اللاعنف والعلنية من أهم سمات المشروع الإصلاحي الحسيني

من أبرز الأساليب والمناهج المرافقة لعملية التغيير التي تجلت بوضوح في المسيرة الحسينية من دون أن يُنَصّ عليها صراحةً، وإنما من خلال إشارات متعاقبة استخدمها الإمام الحسين(ع) «العلنِيّة». وحريٌّ بسائر المشاريع التغييرية والإصلاحية التدقيق في هذا المنهج والتركيز عليه.

ويُقصَد بالعلنيّة: إبراز المظلومية بدقة أمام الرأي العام والشفافية والوضوح في الخطاب الإصلاحي، فهو يصنع رأياً عاماً في الساحة، يكون له أبلغ الأثر في الضغط على الجهات السياسية المتنفّذة وإحراجها، كما أنه يعطي الفرصة للمصلح كي يتحكّم في كيفية التعريف بمشروعه، ويفوّت الفرصة على تلك الجهات حتى لا تتفرّد برسم الصورة التي تريدها، أضف إلى أنه يوصِل الرسالة الأساس التي ينشدها المشروع إلى أكبر مساحة ممكنة على المستوى الإنساني. هذا المنهج تجلّى بوضوح في النهضة الحسينية من بداية انطلاقتها في المدينة وطوال مسيرتها حتى يوم عاشوراء. ولهذا المنهج ظلال كثيرة يمكن ملاحظتها من خلال تتبع ومراقبة الكثير من مشاريع الإصلاح والتغيير عبر التاريخ الإنساني وفي العصر الحديث والزمن المعاصر. ويرى أنصار هذه الرؤية السياسية أن هذا المنهج العملي بالإضافة لما يترتب عليه من محاسن، فإنه يحُول دون حصول مشكلتين خطيرتين «الإختراق، والمحسوبية». وثمة منهج آخر رافق المسيرة الحسينية من بدايتها وحتى يوم عاشوراء، وربما كانت الإشارات بالنسبة إليه أكثر وضوحاً وصراحةً، وهو المنهج السلمي القائم على اللاعنف. فالنهضة الحسينية وإن تخللتها مواجهات عسكرية ذات طابع عنفي إلا أنها خارجة عن المنهج الإختياري للمولى الحسين، وأما منهجه الإختياري فكان خالياً من أي موقف متمحِّض في الصورة العنفيّة، ولَكَ أن تتأمل في مواقفه الإبتدائية وردود أفعاله من بداية تصديه للإمامة الشريفة في زمن معاوية وطوال مدة النهضة. ويستمد هذا المنهج غطاءه الشرعي من خلال الكثير من الأدلة والتوجيهات القرآنية وتطبيقاتها الحاصلة في زمن المعصومين الكرام . والظاهر أن المدرك القرآني الأساس لهذا المنهج يتركّز في العمومات المؤسِّسة للسلم، بلا معارَضة من عمومات أخرى، فآيات القتال التي قد يُتوهَّم معارضتُها في المقام لا تُصنَّف إلا في حيز المستثنيات لا غير، مع أنها – آيات القتال – مخصَّصة أيضاً بالآيات الحاصرة للقتال في الحالات الدفاعية. فالتعامل مع الإنسانية – حسب الرؤية القرآنية – قائم على أساس متين وهو السلم، وهو بمثابة الأصل الأولي الذي لا يجوز الخروج عنه إلى ضده العام – اللاسلم «العنف» -، إلا في حالات خاصة، والذي يتعين الرجوع إليه في ظرف الشك أيضاً. بهذا فالأساس هو السلم وما عداه استثناء، بل يمكن القول أن السلم هو مقتضى العنوان الأولي للحكم المصرَّح به في الآيات، وبالتالي فإن ضده لا يُتَنزَّل إليه إلا عند انطباق عناوين ثانوية خارجية، وليس هو مفاد عناوين أولية مستقلة، وإن كان كل عنوان ثانوي يمكن أن يُنظَر إليه بلحاظين، أولي بلحاظ النظر إليه في نفسه، وثانوي بلحاظ تطبيقاته الخارجية. ويمكن تلمّس هذا المسلك في العديد من الخطابات القرآنية، إلا أن عمدة الأدلة ما أشير إليه أعلاه من أن الضد العام للسلم يحتاج الترقي إليه إما إلى نص خاص، أو إذن خاص، أو ظرف خاص.

المصدر: شبكة راصد الإخبارية