المثقفون ومشروع الوحـدة

تبلغ (الوحدة) أرقى أهدافها حينما يفهم الفرد منّا أنها القاعدة الأساسية للنمو والتطور، فحينما تتحد السواعد وتأتلف القلوب تستقر الأوطان وتتحفز للانطلاق نحو المستقبل بهمة وعزم.
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد وضع حجر الأساس لهذا المشروع الاستراتيجي الذي امتد قروناً طويلة ,قاطعا أحقاب تاريخية صعبة حتى تشرّبت البشرية هذا المفهوم في حركتها النامية، إذ قدّم الأتقياء والأصفياء دماءهم أثماناً باهظة لترسيخ دعائم هذا المشروع النهضوي الهام في مسيرة الحضارة الإنسانية.
فالجاهلية الأولى عاشت صراعات قبلية وعنصرية وانقسمت إلى فئات وشراذم تتناحر فيما بينها حتى ضجّت الأرض ظلماً وعدواناً، فالقوي يفترس الضعيف ويهدر الدم البريء دون وجه حق، وتُنتهك الحرمات والأعراض، ويجنح أرباب القبائل نحو التسيد والتسلط دون اعتبار لموازين الحق والعدالة.
فجاء رسول الله (ص) وحطّم العقائد الصنمية الهدامة وأسس قاعدة التوحيد التي تجمع كل الفرق والفئات والقبائل ووحدها تحت مظلة (الإله الواحد الأحد)، وبدعم من آيات القرآن الكريم تعززت هذه الثقافة في وجدان الفرد بعد أن تم استفراغ ذهنه من المفاهيم الجاهلية المحرضة على الصدام والنزاع، فالاختلاف بين الناس أمر طبيعي وسنة كونية لا يلغيها الدين وإنما تحتاج إلى تهذيب ورُشد لتوجه بشكل تنموي إيجابي وفي صالح الإنسان والجماعة.
فالاختلاف الذي يدفع الفرد أو الجماعة إلى رفض الآخر واقصائه ونفيه إنما يشكّل أزمة في حياة الشعوب لأنه يقود إلى صراعات وصدامات دموية من أجل البقاء للأضعف والهيمنة للأقوى ، لكن عندما تجتمع كل الفرق والفروع والفصائل تحت قيادة واحدة وتتجه نحو هدف مشترك فإنها ستنهل ذات المفاهيم وتتربى على ذات النهج وتُقيّم بذات المعايير وتتحرك في مسار واحد برغم اختلافاتها المتباينة والمتناقضة، ولن تتحقق هذه الوحدة إلا بالالتفاف حول هذه القيادة والمحور المتمثل بالله سبحانه المالك المدبر والمهيمن على المخلوقات والموجودات ، فالإنسان أياً كان أصله وجنسه ومذهبه ودينه يرتبط بالله سبحانه في رباط فطري نحو أصل الخلقة، فهو نفخة من روح الله وبالتالي يكرس في علاقاته مع أخيه في البشرية فكرة الأخوة الإنسانية التي تدعو إلى التعايش السلمي والانفتاح الفكري واستثمار الاختلاف بشكل إيجابي من واقع تبادل الرؤى وتلاقح الأفكار والتي تدفع الى التجديد والأبتكار، فالثقافة الإسلامية توجه وعي الإنسان نحو صياغة جديدة لمفهوم الاختلاف وتوظيفه في خدمة المجموعة وتوحيد جهودها للصالح العام لا في الفرقة والتشتت.
فالوحدة تحت قيادة الله سبحانه المثل الأعلى المطلق تنهي عن كل الآلهة الأخرى المحرضة على النعرات المصدّعة لوحدة الصف، فالمذاهب السياسية والقوميات والعنصرية التي تضخم (الأنا) في الإنسان وتدفعه إلى إلغاء الآخر أو التهكم والسخرية عليه أو إقصائه مرفوضة وفق قانون التوحيد الإلهي، وقد قال فيها رسول الله (ص) (اتركوها فإنها نتنة).
فأول مخلوق زرع بذرة الفرقة والتمييز العنصري هو إبليس اللعين حينما عصى ربه ورفض السجود لآدم مبرراً تميزه على الإنسان في قوله (خلقتني من نار وخلقته من طين) أي أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين فكيف أسجد لمن هو أقل مني مقاما وقدرا ؟
وهذه (الأنا) العنصرية تشعبت في الإنسان واتخذت عناوين مختلفة لكنها في المجمل نعرات ترفد من أصل العنصرية ومنبعها وهو (إبليس) الذي استكبر على الإنسان وتربص لغوايته حتى يوم الدين، فالآلهة لا تتحدد في الأصنام المادية المجسمة (اللات والعزى وهبل) بل الإله هو كل قوة وقائد يشد الإنسان نحو فعل وسلوك معين، فهوى الإنسان قد يتحول إلى إله يدفعه إلى أكل مال الحرام، الزنا، القتل، كما في قوله عز وجل (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه).
العادات والتقاليد قد تكون إله للإنسان كما في قوله تعالى (إنّا وجدنا آباءنا على ملة وإنا على آثارهم مقتدون).
بينما الوحدة تحت مظلة الإله الواحد الأحد مصدر التشريع والسلطات تجمع البشرية في إطارها الواسع وتفتت أحجارها المتكلسة في الذهن لتنفتح منافذ التفكير فيها فتطل على الآخر بنظرة مفعمة بالمحبة والسلام، ولهذا أمر الله عز وجل المسلمين بشكل قاطع وحاسم أن يتمسكوا بعقيدة التوحيد الموحدة لقلوبهم ولا يتفرقوا، كما في قوله عز وجل (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).
ومن هنا تعمل قوى الغرب وحليفتها إسرائيل على خلق الفتن وشحن المشاعر والعصبيات لتمزيق وحدة الشعوب، فقد عززت فيما مضى نعرة القومية العربية وخلقت زعماء وأبطال تقود هذه الراية وتدفع الأمة العربية في هذا الاتجاه حتى تهاوت هذه الأصنام حينما انكشفت ولاءاتها للغرب وانفضحت خياناتها للشعوب، أما الآن وفي سياق ربيع الثورات تستعد المجتمعات العربية للنهضة من كبوتها مستمدة من دينها القوة والعزم، بيد أن الغرب تنبه إلى انفلات مصالحه في المنطقة لهذا استخدم السلاح الأفتك والأشرس لإضعاف هذه الثورات وتفكيك بنيانها الوطني ألا وهي سياسة (فرّق تسُد) وما يترتب عليها من فتن طائفية وعرقية ودينية وعنصرية ودعم المنهج التكفيري كقوة سياسية تقود هذه الدول وتروّج الإسلام الأمريكي المسيّس لضرب وحدة المسلمين.
وها نحن ندخل عصراً ملغوماً بالفتن والحروب، فالفكر التكفيري يعدم وجود الآخر إلى درجة القتل والإبادة ويشرّع فتاوي مضللة تسلخ المسلم عن هويته وانتمائه للإسلام كتحريم الاحتفالات بمولد النبي (ص) وزيارة قبور الأولياء وإثارة البدع التي تشكك الإنسان بعقيدته وهذا هو الأخطر على وحدة المسلمين.
والمسؤولية والواجب تحتم على كل مثقف ذو فكر مستنير أن يوجه قلمه باتجاه مشروع الوحدة وتفعيله كثقافة ومنهج حياة نعيشه على أرض الواقع، فالأمر لا يقتصر على علماء الدين فحسب إنما يشمل المثقفين على اختلاف مواقعهم ومهنهم، الأكاديميون، طلاب الجامعات، المعلمون، الأدباء، الصحافيون، أن يكون مشروعنا الحاضر والحيوي، فتكليفنا أن نفعّله ونغذي قيمه لنقف سداً منيعاً أمام هذا النهج الخطيروأتباعه لأنهم أذرع الأخطبوط الغربي الإسرائيلي الممتدة على رقاب هذه الثورات كي تزهق عزتها وكرامتها تحت عنوان الدين بينما الدين منها براء.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) صدق الله العظيم- الحجرات /۱۳

الكاتبة: خولة القزويني