المبادئ-والقيم-عند-الإمام-السجاد

المبادئ والقيم عند الإمام السجاد(ع)

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب:33) صدق الله العلي العظيم.

صاحب المبادئ فلا يهمه الكسب المۆقت والنجاح الذي يمثل البرهة الزمنية المحدودة، وإنما همه التمسك بالمبادئ والقيم الحضارية للدين والخُلق القويم.

نعيش وإياكم في أيام حزينة، هي أيام محرم، التي شهدت أعظم حدث تاريخي يمر على الأمة الإسلامية ، تَمَثّل في استشهاد الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه المخلصين ، وتمتد أحزاننا إلى اليوم الخامس والعشرين من المحرم الذي يُمثل ذكرى استشهاد – أحد رواد فاجعة كربلاء الذين أوصلوا لنا حقيقة هذه الواقعة وفكرها وثقافتها الأصيلة – مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام.

إنّ هذا الإمام العظيم  مثّل أروع التجسيدات لمبادئ الإسلام من خلال تأكيده المتكرر في المواقف المتعددة التي وقفها عليه السلام من الناحية العملية والسلوكية، فأبرز الإمام عليه السلام  المبادئ الحقة من خلال البُعد المدني والحضاري.

 الفرق بين السياسي وصاحب المبادئ:

هناك فارق بين السياسيين وأصحاب المبادئ ، فالسياسي هو الشخص الذي يُريد أن يغتنم الفرصة لكي يصل إلى أهدافه ورغباته بغض النظر عن ما يقترفه من أمور لا تمت إلى تلك المبادئ بصلة وتتعارض مع الدين .

أما صاحب المبادئ فلا يهمه الكسب المۆقت والنجاح الذي يمثل البرهة الزمنية المحدودة، وإنما همه التمسك بالمبادئ والقيم الحضارية للدين والخُلق القويم.

 صمود الأئمة في تحقيق المبادئ السماوية:

إنّ الأئمة من أهل البيت عليهم السلام بالرغم من معرفتهم للطرق والأساليب الملتوية التي يتعاطى بها السياسيون إلا أنّ ذلك لم يحرفهم قيد أُنملة عن المبادئ التي ينطلقون منها ويتحركون في إطارها ، فهم لا ينظرون إلى أزمنتهم التي يعيشون فيها بقدر ما ينظرون إلى المستقبل، لذا نجد أنّ بعض غير المنتمين إلى الإسلام عندما يقومون بدراسات معمقة في حياة بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام استطاعوا أن يُبلوروا الفكرة التي شرحناها ببلورة رائعة، فهذا جورج جرداق وهو من المسيحيين بل لعله من العلمانيين – الذين لا يدينون بدين- كان يقول: أنا لا أۆمن في البشرية إلا بشخصين ويعتبر أحدهما الإمام أمير المۆمنين عليه السلام.

وما ذلك إلا أنّ الإمام كان يُۆكد على قيم السماء والوقوف مع العدالة ومع المُثل، وهو القائل (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس)، فالإمام عليه السلام كان يكره هذه الممارسات المشينة التي تتنافى مع القيم والمبادئ الدينية.

وكان الإمام زين العابدين عليه السلام وريث جده أمير المۆمنين عليه السلام في الحفاظ على تلكم المبادئ السماوية التي جسّدها في كل المواقف التي وقفها ، وسنذكر بعضاً منها:

الأول: الحفاظ على قيم الإسلام ومبادئ الإنسانية العامة.

نحن نعرف أنّ أهل المدينة ثاروا على الحكم الأموي في واقعة يسميها المۆرخون بواقعة الحرَّة ، التي اقترف فيها الأمويون تجاوزات وانتهاكات لا حدّ لها ، لا تنسجم مع مبادئ الإسلام ولا مع القيم الإنسانية، إلا أنهم بالطبع احترموا شخص الإمام عليه السلام ، الذي كان يحمل طابعاً أشبه ما نسميه في العصر الحديث بالحصانة الدبلوماسية، أي أنّ الإمام – نتيجة لواقعة كربلاء التي استشهد فيها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه الطيبين – أصبح يُمثل المرجعية الدينية والعلمية بالإضافة إلى المكانة الاجتماعية التي يحتلها في المجتمع الإسلامي ، فأصبح كياناً وواقعاً لا يمكن لأحد أن يتجاهله ، والسلطة – آنذاك – كانت تخشى السخط الشعبي واضطراب الوضع السياسي لو أساءت إلى الإمام عليه السلام وبالأخص أنّ بوادر السخط والاستياء كانت تعم أوساط الأمة الإسلامية تجاه الأمويين وما فعلوه بالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه ، فأعطت هذه الواقعة الإمام عليه السلام نوعاً من الحصانة، فلما دخل جنود الأمويين واقترفوا تلك المجازر البشعة وانتهكوا الأعراض الطاهرة (بنات الصحابة) ، كان الإمام عليه السلام محترماً ولم يجرأ أحد بالمساس به وأهل بيته ، فلذا ، جاءه مروان بن الحكم وهو من ألد أعداء أهل البيت، وأمَّن عنده بعض الأمانات بالإضافة إلى زوجة مروان عائشة ابنة الخليفة عثمان بن عفان ، مع أنّ الإمام عليه السلام على معرفة تامة بمروان وبغضه وعدائه ومواقفه ضد أهل البيت عليه السلام ، ولكن الإمام عليه السلام وافق أن يحفظ الأمانة والوديعة ويردَّها – بعد ذلك – على أكمل وجه ، والسبب يعود إلى أنّ الإمام عليه السلام كان لا يتحرك من خلال ردة الفعل لإساءة الآخرين له أو استغلال ظروف الطرف الآخر وضعفه للانتقام منه ، بل كانت مواقف الإمام عليه السلام منبثقة من قيم الإسلام ومبادئ الإنسانية العامة التي أكدت عليها الرسالات السماوية والمنهج الذي سار عليه الأنبياء والرسل.

 الثاني: الحفاظ على الأمانة.

إنّ الإمام زين العابدين عليه السلام صدرت من لدُنه أحاديث يُبين فيها أهمية الحفاظ على أحكام الإسلام وعلى المبادئ و المفاهيم التي شرَّعها الشارع المقدس، ومن أهم تلك المبادئ الحفاظ على الأمانة ، التي كان عليه السلام يُوصي بها كل مسلم بل كل إنسان يحمل ضميراً حياً  فيقول عليه السلام : (عليكم بأداء الأمانة، فواللهِ الذي بَعَثَ محمداً صلى الله عليه وآله بالحق نبياً، لو أنّ قاتلَ أبي الحسين عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديتهُ إليه) – لاحظوا – ما أروع هذه التي يُوصي بها الإمام عليه السلام كل الناس بالحفاظ على الأمانة، وتتجلى الأهمية الفائقة لأداء الأمانة عندما نتأمل الوضع الاجتماعي – آنذاك – الذي لا تتوافر فيه بنوك ولا توجد حكومات بمثل الحكومات التي في عصرنا الحاضر التي تمتلك سلطة تنفيذية قوية ، بالإضافة إلى أنّ الكثير من الناس يعيشون بمنأى عن السلطة في القرى والأرياف، فالناس كانوا يعيشون على مبدأ الثقة واستيداع الأمانات عند الناس، والإمام عليه السلام يريد للمجتمع المدني – آنذاك – أن يعيش الوداعة والطمأنينة والرفاه ، ويتفرغ لأموره حتى يُحقق التقدم في مسارات الحياة المتعددة، فكان يُوصي بأهمية أداء الأمانة ولذلك قال: ( لو أنّ قاتل أبي الحسين عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه)، فهذا أروع مثال يُۆكد فيه الإمام عليه السلام على القيم ويرفع الإنسان من النظرة الضيقة والمحدودة للزمن الذي يعيش فيه وللمجتمع الذي يعيش في كنفه ووسطه، فيتجاوز كل ذلك ، ليلحظ التاريخ المشرق للإنسانية بامتداده وأحقابه المتطاولة.

الثالث: الارتباط بالله تبارك وتعالى.

وهو درس أخلاقي يعلمه الإمام عليه السلام أيضاً للإنسان المۆمن بل للإنسانية جمعاء ، هذا الدرس هو أهمية الارتباط بالله تعالى، نحن نعرف أنّ الإمام عليه السلام له العشرات من الأدعية والروايات والمواقف والتوجيهات التي يُۆكد فيها على أهمية وقيمة الارتباط مع الله .

ولذا، نجد الإمام عليه السلام عندما مرَّ ذات يوم على شخص فقير قد ضاع منه بعض المال أو سقط من يده ، فكان يتألم لضياع تلك الأموال من يده ويبكي بُكاءً مريراً ، فأراد الإمام عليه السلام أن يُعطي هذا الفقير وأمثاله درساً يُرشده فيه إلى أهمية الارتباط بالله تبارك وتعالى، فالتفت إليه وقال (لو أنّ الدنيا كانت تحت كف هذا ثم سقطت ما كان ينبغي له أن يبكي عليها)، فالإمام عليه السلام يُۆكد هنا على قيمة الارتباط بالله كمبد لأنه لا يزول ولا يضمحل ولا يتغير، وأما الارتباط بغيره والتعلق به وبالتالي التأثر الكبير على فقدانه ، فهذا لا ينسجم مع الإيمان الحقيقي بمبادئ وقيم الشرائع السماوية جمعاء ، فالإمام أراد أن يُبين أنّ الإنسان لا ينبغي أن يجزع إذا ألمَّت به مصيبة أو وقع في مشكلة عويصة ، لأنه يعلم أن الله تبارك وتعالى بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، وهذا درس من أعظم الدروس التي تُقدم للإنسان الذي تعرض لخسارة مالية أو فقد أمواله .

فالمال له أهمية قصوى ، ولكن لا ينبغي أن يۆثر ذلك على الإنسان فيصاب بالجزع بحيث إذا فقد ماله فقد عقله أو يتأثر تأثراً نفسياً بالغاً ، والأسوأ من ذلك أن يفقد الإنسان في مثل تلك الظروف إيمانه ودينه ، فالإمام عليه السلام يخاطب هذا الفقير وغيره بأنّ المال الذي ذهب من بين يدك بل حتى الدنيا بأجمعها لو كانت بين يدي الإنسان ثم زالت من عنده وفقدها ما كان ينبغي له أن يبكي جزعاً عليها.

الکاتب: السيد مرتضى محمدي