام قوته الجسمانية، وقوته الاعتبارية كونه عاش وكبر في القصر الفرعوني، دون أن يضبط أعصابه ويسيطر عليها.. فقتل رجلاً.. ثم أقر بأن هذا التصرف في غير محله، وطلب المغفرة من الله، ثم سرعان ما أراد أن يكرر ذات الأمر في تجربة جديدة.

وما النتيجة؟ صار ملاحقاً ومطلوباً، واضطر إلى أن يهرب من وطنه، وخسر كل الامتيازات التي كانت لديه. ثم استعمل قوته الجسدية في الموقع السليم حين ساعد الفتاتين، وأرجع هذه النعمة إلى الله (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)[القصص:۲۴].

وقرن ذلك بالعفة حيث طلب من الفتاة التي استدعته إلى بيت أبيها أن تبقى خلفه وترشده إلى بيت أبيها كي لا يختلس إليها النظر. والنتيجة أن حياته عادت لتسير في الاتجاه الصحيح فتزوج ووجد بيئة حاضنة مادياً وأمنياً واجتماعياً، ثم اصطفاه الله ليكون نبياً ومنذراً لفرعون. ثم استعمل قوته الإيمانية والجسدية والكاريزما التي يتحلى بها في مواجهة فرعون وكفره وطغيانه.. والنتيجة أن الله أيده بالمعجزات، وخلّص على يديه بني إسرائيل من اضطهاد فرعون.

الأمر بالاستقواء

ولذا في القرآن الكريم أمر بالاستقواء: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)[الأنفال:۶۰]. ولكن لاحظ أن الهدف ليس العدوان، بل للدفاع عن النفس عن طريق إدخال الرهبة في قلوب الأعداء.. أي حتى قبل أن يُعتدى عليهم.

وفي كلمات النبي صلى الله عليه وآله: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).

وهي حكمة عظيمة تدفع للأمل وتسخير الطاقات في الخير، واستمداد القوة من الله وعدم السقوط في براثن الفشل واجترار المصيبة، بل النهوض مجدداً للبحث عن مكامن القوة وتوظيفها.

تذكر نقاط ضعفك

۲ـ كل قوي لديه نقاط ضعف فليتذكر ذلك، لكي لا يطغى من جهة، ولكي لا يصاب بالغرور الذي قد يوقعه في الهلكة حين يغفل عن نقاط الضعف تلك التي قد يستغلها الأعداء في إسقاطه. فموسى عليه السلام كانت لديه نقطة ضعف تتمثل في سرعة الانفعال فقال وهو يتوجه إلى فرعون بكل جبروته: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)[طـه:۲۵]. ومشكلة أخرى لها علاقة بالنطق فقال: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي)[طـه:۲۷-۲۸].

فلم يكابر، ولم يغتر بقوته الجسمانية، بل درس مواطن ضعفه، وبحث عن الحل: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) [القصص:۳۴].

قوة نسبية

۳ـ لكل قوي هناك ما هو أو من هو أقوى منه، فموسى عليه السلام بكل قوته الجسمانية لم يصمد في الموقف التالي: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)[النمل:۱۰].

فما هروبه في تلك اللحظة إلا لأنه عرف أن في البين ما هو أقوى منه ولو بصورة نسبية أو بلحاظ جهة معينة.

القوة في غير محلها

۴ـ صدرت توصيات بمراعاة ضعف الضعفاء وعدم استغلال ضعفهم للبطش بهم بالعنف أو سلب الحقوق ففي وصية علي عليه السلام: (واللهَ اللهَ في النساء وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله أن قال: أوصيكم بالضعيفين، نسائِكم و ما ملكت أيمانكم).

وفي الحديث النبوي: (فأي رجل لطم امرأته لطمة، أمر اللهُ عز وجل مالكَ خازن النيران فيلطمه على حُرِّ وَجهه سبعين لطمة في نار جهنم) وفي حديث آخر: (أيما رجل ضرب امرأته فوق ثلاث، أقامه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيفضحه فضيحةً ينظر إليه الأولون والآخِرون).

خلاصة الفكرة

إن من يضع هذه الأمور بحسبانه فإنه لن يوظف قوته في العنف غير المشروع، وذلك بالبدء بالعدوان مثلاً، أو غير المبرر، وذلك باللجوء إليه في مواقع يكون الحلم فيها والتجاوز عن السفهاء هو الخيار الأفضل.

إن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، ليس حين يوظف القوة في العنف، بل حين يسيطر على قواه فلا تفلت من زمام قيادته، وحين يحافظ بها على إيمانه وفي مواجهة العدوان الذي لا يرتدع إلا بالقوة، وحين يستعمل قوته في البناء والإعمار وفي كل أوجه التنمية التي تُصلح الفرد والمجتمع.

الکاتب: الشيخ علي حسن