المدرسة الکاظمیة

إن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‏ السلام الكوكب الساطع والنجم اللامع والإمام السابع من أئمّة أهل البيت من عترة المصطفى، ومن الخلفاء الأثني عشر الأئمّة الأطهار من بعد رسول الله محمد صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏آله‏ وسلم.

إمام زمانه ووحيد عصره، سابع الأنوار من مشكاة الرسالة المحمدية وسليل النبوة، وإمام المسلمين، وسيّد العلماء والطالبين في عصره، بعد أبيه الإمام الصادق عليه‏ السلام من غير منازع.

إنّه غني عن التعريف، فقد يتجلّى فيه إسم الله الأعظم والمجد والكرامة كالشمس الطالعة في رابعة النّهار. وقد ورث المجد والعظمة والعزّة كابراً عن كابر، حتى إنتهى مجده إلى الإمام أميرالمؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب عليه‏ السلام وجدّته سيدة النساء فاطمة الزهراء عصمة الله الكبرى، ومشكاة أنوار الله العظمى عليها سلام الله أبداً.

إنه موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام سيّد الشهداء الحسين بن الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهم‏ السلام.

أُمه: حميدة البربرية أبنة صاعد تلقّب بـ (المصفّاة) ويروى أنها أندليسيّة تعرف ب (لؤلؤة) جارية فاضلة، أشتراها الإمام الباقر عليه‏السلام وأهداها لولده الإمام الصادق عليه‏ السلام فأولدها الإمام موسى بن جعفر عليه‏السلام.

وفي رواية أن الإمام الصادق عليه‏ السلام لقّبها ب (المصفّاة) فقال: حُميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها حتى أدّيت اليّ كرامة من الله لي وللحجة من بعدي[1].

لقد إعتنى الإمام الصادق عليه‏ السلام بتربيتها وتعليمها حتى صارت عالمة فقيهة وفاضلة، ترجع النساء إليها، في أحكامهن وفي العقيدة والمفاهيم الإسلاميّة والأخلاق والآداب.

ولد الإمام الكاظم عليه‏ السلام في الأبواء ـ وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة ممايلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً (معجم البلدان 1: 79).

وكانت ولادته المباركة يوم الأحد السابع من صفر سنة 128 ه على أصحّ الروايات[2].

وفي (وفيات الأعيان) (5: 310) كانت ولادته يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجر سنة 129 ه.

كنيته عليه‏السلام: أبو إبراهيم، وأبو الحسن، وأبو علي، وقيل أبو إسماعيل، وأبو الحسن الماضي، وأبو الحسن الأوّل.

ألقابه عليه‏ السلام: كثيرة تُخبر عن عظمته وفضله وصفاته الكريمة منها: العبد الصالح، والعالم، والأمين، والصابر، والوفيّ، وراهب بني هاشم، ومنقذ الفقراء، وأسخى العرب، وأعبد أهل زمانه، وأفقه الثقلين، ومُطعم المساكين، وزين المجتهدين، وحليف كتاب الله، وحليف السجدة الطويلة، والنفس الزكية، وغيرها، وأشهر ألقابه عليه ‏السلام: الكاظم.

قال ابن شهر آشوب: سُمّي الكاظم لما كظم من الغيظ وغضّ بصره عمّا فعله الظالمون به، حتى مضى قتيلاً في حبسهم[3].

وقال إبن الأثير في (الكامل في التاريخ 6: 164) كان يلقّب بالكاظم لأنّه كان يحسن إلى مَن يُسيى‏ء إليه، وكان هذا عادته أبداً.

مدة عمره عليه‏ السلام: صار إلى كرامة الله وجواره في ظلّ عرشه، وقد كمل خمساً وخمسين سنة.

عشرون منها مع أبيه عليه‏ السلام: وخمس وثلاثون بعده، وهي مدّة إمامته.

وقيل: قُبص وهو إبن أربع وخمسين سنة[4].

شهادته ووفاته: أُستشهد بسُّم هارون العباسي في سجن السّندي بن شاهك ببغداد سنة 183 ه وكانت شهادته عليه‏ السلام لخمس بقين من رجب سنة 183 هـ ق وقيل سنة 186 هـ وقبره بالكاظميّة المقدّسة في جانب الكرخ من بغداد، وعرفت البلدة، بالكاظمية المقدّسة على مشرّفها التحية والسّلام أبد

الآبدين إلى قيام يوم الدين.

إطلالة عابرة على عصر الإمام الكاظم عليه‏ السلام

إنّ الأئمّة الإثني عشر من آل محمد عليهم‏ السلام كلّهم نور واحد، تتجلّى فيهم الحقيقة المحمديّة رحمةً للعالمين، وإنهم وحدة هدف وتعدّد أدوار، فإن هدفهم الأسمى حفظ الشريعة الإسلاميّة وصيانتها حتى يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وإن إختلفت أدوارهم في تبليغ الرسالة وحفظها بما أحاطت بهم الظروف الخاصة من مقتضيات زمانهم وتداعياته ومعطياته.

أما حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‏ السلام وسيرته المباركة بجميع أبعادها ومجالاتها، فقد تميّزت بالصلابة في الحق، والصمود أمام الأحداث الرهيبة ـ آنذاك ‏ـ بإسلوبها السلبي، وبالسلوك الواضح الّذي لم يؤثر فيه أي إنحراف أو التواء أو إغراء أو إرهاب أو تلوّن، بل كان متّسماً بالعدالة والتوازن، ومنسجماً مع سيرة جدّه الأكرم الرسول الأعظم محمد صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏آله‏ وسلم وهديه، والتزامه بحقيقة الإسلام والصراط المستقيم يجسد القرآن بسلوكه وأخلاقه، فكان القرآن الناطق.

لقد حفل عصر الإمام الكاظم عليه‏ السلام وعصر أبيه الصادق بأحداث كبيرة وأزمات سياسية كثيرة، لاسيّما الثورات المسلّحة والتي من أبرزها ثورة الشهيد زيد بن علي سلام الله عليه والثورة الهاشمية التي أطاحت بالحكم الأُموي الغادر، فقد إندفعت الشعوب المسلمة بحماس بليغ إلى الثورة الكاسحة ضد الحكم الأُموي البغيض، الّذي قام على إذلال الأُمّة الإسلاميّة وسلب كرامتها وإنسانيتها وحرمانها من أقلّ حقوقها الشرعية والإجتماعيّة، ومن مقوّمات حياتها الإنسانيّة، تحت شعار (الرضا من آل محمد) وقد إستجابت له الشعوب كافة من كلّ حدبٍ وصوب، وسعت للثأر لكرامتها والتخلّص من ظلم وجور الأُمويين، بإعتقادهم أنّ آل محمد عليهم‏ السلام هم الركيزة الأُولى لنيل الأهداف السامية التي ينشدها المجتمع الإسلامي لتطبيق العدالة الإجتماعية وتحكيم ونشر الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.

وما كان يظنّ أحد أنّ الثورة تحمل بين طيّاتها الدعوة لبني العباس، فإن هذه الأُسرة كانت خاملة الذكر، ولم يكن لها أي رصيد شعبيّ أو عمل جدّي يخدم الإسلام والمسلمين.

ثم إنحرفت الثورة عن مسارها المخطّط الّذي رُسم لها في الأبواء حين مبايعة محمد بن عبدالله بن الحسن ذي النفس الزكية بالخلافة، وقد اتّجهت إلى حمل بني العباس إلى سدّة الحكم بقيادة أبي مسلم الخراساني بإتفاق سرّي سبق أن دبّر بليل، والّذي ثبّت ركائز الحكم العباسي جيوش خراسان وزحفها على بغداد ودمشق.

ولم يثبت الحكم العباسي إلاّ على بحورٍ من الدماء، وجبال من جثث الضحايا بما فيهم الأبرياء والعجزة والمرضى والشيوخ والأطفال.

كما أنّ الإجراءات التعسفية القاسية التي مارسها المنصور العباسي وسنّها خاصة ضد أبناء عمّه العلويين، تركت أعمق الأثر وأمضّه في نفسيْ الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام خاصّة بعدما نكّل المنصور بأبناء عمه الحسنيين أفضع التنكيل وأشدّه، ومن خلفيّات هذه الهجمة الشرسة ونتائجها، وإمتداداً لظلم السلف المتعسّف وقعت المذبحة الرّهيبة التي راح ضحيّتها المئات من العلويين في واقعة (فخ) قرب مكة المكرمة.

والإمام الكاظم عليه‏ السلام بشخصيته الفذة عاش تلك الأحداث المريرة، وإمتاز بالكظم والصبر وتحمّل المحن الشاقة التي لا قاها من طغاة عصره وحكّام زمانه خلفاء الجور والفجور، فقد أمعنوا في إضطهاده والتكنيل به، وقد حاول الحكّام العباسيّون لاسيّما المهدي منهم وهارون على قتل الإمام وإغتياله لمرّات عديدة وبأساليب مختلفة، وعمد أخيراً هارون العباسي (اللاّرشيد) إلى إعتقاله وزجّه في زوايا السجون وظلمات المطامير. بعدما أشخصه من مدينة جدّه المصطفى محمد صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏آله‏ وسلم إلى العراق، وحبسه في البصرة ثم في بغداد ولسنين متمادية يعاني فيها الحرمان والضلم والتعسّف، ويتجرّع الآلام والغصص والخطوب، ولم يؤثر عنه أنه أبدى أيّ تذمّر أو شكوى أو جزع ممّا ألمّ به، وإنّما كان العكس في ذلك، كان يُبدي شكره لخالقه الّذي طالما دعاه أن يُفرّغه لعبادته وانقطاعه لطاعته[5].

حتى شهد بذلك عدوّه هارون العباسي ـ والفضل ما شهدت به الأعداء ـ فإنّه عندما كان في سجن الفضل بن الربيع وأخبر عن عبادته وتهجده وعن تجرّده وزهده عن الدنيا وإقباله على الله سبحانه، قال هارون: (لا شك إنه من رهبان بني هاشم)[6].

فسيرته كانت تمتلك القلوب والمشاعر وهي مفعمة بسمّو المعاني، ومشحونة بالنُّبل والنّزاهة والقداسة، والزهد في الدنيا وحطامها والإقبال على الله عزّوجلّ.

وفي سجن السندي بن شاهك بأمر هارون سُقي السُّم الناقع الّذي أودى بحياته وإستشهاده في حالة عبادته وتهجده. عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الطيبين أفضل التحية والسّلام، وأتمّ الإجلال والإكرام، بحق ذي الجلال والإكرام.

مدرسة الإمام الكاظم (عليه‏ السلام)

إذا إستعرضنا جانباً من حياة إمامنا ومولانا الكاظم عليه‏ السلام فإنا نجد أنفسنا أمام تراث عظيم زاخر ضخم، ونفسٍ مطمئنة مشرقة تفيض بالخير والجمال، تحمل العطاء السخّي والتوجيه الصائب للأُمّة الإسلاميّة في عمود الزمان.

كما قام إمامنا العظيم عليه‏السلام بإدارة شؤون الجامعة العلمية بعد أبيه الصادق وجدّه الباقر ـ باقر علوم الأولين والآخرين عليهم‏السلام، فأسّس مدرستهم الخالدة بعد أبيه، تبتني على الثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة، وعلى العقلانية حجة الله الباطنة، والتي تعتبر أوّل مؤسّسة ثقافية عقلانية في الإسلام، وأول معهد تخرّجت عليه كوكبة من جهابذة العلم وفطاحل العلماء، منهم أصحابه والرواة عنه وتلاميذه وامتدّ إشعاعها إلى العصور الصاعدة وإلى عصرنا هذا وإلى عصر الظهور، وهي تحمل روح الإسلام وحقيقته وهديه المبارك والخالد بخلود القرآن والزمن.

إنه عليه‏ السلام بمدرسته الهادية جابه وقاوم المشاكل التي فعل بها عصره من الحركات الفكرية الهدّامة كالزندقة والغلو وغيرها، فقد كانت تستهدف القضاء على الإسلام وتقويض دعائمه.

فقد تصدّى لها الإمام الكاظم عليه‏ السلام بكل إمكاناته وما سمحت له الظروف المحيطة به، كما تصدّى أبوه الصادق عليه‏السلام من قبل، وأبرز علمه وحججه في مناظراته مع حملة أفكار الغلو والإلحاد وغيرهما من الأفكار الهدّامة الأُخرى التي داهمت العالم الاسلامي آنذاك، فدعت إلى تفكيك عرى المسلمين وروابطهم الإجتماعية، وتضليل الرأي العام في كثير من جوانبه الإجتماعيّة والعقائدية، وقد بادر الإمام الكاظم عليه‏السلام ومن قبله أبوه الصادق وجدّه الباقر إلى ايقاظ المسلمين وتحذيرهم من تلك الدعاوي الباطلة والانحرافات الفكرية والعقائدية.

كان للإمام الكاظم عليه‏ السلام مناظرات بليغة مع بعض علماء اليهود والنصارى، وجرت له أيضاً إحتجاجات مع خصومه ومناوئيه وخلفاء عصره، وقد أفلج عليه‏ السلام الجميع بحجّته البالغة وبرهانه الساطع وأدلّته الدّامغة، وأبطل مدّعاهم وما ذهبوا إليه، فكان عليه‏السلام له الدور البارز في إبطال شبهات المحلدين والمخالفين ومقالاتهم في مجال التوحيد والعقائد الحقة والصادقة، وأثبت بطلان وزيف عقائد الملحدين والمنافقين المنحرفين.

هذا فضلاً عن أصحابه وتلامذته، فإنّهم قاموا بدور فعّال للتدليل على فكرة الإمامة وأُطروحتها السماوية، كهشام بن الحكم وهشام بن سالم ومؤمن الطاق وغيرهم، وذلك من خلال مناظراتهم وإحتجاجاتهم مع أئمّة المذاهب الإسلاميّة وقادتها آنذاك، الأمر الّذي أدّى إلى انتشار فكر أئمّة أهل البيت عليهم‏ السلام وأخبارهم وفضائلهم ومنهجهم القويم بين المسلمين بفضل حججهم وبراهينهم الساطعة التي كانت تقوم على المنهج العلمي وعلى أساس من البحث الموضوعي المجرد والفكر الحر، وعلى العقلانية الصائبة والوجدان الواعي.

لقد أصبح الإمام الكاظم بعد والده عليهما ‏السلام مناراً للعلم ونبراساً للمعرفة، فقام بنشر علوم أهل البيت عليهم‏ السلام بإلقاء الدروس والمحاضرات العلمية، ورواية الأحاديث والأخبار عن آبائه الطاهرين وجدّه الرسول الأعظم محمد صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏آله‏ وسلم في مختلف العلوم والمعارف الإلهيّة كالعقائد والأخلاق والفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم والفنون والمعارف الدينية على طلابه وتلامذته وأصحابه الكرام.

وقد تخرج من هذه المدرسة العلميّة الكبرى نخبة من الفقهاء الأعلام ورواة الحديث الكرام يقدّر عددهم ب (539) عالماً وفقهياً ومحدّثاً، عدّ الشبستري في (أحسن التراجم لأصحاب الإمام موسى الكاظم عليه‏ السلام) خمسمأة وأثنين وثلاثين رجلاً في مَن روى عنه عليه‏السلام وإستدرك سبعة آخرين في نهاية الكتاب.

وقد تميّز من بين أصحابه ستة بالصدق والأمانة وأجمع العصابة ورواة الحديث على تصديقهم فيما يروونه عن الأئمّة الأطهار عليهم‏ السلام، وقد إشتهر بين المحدّثين الشيعة الأماميّة ثمانية عشر وقيل تسعة عشر فقيهاً ومحدّثاً من أصحاب الأئمّة الثلاثة: (الباقر والصادق والكاظم عليهم‏السلام) وهم الّذي اشتهر عنهم وعرفوا بأصحاب الإجماع، ستة من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر عليه‏السلام وستة من أصحاب أبي عبدالله الصادق عليه‏ السلام وستة من أصحاب أبي الحسن الكاظم عليه‏ السلام وهم: (يونس بن عبدالرحمن) و(صفوان بن يحيى بياع السابري) و(محمد بن أبي عُمير) و(عبد الله بن المغيرة) و(الحسن بن محبوب السرّاد) و(أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي) قدس‏سرهم فإنهم من الأجلاّء الثقات.

هذا في المجال الفقهي أما المجالات الأُخرى الفكرية كالعقائد (علم الكلام) والقرآن واللغة وما شا كل ذلك فلها أيضاً نخب متخصصة فيها.

عن السيد ابن طاووس قدس‏ سره: إنه كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى عليه‏ السلام من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس وأميال، فإذا نطق عليه‏ السلام بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا منه فيها.

وكان أحمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي يروي عن الإمام الكاظم عليه‏ السلام ويقول: حدّثني موسى بن جعفر قال: «حدّثني أبو جعفر بن محمد قال: حدّثني أبو محمد بن علي، قال: حدّثني أبي علي بن الحسين قال: حدّثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب عليه‏ السلام قال: قال رسول الله صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏آله‏ وسلم» ثم قال أحمد: وهذا إسناد لو قُريء على المجنون لأفاق[7].

وممن أخذ من الإمام الكاظم وروى عنه: الخطيب في تاريخ بغداد، والسمعاني في الرسالة القوامية، وأبو صالح أحمد المؤذن في الأربعين، وأبو عبدالله بن بطة في الإبانة، والثعلبي في الكشف والبيان[8].

لقد قام أصحاب الإمام وتلامذته وشيعته بدور هام في نشر علوم الإسلام ومعارفه في كلّ أقطار العالم بين الخاصة والعامة، فقد خرّجت مدرسة الإمام الكاظم نخب فاضلة ومتميزة من العلماء الأعلام والفقهاء الكرام منهم الفقيه المتكلّم القدير الثقة الجليل هشام بن الحكم، وقد برع في علم الكلام وفي المناظرة والجدل، حتى أُشتهر بين الأوساط العلمية آنذاك، وقد روى الكثير من الروايات في العقائد والأحكام والتفسير، وعُرف بمناظراته القويّة مع الكفّار والملحدين والزنادقة والمخالفين المنافقين وغيرهم، وكان يخرج في كل مرة فالحاً ومنتصراً، حتّى بعضهم كان يرجع إلى الحق ويؤمن بالإسلام، وبمذهب أهل البيت عليهم‏ السلام كما يشهد بذلك التاريخ والنصوص الصحيحة.

الإجتهاد في حوزة الإمام الكاظم عليه‏ السلام

إنّ الإجتهاد بمعناه اللّغوي من بذل الجهد وتحمّل المشقة، وبمعناه المصطلح عند الفقهاء من التّفقه وإستفراغ الوسع في إستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، بإرجاع الفروع إلى الأُصول، والإعتماد على الكتاب والسنة والإجماع والعقل في مذهب أهل البيت عليهم‏ السلام في مدرسة الأصوليين، قد ورد في نصوص أهل البيت عليهم ‏السلاموأخبارهم ـ كما هو مذكور في محلّه بالتفصيلِ[9].

والإمام الكاظم عليه‏السلام سابع الأئمّة المعصومين الإثني عشر عليهم‏ السلام قد أرسى أيضاً قواعد منهج الإستنباط والتفقه في الدين، نجد في تراث الإمام موسى بن جعفر عليه‏ السلام نصوصاً ترتبط بحرمة القول بغير علم، وبحجيّة الظواهر من الكتاب والسّنة، وحجيّة خبر الواحد الثقة، ونصوصاً ترتبط بعلاج الأخبار المتعارضة، وبالمنع من القياس، وبأصالة البراءة، ووجوب الموافقة القطعية في أطراف العلم الإجمالي، والاستصحاب من الأُصول العملية، وعدم جواز الرجوع إلى الأصل قبل الفحص عن الدليل، وغيرها ممّا ورد في علم الأُصول من البحوث الأُصوليّة، وفي المسائل الفقهيّة وقواعدها.

وهذه النصوص تشير إلى أنّ الإمام عليه‏ السلام كان بصدد إرساء قواعد أوليّة ومنهج الإستنباط الفقهي والتفقه في الدين كما كان عليه الأئمّة الأطهار عليهم‏ السلام من قبله ومن بعده.

كان الإمام عليه‏السلام يخطّط لتكامل الحوزة الفقهيّة الإجتهادية التي تواكب العصور والأمصار، ويربّي العلماء والمحدّثين على منهجها بحيث يضمن للرسالة المحمدية الأصيلة، ولخطّ أهل البيت عليهم‏ السلام ومذهبهم، الدّوام والحضور الفعّال في كل مجالات الحياة وميادين العمل، رغم كل التّحديات، فإنّه أصبح بعد أبيه عميداً وزعيماً للحركة العلمية والنهضة الفكرية والحوزة الإجتهادية في عصره، فالتفّ حوله أثناء إقامته في المدينة المنوّرة جمع غفير من كبار الرواة والعلماء ممّن تتلمذوا في جامعة الإمام الصادق عليه‏ السلام الكبرى، وكانوا من حوله كالفراش حول الشمع، ما ينطق بكلمة أو فتوى إلاّ وسارعوا إلى تدوين ذلك.

«لقد أراد الإمام الكاظم عليه‏ السلام بذلك التخطيط العلمي لآليات إستنباط الأحكام الشرعية، لحجز الأُمّة عن إتّباع مناهج ـ ومذاهب ـ وآليات غير سليمة في مجال الاستنتاج، ممّا يؤدّي إلى نتائج معكوسة في مجال الحياة العامّة، ويخلق مجتمعاً غير مستند إلى روح الشريعة ومقرراتها وأهدافها، يسير بشكل عشوائي نحو الفوض والخواء والفناء.

فالتجديد ـ والتحديث ينبغي أن يتمّ في ـ دائرة الأصالة ـ وفي إطار النصوص الإسلاميّة الثابتة ـ الثوابت ـ وإلّا فهو إبتعاد عن الحقيقة وتقليد محض يكرّس إشكالية التبعية لإنتاج أزمات متتالية»[10].

لقد ورد عن الإمام الكاظم عليه‏ السلام مجموعة كبيرة ومهمّة من النصوص والأحاديث في المجالات العلمية والمعرفية والعلوم الإسلاميّة، وكان يحث أصحابه على فهم الدين والتفقه فيه، ومعرفة الأحكام الشرعيّة فكان عليه‏ السلام يقول: «تفقهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة ـ وهي الرؤية القلبيّة وتمام العبادة ـ التي هي روح فلسفة الحياة ـ والسبب إلى المنازل الرفيعة ـ في الدنيا والآخرة ـ والرتّب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملاً»[11].

المنهج العقلائي في المدرسة الكاظميّة

إن الإمام الكاظم عليه‏ السلام كما أعطى للنصوص الدينية قيمتها ومكانتها في الاجتهاد وفي إستنباط الأحكام الشرعية والتفقّه في الدين الحنيف، فكذلك كان يدعو إلى العقل والتعقل والعقلانيّة، ويستند في ذلك إلى القرآن الكريم، إذ كلامهم يطابق القرآن، فإنهما نور واحد من الواحد الأحد الفرد الصمد جلّ جلاله.

ومن أبرز النصوص الواردة عنه في بيان عظمة العقل والعقلاء، ما أوصى به تلميذه العبقري المتكلّم المفوّه، والخطيب اللّسن، والعالم الجليل، هشام بن الحكم، فإن رسالته الغرّاء ووصيته العصماء تشتمل على مواعظ بليغة، وحِكم رائعة، وأقوال جامعة، لا سيّما في العقل وجنوده، وفي العقلاء وعلاماتهم ودلائلهم، فاحتوت الرسالة على خصائص العقل والعقلاء ومزاياهم، كما إشتملت على أوثق الأدلّة على وجود الله ووحدانيته، وهي: خلق السماوات والأرض وإختلاف الليل والنهار، وجريان الفُلك، ونزول الماء من السماء، وبثّ الدّواب في الأرض، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب.

فما أروع وصايا الإمام الكاظم عليه‏ السلام في بيان عظمة العقل ودوره في حياة الإنسان، وكيف، استدل على فضله بالآيات الكريمة.

ويعتبر هذا الحديث الشريف من أهمّ الثّروات الفكرية التي أُثرت عن الإمام عليه‏ السلاموقد شرحه جملة من الأعلام كالعلاّمة المجلسي في بيانات بحاره، في (مرآة العقول) وصدر المتألهين في شرحه على الكافي، والعلاّمة الطباطبائي قدس‏سره في تعليقاته على البحار، والمحقّق الشيخ باقر شريف القرشي دام ظلّه في كتابه القيّم (حياة الإمام موسى بن جعفر عليه‏ السلام المجلد الأوّل) وغيرهم جزاهم الله خير جزاء المحسنين، وأنعم الله عليهم بسعادة الدنيا والآخرة، فما كتبناه[12] في شرح الحديث الشريف إلاّ إستطعاماً من مائدتهم المباركة، ونمير علمهم، ومعين كوثرهم.

ولا مناقشة في سند الحديث الشريف، فإن كل فقرة من فقراته مدعومة بالآيات القرانيّة وبالأحاديث الصحيحة والمعتبرة، فلم يكن فيه ما يخالف العقائد الصحيحة والحقّة، والأخلاق الطيبة والفاضلة، والأعمال المرضية والصالحة، والسلوك الحسن، والعلم النافع، بل كل فقرة من فقراته يدلّك ويخبرك نورها عن صدقها وحقيقتها، فإن على كل حقيقة نور يدلّ على صوابها وصدقها، فلا نقاش في السند وإن كان مرسلاً لكونه مرفوعاً، كما في (الكافي) و(تحف العقول) .

وبعبارة أُخرى: متن الخبر غير معارض لضروري عقلي أو ضروري شرعي، بل موافق لروح الشريعة الإسلاميّة ولروح القرآن الكريم وسنة الرسول الأعظم ومنهاج الأئمّة الأطهار عليهم‏ السلام، ومطابق لما جاء في متون باقي النّصوص في هذا الباب وهذا ممّا يوجب الأخذ بالخبر، وإن ضعف السّند، كما إنّه مطابق للواقع الخارجي فيدلّ على الأخذ به والعمل على ضوئه، ونحتار هذا الملك، ونعبّر عنه بالعرفان الفقهي والفقه العرفاني فتدبّر.

وأما السند فكما يلي:

ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني من الأعلام الثقات بإسناده عن أبي عبدالله الأشعري من الثقات عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكمة من الأجلاء الثقات قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهم االسلام: «يا هشام…».

والحمد لله ربّ العالمین.

____________

[1] دلائل الإمامة: 147، الكافي 1: 477.

[2] اُنظر الكافي 1: 397 والإرشاد 2: 215 وتاريخ بغداد 12: 27 وأعلام الورى: 294 وتاريخ الأئمّة 11.

[3] المناقب 4: 323.

[4] الكافي 1: 405، تاريخ الأئمة: 11، روضة الواعظين: 221، المناقب 4: 324.

[5] موسوعة المصطفى والعترة إقتباس بتصرّف 11: 8.

[6] المصدر نفسه: ص 10.

[7] المجلة عن مناقب شهر ابن آشوب 4: 341.

[8] المجلة عن المناقب.

[9] ذكرت ذلك تفصيلاً في كتاب القول الرشيد في الإجتهاد والتقليد في المجلد الأوّل مطبوع وهو على الموقع فراجع.

[10] مجلة الكوثر العدد 25 عن أعلام الهداية الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‏السلام، ص 154 بتصرّف.

[11] بحارالأنوار 75: 132.

[12] کتاب العقلانیة من خلال رؤی الإمام الکاظم مخطوط.

الكاتب: السيد عادل العلوي