الإمام

المحور السياسي في منهج تعامل الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام) مع حكام بني أمية

حول هذا المحور نتحدّث عن نقطتين مهمّتين في موقف الإمام زين العابدين (ع) من حكومة بني أميّة وعمّالهم وأعوانهم في البلاد:

أ- موقف الإمام من الخروج والثورة المسلّحة ضدّ حكّام بني أميّة وعمّالهم في البلاد.

ب- إعلان المقاطعة السياسيّة والمعارضة لحكّام بني أميّة، ونفي شرعيّة حكومة بني أميّة، والنهي عن التعاون معهم. وسوف نتحدّث عن هاتين النقطتين بإيجاز إن شاء الله.

أ- موقف الإمام (ع) من الثورة المسلّحة

لقد علم بنو أميّة أن شيعة علي (ع) هم المعارضون السياسيّون الصلبون ضدّ حكمهم.. وبإمكان هذه المعارضة أن تستقطب ثقة الناس ودعمهم ومشاركتهم ما لا تستطيعه أيّة جماعة معارضة أخرى.

وكان الخوارج يومذاك يحسبون في عداد المعارضات السياسيّة القويّة لحكّام بني أميّة، إلا أنّ المعارضة الخارجيّة كانت حركة انتحارية، انفعالية، في التعامل مع الساحة السياسيّة والأحداث كما قلنا، وهذه الحالة الانفعاليّة وغير العقلانيّة في تكفير المسلمين وقتلهم بصورة عشوائية، أدّت إلى تصفيتها من قبل حكّام بني أميّة، وعمّالهم كالحجّاج بن يوسف الثقفي، وغابت هذه الحركة عن الساحة السياسيّة في أواسط العصر الأمويّ تقريباً، ولم تعد هذه الحركة تقلق حكّام بني أميّة.

ولم يكن أمر المعارضة الشيعيّة كذلك، فقد كانت هذه المعارضة تمتلك جماعة عريضة، وخطّة سياسيّة، وقابليّة على ترحيل العمل السياسيّ، والثورات المسلّحة، وقدرة كبيرة على الاختفاء والكتمان والعمل في السرّ.

لقد اهتزّت دولة بني أميّة من أقصاها إلى أقصاها بسبب خروج الحسين (ع) ومصرعه، ولم يعد لهذه الدولة الموقع الشرعيّ الذي كان يدّعيه بعنوان خلافة رسول الله (ص)، بعد مصرع الحسين (ع) وأنصاره، في نظر عامّة المسلمين، وكانوا يتعاملون معها، كما يتعاملون مع أيّ حكومة زمنيّة ظالمة ذات قوّة وبطش.. ورغم كلّ الإعلام الأمويّ الواسع فقد دفع آل أميّة ضريبة باهظة بسبب مصرع الإمام الحسين (ع) وأنصاره على أيديهم، ولم يعد بإمكانهم جبر الكسر الذي حدث في سلطانهم في حادث الطفّ.

ومع كلّ هذا الإرهاب والتصفيات الواسعة التي مارسها بنو أميّة تجاه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) … بقى شيعة أهل البيت معارضة سياسيّة قويّة، ومسلّحة أحياناً في وجه بني أمية، يهدّدون سلطانهم وملكهم في كلّ حين، رغم كلّ القتل والسجن والمطاردة التي مارسها بنو أميّة بحقّ آل عليّ وشيعتهم.

ولذلك كان بنو أميّة يخطّطون للقيام بتصفيّة واسعة لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في العراق والحجاز، والتضييق عليهم في أرزاقهم ومطاردتهم وحبسهم وقتلهم، ومن يقرأ ما حدث لشيعة الإمام علي (ع) في العراق في عهد معاوية، وبعد ذلك، وفي عهد عبد الملك وهشام، وفي ولايّة الحجّاج في العراق، لا يتردد في هذه الحقيقة، وقد قرأنا من قبل كلمة الإمام الباقر (ع) في سياسة بني أميّة في استئصال شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وملاحقتهم، ومطاردتهم، والتضييق عليهم.

لقد عاش الإمام زين العابدين (ع) هذه الفترة الصعبة بعد مصرع أبيه (ع) وأنصاره (رضوان الله عليهم) بكربلاء.

فكان الإمام عليّ بن الحسين (ع) يعمل ما في وسعه لئلا يعطي ذريعة لبني أميّة وعمّالهم ليمارسوا هذه التصفيّة السياسيّة الواسعة التي كان يخطّط لها بنو أميّة لشيعته.

وكان الإمام (ع) هو رأس هذا الاستهداف.. وكان بنو أميّة يعلمون جيّداً أن الإمام عليّ بن الحسين (ع) وارث عاشوراء، حضر كربلاء يوم عاشوراء، وحفظه الله تعالى من بطش الظالمين يوم عاشوراء، ليحمل ميراث الحسين (ع) سيّد الشهداء، وأنصاره الشهداء من بعدهم للمسلمين، فكان زين العابدين (ع) يحمل خطاب الشهداء في كربلاء وخطاب سيد الشهداء إلى المسلمين، وكان يشعر بثقل هذه المسؤوليّة، وكان يسعى لأداء هذا الخطاب أوسع أداء إلى الأجيال، وكان بنو أميّة يعرفون ذلك كلّه.. وقد لمسوا تأثير هذا الخطاب في مسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، على هيئة أسرى من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام.

الإمام زين العابدين يقيم أوّل مجلس عزاء للحسين (ع) عند مدخل المدينة:

روى بشير بن حذلم وقال: )لمّا قربنا من المدينة حطّ عليّ بن الحسين رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال: يا بشير رحم الله أباك لقد كان شاعراً فهل تقدر على شي ء منه؟ فقلت: بلى يا ابن رسول الله (ص) إنّي شاعر، فقال (ع): ادخل المدينة وانع أبا عبد الله. قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلمّا بلغت مسجد النبيّ (ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها **  قُتِلَ الحسينُ فأدمعي مِدْرارُ

الجسمُ منهُ بكربلاءَ مضرَّج ** والرأسُ منهُ على القناةِ يدارُ

قال: ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين (ع) مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه.

قال: فلم يبق في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلا برزن من خدورهن، وهنّ بين باكيّة ونائحة ولاطمة، فلم ير يوم أمرّ على أهل المدينة منه، وسألوه: من أنت؟ قال: فقلت: أنا بشير بن حذلم، وجّهني عليّ بن الحسين، وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه.

قال: فتركوني مكاني وبادروني، فضربت فرسي حتى رجعت إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي، وتخطّيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط، وكان عليّ بن الحسين داخلًا فخرج وبيده خرقة يمسح بها دموعه وخادم معه كرسيّ، فوضعه وجلس وهو مغلوب على لوعته، فعزّاه الناس، فأوما إليهم أن اسكتوا، فسكنت فورتهم فقال:

الحمد لله ربّ العالمين مالك يوم الدين بارء الخلائق أجمعين، الذي بَعُدَ فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وجليل الرزء وعظيم المصائب.

أيّها القوم إنّ الله وله الحمد ابتلانا بمصيبة جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله وعترته، وسبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، أيّها الناس فأيّ رجالات يسرّون بعد قتله؟ أيّة عين تحبس دمعها وتضنّ عن إنهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار والسماوات والأرض والأشجار والحيتان والملائكة المقرّبون وأهل السماوات أجمعون.

أيّها الناس أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟ أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلم في الإسلام؟

أيّها الناس أصبحنا مطرودين، مشرّدين، مذودين، شاسعين، كأنّا أولاد ترك أو كابل من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه. ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين. إن هذا إلا اختلاق، والله لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاة بنا، لما زادوا على ما فعلوه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

إضطهاد وارث كربلاء

لقد كان عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) وارث عاشوراء حقّاً، وكان يحمل تراث عاشوراء، وينشره أينما يحلّ … فقد كان شاهد عاشوراء ووارثه وحامل خطابه.

ولذلك كان يخافه بنو أميّة على ملكهم وسلطانهم ويرصدونه، ويتحيّنون الفرص به للقضاء عليه وأهل بيته وشيعته، لتخلو الساحة لبني أميّة من المعارضة الشيعيّة العلويّة.

وكان عليّ بن الحسين (ع) يعي كلّ ذلك، ويحرص ألا يعطي لبني أميّة هذه الفرصة في السنوات الثلاث الأولى، على الأقلّ، من عودته إلى المدينة.

فآثر (ع) في أوّل وهلة من عودته من الشام إلى المدينة أن يغيب عنها، ويسكن البادية، ويبتعد عن الناس، ليأمن بنو أميّة جانبه، وليرسخ في نفوسهم أنّ الإمام قد اعتزل )الحَضَر( و )السياسة( و )المعارضة (ولم يعدّ الإمام تهديداً فعلياً لحكومة بني أميّة.

يروي ابن أبي قرّة في )المزار( عن الإمام الباقر (ع)، قال: كان أبي عليّ بن الحسين (ع) قد اتخذ منزله بعد مقتل أبيه الحسين (ع) بيتاً من شعر، خارج المدينة، كراهيّة لمخالطة الناس.

وكان يسير في مقامه من الباديّة إلى العراق، زائراً لأبيه وجدّه (عليهماالسلام)، ولا يُشعر بذلك مِن فِعلِه  .

لقد أبعدت هذه السياسة أنظار بني أميّة فعلًا عن الإمام زين العابدين، وأمنوا جانبه، وحفظ الإمام (ع) بذلك نفسه وأهله وشيعته من بطش بني أميّة برهة من الزمان.

ولقد كانت تلك البرهة، بعد مصرع الحسين (ع) فترة صعبة من أصعب ما مرّ على أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وأيّ موقف انفعاليّ في هذه الفترة كان كافياً لاستئصال أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم على يد جلاوزة بني أمية.

ولم يكن لأهل البيت (عليهم السلام) أنصار في تلك الفترة الصعبة في الحرمين الشريفين، يقفون معهم وينصرونهم … وعن هذه الغربة والانفراد في الحجاز، يقول زين العابدين (ع)، كما في روايّة ابن أبي الحديد (ما بمكّة والمدينة عشرون رجلًا يحبّنا).

موقف الإمام (ع) من ثورة أهل المدينة (الحرّة):

ونقطة أخرى تلفت النظر في سيرة الإمام زين العابدين (ع) في هذه الفترة، فهي أن الإمام (ع) لم يشترك في ثورة أهل المدينة المسلّحة على بني أميّة، لأن الإمام كان يعلم مآل هذه الثورة من انتهاك حرمة حرم رسول الله (ص)، والمذابح الواسعة التي جرت على يد مسلم )مسرف( بن عقبة )لعنه الله( للصحابة وأبناء الصحابة والتابعين، وانتهاك حرمات النساء في مدينة رسول الله (ص)، ولأن هذه الثورة كان ينقصها التخطيط، ولم يكن قادة الثورة قد خططوا لهذه الثورة وأعدّوا لها عدّتها بصورة عقلانيّة.

ولسبب آخر يعادل كلّ الأسباب المتقدّمة، وهو أن الإمام كان لا يريد أن يعطي لبني أميّة ذريعة لقتله وتصفيّة من تبقّى من شيعته وأهله بعد كربلاء… ولا يمنحهم الفرصة التي كانوا يطلبونها للانقضاض على المعارضة الشيعيّة وإمامهم عليّ بن الحسين (ع).

ملاحظات على ثورة المدينة:

نحن عندما نقرأ في التاريخ ثورة أهل المدينة على يزيد بن معاويّة تستوقفنا ملاحظات جديرة بالتوقّف. لا يسعنا دراستها في هذا الموضع من البحث وانّما نشير إليها ونتجاوزها.

لم يكن يخفى على الثائرين في المدينة أن يزيد بن معاويّة لا يقف موقف المتفرّج عن إعلان أهل المدينة للانفصال عن حكومة الشام، بعد أن طردوا عامله على المدينة، وأنّه سوف يبعث إليهم بجيش من الشام، لا يطيقون مقاومته.

وكان من المعقول جدّاً أن يفكّر الثائرون في المدينة بالاتصال بالأقطار الإسلاميّة الأخرى ليزودوهم بالرجال والمقاتلين والمال كما فعل الحسين (ع) في خروجه على يزيد، ولكنّهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك. وكان واضحاً لمن يتابع سير الأحداث يومئذ في المدينة … أن الثائرين سوف يعرضون مدينة رسول الله (ص) وحرمه وقبره وأهل المدينة ومن بقي من صحابة رسول الله (ص) وأبناء الصحابة التابعين لفتك ذريع واسع من قبل جيش الشام الذي يقوده (مسرف) بن عقبة، وكان الأمر كذلك.

ونحن نحتمل أن عبد الله بن الزبير كان وراء هذه الواقعة فقد بعث أخاه منذر بن الزبير إلى المدينة ليحرِّض أهل المدينة على خلع يزيد وطرد عامله .

يقول المسعوديّ في مروج الذهب: ( إن حركة أهل المدينة واخراجهم بني أميّة وعامل يزيد من المدينة كان عن إذن ابن الزبير ) .

ويقول ابن الأعثم في الفتوح: (… إنّ أهل المدينة لمّا بلغهم مبايعة الناس لابن الزبير في مكّة والطائف وسائر مدن الحجاز، أخرجوا عامل يزيد من المدينة وبايعوا عبد الله بن الزبير، وبلغ ذلك ابن الزبير، فأرسل إلى عبد الله بن حنظلة الغسيل فولاه المدينة) .

ومهما يكن من أمر فلم يصب عبد الله بن الزبير في اشعال نار الحرب في مكّة وتعريض الحرم المكي الشريف لانتهاكات جيش الشام، كما حدث، ولم يصب الثائرون في المدينة في تعريض مدينة رسول الله (ص) للانتهاك الواسع الذي قام به جيش الشام بقيادة (مسرف) بن عقبة في الحرم النبويّ الشريف في المدينة.

كما لم يصيبوا في إعلان الخروج على يزيد من غير الإعداد الكامل لهذه المعركة غير متكافئة بين الثائرين من أهل المدينة وجيش الشام، وبين ابن الزبير وأصحابه في مكّة وجيش الشام.

ولا نعلم كيف خفي هذه المدّة الطويلة فجور يزيد وفسقه وإعلانه على أهل المدينة، حتى رجع وفدهم من الشام من عند يزيد، فقالوا: (قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويضرب بالطنابير، ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الخرابّ، فخلعوه من الخلافة) .

وكان عبد الله بن حنظلة الغسيل يقول: (جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بَنيَّ هؤلاء لجاهدته بهم).

ويقول: (ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح امّهات الأولاد والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة) .

وكان الإمام الحسين (ع) قد كشف للمسلمين يزيد بن معاويّة وفساده وفجوره منذ حياة أبيه معاويّة عندما كان يسعى معاويّة ليأخذ البيعة من المسلمين ليزيد في حياته  .

روى ابن قتيبة الدينورىّ وغيره: لمّا قدم معاويّة المدينة حاجّاً، وأخذ البيعة ليزيد، وخطب ومدح يزيد، ووصفه بالعلم بالسنّة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب. قام الحسين فحمد الله وصلى على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ثمّ قال: أما بعد: فلن يؤدّي القائل- وإن أطنب- في صفة الرسول (ص) من الجميع جزءا، هيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجزت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من أتم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل.

فهمت ما ذكرته عن يزيد من إكتماله وسياسته لأمّة محمّد (ص)، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المتهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق أكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدّم باطلًا في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدّم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص .

وقد كان حريّاً بأهل الحرمين الشريفين أن يقفوا مع ابن رسول الله (ص) حين أعلن الخروج على يزيد، ولكنّهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك حتى استشهد الحسين (ع) بكربلاء بتلك الصورة المفجعة … ولا نجد في خطاب الثائرين يومئذ في المدينة ذكراً للحسين (ع)، ومصرعه ومصرع أهل بيته وأنصاره الذين سبقوهم للخروج على يزيد.

وهذه وغيرها نقاط غامضة في ثورة أهل المدينة تحتاج إلى إجابة وبيان.

ومهما يكن من أمر، فقد كان من رأي الإمام زين العابدين (ع) ألا يدخل في هذه المواجهة المسلّحة لجيش الشام، وأن ينأى بنفسه وأهل بيته وشيعته عن هذه القضيّة، فهو يعلم أنّ بني أميّة كانوا يبحثون عن ذريعة يتمسّكون بها للقضاء على بقيّة السيف من آل محمّد (ص) وشيعتهم، ليتاح لهم القضاء الكامل على المعارضة العلويّة بعد وقعة الطف.

وكان عليّ بن الحسين (ع) يحرص ألا يعطي هو وأهل بيته وشيعته هذه الفرصة ليزيد، حتى تأتي الفرصة المناسبة للحركة الثقافيّة والسياسيّة الواسعة لأهل البيت بين المسلمين.

يقول الشيخ المفيد رحمه الله قدم (مسرف) بن عقبة المدينة، وكان يقال: (إنّه لا يريد غير عليّ بن الحسين).

ويقول المسعوديّ: نظر الناس إلى عليّ بن الحسين السجّاد، وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأتي به إلى مسرف، وهو مغتاظ عليه، فتبرأ منه ومن آبائه، فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعد، وقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قدم إلى السيف إلا شفّعه فيه، ثمّ انصرف عنه. فقيل لعلي: رأيناك تحرك شفتيك، فما الذي قلت؟ قال: قلت: اللهم ربّ السماوات السبع وما أظللن، والأرضين وما أقللن، ربّ العرش العظيم، ربّ محمّد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شرّه، وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شرّه. وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلمّا أتى به إليك رفعت منزلته!؟ فقال: ما كان ذلك لرأي مني، لقد مُلئ قلبي منه رعبا.

الإمام السجّاد (ع) في ظروف الاضطهاد الأموي:

واستمر بنو أميّة وعمّالهم يبثّون عيونهم حول عليّ بن الحسين (ع) ليجدوا فرصة مناسبة وذريعة للقضاء عليه بعد واقعة الطفّ حتى سنتين أو ثلاث بعد هلاك يزيد، ولكن الإمام (ع)، كان يعي حساسيّة الظروف السياسيّة يومئذ بعد مصرع الإمام الحسين (ع) ويفوت عليهم الفرصة التي كانوا يتمنوّنها حتى تغيّرت الظروف السياسيّة ووجد الإمام (ع) أن الظرف مواتٍ للعمل والحركة السياسيّة والثقافيّة، فتغيّرت سياسة الإمام (ع) عندئذٍ.

يقول إسماعيل بن عليّ أبو سهل النونجتيّ عن فترة الاضطهاد السياسيّ هذه: (وقتل الحسين (ع) وخلف عليّ بن الحسين ثمّ انقبض عنه الناس فلم يلق أحداً، ولا كان يلقاه إلا خواصّ أصحابه. وكان في نهايّة العبادة، ولم يخرج عنه من العلم إلا يسير، لصعوبة الزمان وجور بني أميّة) .

أجل كان الإمام (ع) يعتزل الناس وينأى بنفسه عن عيون بني أميّة، ولذلك لم يكن يتصل به أحد خلال هذه الفترة، إلا القليل من خواصّه، ولهذا السبب لم يخرج عنه من العلم إلا اليسير، حتى إذا تجاوز ظروف الفتنة أخذ منه الناس علماً كثيراً جمّاً، وكان له مجلس في مسجد رسول الله (ص) يعظ الناس معه فيه  .

ورغم كلّ هذه الحيطة والحذر من جانب الإمام زين العابدين (ع) كان بنو أميّة وعمّالهم يسعون ويعملون للقضاء على زين العابدين (ع) بأيّة ذريعة ممكنة. وقد قرأنا قريباً كيف همَّ (مسرف) بن عقبة أن يقتل الإمام (ع) لولا أن الله حفظه من بطش هذا المسرف.

روى الراونديّ في كتابه (الخرائج والجرائح): أن الحجّاج بن يوسف كتب إلى عبد الملك بن مروان: (إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل عليّ بن الحسين (عليه السلام) .

وأمر عبد الملك عامله على المدينة بإحضار الإمام (ع) إليه في الشام، فأُثقل الإمام بالحديد، ووكل به حُفّاظاً يحفظونه ليدخلوه على عبد الملك في الشام.

لقد كان الإمام يعلم بهذا الاستهداف، ويعرف نيّة بني أميّة تجاهه وتجاه شيعته علم اليقين، ويسعى بكلّ جهده لتفويت هذه الفرصة على بني أميّة.

أجل لم يشترك الإمام (ع) في ثورة أهل المدينة، ولكنه بذل ما في وسعه لحمايّة من تمكّن من حمايتهم من النساء والأطفال والرواة أيّام ثورة أهل المدينة على يزيد.. وقد ذكر المؤرّخون: أن الإمام (ع) آوى زهاء أربعمائة من النساء والأطفال والرجال وحماهم من فتك بني أمية.

وفي هذه الظروف أرسل المختار الثقفي (رحمه الله) إليه (ع) برؤوس قتلة الحسين (ع) وأولاده وأصحابه، فَسُرَّ الإمام (ع) بذلك وخرّ ساجداً لله ودعا له، وجزّاه خيراً  .

واحتفل أهل البيت (عليهم السلام) بهذا الانتقام الإلهيّ العاجل من قتلة الحسين (ع) وأنصاره.

وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): (ما اختضبت هاشميّة، ولا إدّهنت، ولا دخل مرود في عين هاشميّة حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد).

ومع أن الإمام (ع) دعا للمختار وجزّاه الخير، لم يقبل منه ما أرسله إليه من الهدايا.

وكان يقول (ع) لمحمّد بن الحنفيّة: ( يا عمّ، لو أن عبداً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد وليتك هذا الأمر، فاصنع) .

ب- سياسة المقاطعة والمعارضة لحُكّام بني أميّة

سياسة المقاطعة والمعارضة لحُكّام بني أميّة وعمّالهم كانت من الثوابت السياسيّة لعلي بن الحسين زين العابدين (ع)، ولا نعرف في حياته وسيرته أنه عدل عن هذه السياسة في وقت من الأوقات، حتى في الأيّام الأوائل من عودته من الشام إلى المدينة، حيث كان يسعى للتغيّب عن مجتمع المدينة لم يتخلّ عن هذه السياسة.

ولم يكن من رأي الإمام (ع) أن المبرِّرات التي تبرّر عدم التصدّي للمقاومة المسلّحة تبرّر السكوت عن المعارضة والمقاطعة لحكومة بني أمية.

مع عبد الملك بن مروان:

وكان يعلن هذه المعارضة إعلاناً للناس، ويريد أن يظهر للناس أنّه لا يعترف لهذا النظام بشرعيّة واحترام.

روى المجلسيّ عن الخرائج والجرائح عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: كان عبد الملك يطوف بالبيت، وعليّ بن الحسين يطوف بين يديه ولا يلتفت إليه، ولم يكن عبد الملك يعرفه بوجهه. فقال: من هذا الذي يطوف بين أيدينا، ولا يلتفت إلينا؟ فقيل: هذا عليّ بن الحسين (ع)، فجلس مكانه، وقال ردّوه إليّ. فقال له: يا عليّ بن الحسين! إنّي لست قاتل أبيك، فما يمنعك من المصير إليّ؟ فقال عليّ بن الحسين (ع): ( إن قاتل أبي أفسد بما فعله دنياه عليه، وأفسد أبي عليه بذلك آخرته، فإن أحببت أن تكون هو، فكن!

وكأنمّا استشعر الإمام من كلمة عبد الملك تهديداً له، فأجابه بهذا الجواب فإن أحببت أن تكون هو فكن).

وروى المجلسيّ في البحار عن البرقيّ في (المحاسن) قال: بلغ عبد الملك أن سيف رسول الله (ص) عنده- زين العابدين (ع)-، فبعث يستوهبه منه ويسأله الحاجة، فأبى عليه.

فكتب إليه عبد الملك يهدّده وأنّه يقطع رزقه من بيت المال، فأجابه (ع):

(أمّا بعد فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون، والرزق من حيث لا يحتسبون. وقال جلّ ذكره: ] إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ]. فانظر أيّنا أولى بهذه الآية).

يقول شهاب الزهريّ: شهدت عليّ بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأثقله حديداً ووكل به حفاظا في عدّة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له، فأذنوا لي فدخلت عليه، وهو في قبّة والأقياد في رجليه والغلّ في يديه، فبكيت وقلت وددت أنيّ مكانك وأنت سالم.

فقال يا زهريّ! أتظنّ أنّ هذا مما ترى عليّ وفي عنقي يكربني؟ أما لو شئتُ ما كان، فإنّه وإن بلغ منك وبأمثالك، ليذكرني عذاب الله، ثمّ أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد، ثمّ قال يا زهريّ لا جزت معهم على ذا منزلتين من المدينة.

قال فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنّا لنراه متبوعاً إنّه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديدة.

قال الزهريّ: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن عليّ ابن الحسين فأخبرته.

فقال لي: إنّه قد جاءني في يوم فَقَده الأعوان فدخل عليّ فقال ما أنا وأنت؟

فقلت: أقم عندي.

فقال: لا أحبّ.

ثمّ خرج، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة.

قال الزهريّ: فقلت يا أمير المؤمنين! ليس عليّ بن الحسين حيث تظنّ، إنّه مشغول بنفسه. فقال: حبّذا شغل مثله، فنعم ما شغل به.

قال وكان الزهريّ إذا ذكر عليّ بن الحسين يبكي ويقول زين العابدين .

ثمّ يقول ابن حجر: ( ومن ثمّ كتب عبد الملك للحجّاج أن يجتنب دماء بني عبد المطلب وأمره بكتم ذلك، فكوشف به زين العابدين، فكتب: إليه إنكّ كتبت للحجّاج، يوم كذا، سِرّاً به إليه، فلمّا وقف عليه وجد تاريخه موافقاً لتاريخ كتابه للحجّاج، ووجد مخرج الغلام موافقا لمخرج رسوله للحجّاج، فعلم أن زين العابدين كوشف بأمره، فسر به وأرسل إليه مع غلامه بوقر راحلته دراهم وكسوة، وسأله ألا يخليه من صالح دعائه(  .

الدعاء على الظالمين:

وكان (ع) يصوغ نقمته على الظالمين، وإعلانه لرفضهم على هيئة الدعاء.

ومنه هذا الدعاء الذي يرويه السيّد عليّ بن طاووس في الإقبال، وهو من أدعيّة الصحيفة السجّاديّة الخامسة:

)اللهم إن الظلمة جحدوا حقّك، وكفروا بكتابك، وكذّبوا رسلك، واستنكفوا عن عبادتك، ورغبوا عن ملّة خليلك، وبدّلوا ما جاء به رسولك، وشرعوا غير دينك، واقتدوا بغير هداك، واستنّوا بغير سنّتك، وتعدّوا حدودك، وسعوا معاجزين في آياتك، وتعاونوا على إطفاء نورك …( إلى أخر الدعاء.

التحذير عن التعاون مع الظالمين:

كان (ع) يحذّر علماء عصره من التعاون مع الظالمين والدخول في أعمّالهم وولاياتهم، ويقول:

(العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، شركاء ثلاثة).

هؤلاء الثلاثة شركاء للظالم في كلّ ما يتحمّل الظالم من مسؤوليّات الظلم … وقد ورد هذا المعنى في زيارة الحسين (ع) المعروفة ب- )وارث(: )لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمّة ظلمتك، ولعن أمّة سَمعت بذلك فرضيت به(.

لقد استحقّت الأمّة الأولى اللعن بقتل سيّد الشهداء (ع).

ولم تمارس الأمّة الثانيّة والثالثة )قتلًا ولا ظلماً( وإنّما استحقّت اللعن بالسكوت عن الظلم والرضا بالظلم.

خَطب الإمام الحسين (ع) بمنزل البيضة في طريقه إلى كربلاء، فقال:

(أيّها الناس، إن رسول الله (ص) قال:( من رأى سلطاناً جائراً، مستحلًا لحرام الله ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثُمّ لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله ) .

ومما روي عنه (ع) في صحبة الظالمين والفاسقين:

(لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم، إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، ولا اصطحب اثنان على غير طاعة الله، إلا أوشك أن يتفرّقا على غير طاعة الله).

وهي كلمة ذات شعبتين:

في الشطر الأوّل منها يشير الإمام إلى الذين يمدحون أرباب المال والسلطة من غير علم، وبما لا يعلمون تزلفّاً إليهم،

فيذكّرهم الإمام (ع) بأن هذا التزلفّ سرعان ما يتحوّل إلى تباعد وتنافر، فيقولون فيهم يومئذٍ من الشرّ ما لا يعلمون، كما كانوا يقولون فيهم من قبل من الخير ما لا يعلمون.

وفي الشطر الثاني من الكلمة، ينذر الإمام الذين يصاحبون الظلمة والفاسقين بأنّهم كما اجتمعوا على معصيّة الله، فسوف يفترقون على معصيّة الله.

وكان (ع) يقول:

(وإيّاكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين، ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنّه من خالف أولياء الله، ودان بغير دين الله، واستبدّ بأمره دون وليّ الله، كان في نار تلتهب).

مع الزهريّ:

كان محمّد بن مسلم الزهريّ من أبرز علماء البلاط الأمويّ في وقته، خدم بني أميّة طويلًا، وكان من أعوانهم، والذين يوطئون لهم الحكم.

قال ابن خلكان في ترجمته من وفيات الأعيان: )ولم يزل مع عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، واستقضاه يزيد بن عبد الملك).

وقال ابن حجر: (أمره هشام أن يملي على أولاده أحاديث، فأملى لهم أربعمائة حديثٍ).

وقال ابن الحديد: (كان الزهريّ من المنحرفين عن عليّ (ع)).

وروى جرير بن عبد الحميد عن محمّد بن شيبة، قال: )شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهريّ، وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليّاً (ع)، فنالا منه، فبلغ ذلك عليّ بن الحسين (ع)، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أمّا أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله، فحكم لأبي على أبيك. وأنت يا زهريّ، فلو كنت بمكّة لأريتك كير أبيك( ..

وروى الذهبيّ في ترجمة خارجة بن مصعب، قال: )قدمت على الزهريّ، وهو صاحب شرطة بني أمية، فرأيته يركب، وفي يده حربة، وبين يديه الناس .. فقلت: قبح الله ذا من عالم، فلم أسمع منه ..

يقول ابن خلكان: (ولم يزل مع عبد الملك واولاده هشام وسليمان ويزيد. وقد استقضاه الأخير).

وقيل ليحيى بن معين: )الأعمش خير أم الزهريّ؟ فقال: برئت منه ان كان مثل الزهريّ، إنّه كان يعمل لبني أميّة، والأعمش مجانب للسلطان ورع).

رسالة الإمام عليه السلام الى محمد بن مسلم الزهري:

روى ابن شعبة الحرّاني في تحف العقول: إن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) كتب إلى محمّد بن مسلم الزهريّ.

(كفانا الله وإيّاك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نعم الله بما أصحّ من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج الله بما حمّلك من كتابه، وفقّهك من دينه، وعرّفك من سنّة نبيّه محمّد (ص)، فرضي لك- في كلّ نعمة أنعم بها عليك، وفي كلّ حجة احتج بها عليك- الفرض بما قضى، فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك،] وأبدى فيه فضله عليك، فقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ].

فانظر: أيّ رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله! فيسألك عن نعمه عليك، كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك، كيف قضيتها؟

ولا تحسبنّ الله قابلًا منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير! هيهات هيهات، ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال:] لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَه].

واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت. فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً مع الخونة، وأن تُسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة.

إنّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك، ودنوت ممن لم يردّ على أحد حقّاً، ولم ترد باطلًا حين أدناك، وأحببت من حادّ الله.

أوليس بدعائه إيّاك، حين دعاك، جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم. داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يُدخِلون بك الشكّ على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم؟

فلم يبلغ أخصّ وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم. فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمّروا لك في جنب ما خرّبوا عليك. فانظر لنفسك، فإنّه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول.

وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً؟ فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه:( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ).

إنك لست في دار مقام، أنت في دار آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه؟

طوبى لمن كان في الدنيا على وجل. يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده. إحذر فقد نُبِّئت، وبادر فقد اجّلت.

إنّك تعامل من لا يجهل، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل. تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد، وداوِ دينك فقد دخله سقم شديد.

ولا تحسب أنّي أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكنّي أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك، ويردّ إليك ما عزب من دينك، وذكرت قول الله تعالى في كتابه: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِين.

أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب.

انظر: هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه؟ أم هل تراهم ذكرت خيراً أهملوه، وعلمت شيئاً جهلوه؟ بل حظيت بما حلّ من حالك في صدور العامّة، وكَلَفَهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك، إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا، وليس ذلك عندك، ولكن أظهرهم عليك رغّبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحبّ الرئاسة، وطلب الدنيا منك ومنهم.

أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟ قد ابتليتهم، وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، وفي بلاء لا يقدّر قدره. فالله لنا ولك، وهو المستعان.

أمّا بعد: فأعرض عن كلّ ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم، لاصقةً بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا، ولا يفتنون بها.

رغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا. فإن كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ، مع كبر سنّك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنّه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؟ إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

على من المعوّل؟ وعند من المستعتب؟ نشكو إلى الله بثّنا، وما نرى فيك، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك.

فانظر: كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلًا، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً ذليلًا؟

ما لك لا تنتبه من نعستك؟ وتستقيل من عثرتك؟ فتقول: والله ما قمتُ لله مقاماً واحداً أحييتُ به له ديناً، أو أَمَتُ له فيه باطلًا، فهذا شكرك من استحملك؟! ما أخوفني أن تكون كما قال الله تعالى في كتابه : (أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ).

استحملك كتابه، واستودعك علمه، فأضعتهما! فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به. والسلام.

حوار مع الزهريّ:

وروي أن الزهري قال لعليّ بن الحسين (ع): كان معاويّة يسكته الحلم، وينطقه العلم.. فقال (ع): كذبت يا زهريّ، كان يسكته الحصر، وينطقه البطر.

حوار الإمام مع عباد البصريّ:

وفي طريق الحجّ يلقى عباد البصريّ الإمام زين العابدين (ع) وهو مقبل على الحجّ على طريق مكّة، فيقول للإمام: تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحجّ ولينه؟ ثمّ قرأ عبّاد قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ ….).

فقال له الإمام (ع): اقرأ بعدها: فقرأ: )التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (.

فقال زين العابدين (ع): إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئاً  .

والإمام (ع) يُعرِّض بالقيادة الأمويّة الظالمة التي كانت تتصدى يومئذ للقيادة والخلافة في العالم الإسلاميّ … ويقول لعباد البصري: إنَّ القيادة الحاضرة المتصدّية لا تصلح للإمامة والقيادة، ولا يجوز الركون إليها، لقوله تعالى: (وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ).

وكيف يصلح لإمامة المسلمين (رجل، فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمه، معلن الفسق).

(رجل ينكح امّهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة).

وعلى هذا النهج كان عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) يُعرِّضُ بخلفاء بني أميّة الفاسدين ويطعن فيهم، وينفي صلاحيتهم لإمامة أمّة رسول الله (ص)، وينكر على المتعاونين معهم تعاونهم معهم وركونهم إليهم.

الكاتب: محمد مهدي الآصفي