المذهب العرفاني وركائزه في الإسلام

للمذهب العرفاني قواعد تختصّ به في الفكر الإسلامي ، ففي الفلسفة يُقال بأنّها جاءت من اليونان ، وعندما انتقلت إلى الإسلام لبست ثوباً جديداً ، وأخذت محتوىً مغايراً ومختلفاً .
أمّا العرفان فلا يمكن القول بأنّه جاء من الهند ، أو أنّه كان عند الفرس أو أنّه حصيلة الفلسفة الأفلاطونيّة الجديدة والتي هي بدورها حصيلة لامتزاج أفكار أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس ، أو كان في الإسكندرية أو من الديانات الهنديّة أو المانويّة أو أنّه من آثار المسيحيّة وانتقل إلى الإسلام نتيجة لاحتكاك المسلمين بالرهبان المسيحيّين ، أو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكليني ، محمّد بن يعقوب ، الأصول من الكافي ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، دار الكتب الإسلاميّة ، إيران ، 1388 ه‍ – : ج 1 ، ص 352 . 
( 2 )  نهج البلاغة ، الخطبة : 218 .

26

أنّه نشأ من أفكار بوذيّة ، والعرفان الإسلامي امتداد لما كان عند هؤلاء كما يحاول بعض المفكّرين أو الكتّاب الإيحاء والقول بذلك .
فصحيح أنّ للعرفان جذوراً عند هؤلاء ولكنّه عندما جاء إلى الإسلام نما وترعرع ، وصار له محتوى جديد ومغاير أيضاً لما هو موجود عند الآخرين .
« على أنّ الرياضات الروحيّة ، وكبح جماح النفس ، والابتعاد عن العلائق الدنيويّة ، كانت موجودة في الفلسفة الهنديّة ، وكذلك نجد وحدة الوجود والأفكار الصوفيّة الأخرى في عقائد أفلاطون المحدثة .
وترى في الغنوصيّة نظماً عرفانيّة وإشراقيّة . وتجد في العرفان المسيحي ما يناظره في العرفان الإسلامي .
كذلك يوجد الكثير من المشتركات بين الفلسفة الإشراقيّة للشيخ شهاب الدِّين السهروردي المعروف بشيخ الإشراق ، والفلسفة الإيرانيّة القديمة وآراء ونظريّات الحكيم خسرواني ، والحكيم بهلوني . . .
يجب أن ندرك أنّ الدِّين الإسلامي المقدّس هو نظام معتدل وبعيد عن الإفراط والتفريط الذي يكون في غير محلّه ، لهذا فهو يخالف مرتاضي الهند ( الذين يمارسون الرياضات الروحيّة القاسية ) ، ورهبان المسيحيّة ، والسلوكيّة التي تخالف العقل السليم والاعتدال » ( 1 ).
وبكلمة واحدة نستطيع أن نقول إنّ الأصل في العرفان والركيزة الأساسيّة له في الإسلام هو بيان العلاقة بين الإنسان وبين الله تعالى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) .  مقدّمات تأسيسيّة في التصوّف والعرفان ، مصدر سابق : ص 11 .

27

فالعرفان الإسلامي هو علم يشابه سائر العلوم كالفقه والأصول والتفسير والحديث ، وهو في نظر أهله من العلوم التي أُخذت أُسسها وموادّها الأصليّة من الإسلام ، وليس هو من قبيل الرياضة والطبّ التي وفدت إلى العالم الإسلامي من الخارج وبلغت الرُّشد والتكامل في أحضان المعارف الإسلاميّة .
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأنّ العرفان والأفكار العرفانيّة كلّها إنّما جاءت إلى العالم الإسلامي من خارجه .
ويذهب السيّد محمّد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان إلى القول : « وليس التصوّف ممّا أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما أنّه يوجد بين الأُمم التي تتقدّمهم في النشوء كالنصارى وغيرهم حتّى الوثنيّة من البرهمانية والبوذيّة ، ففيهم من يسلك الطريقة حتّى اليوم بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم » ( 1).
فالتصوّف جزء من حركة الأمم وثقافتهم وطريقة سلوكها في التعبير عن الشأن العبادي المختصّ بها سواء كانت ديانة توحيديّة أم ديانة وثنيّة . وهذا الاسم المشترك بين الإسلام وغيره لا يعني انتقال مسألة العرفان والتصوّف من الأديان الوثنيّة إلى الإسلام بنفس المحتوى والمضمون ، ولكنّه انتقل « لا بمعنى الأخذ والتقليد العادي كوراثة الناس ألوان المدنيّة بعضهم من بعض وأُمّة منهم متأخّرة من أُمّة منهم متقدّمة » ( 2 ) ، والسبب في ذلك هو الاختلاف بين ما يدعو إليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1).الطباطبائي ، محمّد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسّسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1390 ه‍ ، و الطبعة الخامسة ، 1403 ه‍ – 1983 م : ج 6 ، ص 192 – 193 . 
( 2 ) . المصدر نفسه : ص 193 .

28

الإسلام وما تدعو إليه سائر الديانات والأفكار والمذاهب ، ف‍ « دين الفطرة يهدي إلى الزُّهد والزّهد يرشد إلى عرفان النفس ، فاستقرار الدِّين بين أمّة وتمكّنه من قلوبهم يعدّهم ويهيّئهم لأن تنشأ بينهم طريقة عرفان نفس لا محالة » ( 1 ) .
إذن فمن وجهة نظر الطباطبائي أنّ دخول العامل الديني على أيّة أمّة كفيل بتصحيح مسارها الفكري وتصويب منهجها ، وعلى هذا « فمكث الحياة الدينيّة في أُمّة من الأُمم برهة معتدّاً بها ينشئ بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة وإن انقطعوا عن غيرهم من الأمم الدينيّة كلّ الانقطاع ، وما هذا شأنه لا ينبغي أن يعدّ من السنن الموروثة التي يأخذها جيلٌ عن جيل » ( 2 ) .
ولتقريب المسألة أكثر نقول : بأنّه في العرفان عندنا مسألتان أساسيّتان :
المسألة الأولى : ما هو التوحيد ؟
المسألة الثانية : مَنْ هو الموحِّد ؟
فالنقطة الأساسيّة والمركزيّة في العرفان هي هاتان المسألتان ، نعم قد تجد في الرؤى الفلسفيّة أو الكلاميّة أنّ هناك حديثاً عن هذه المسائل ولكنّها ليست المحور لكلّ شيء ، وطبعاً هذا الكلام عن عدم محوريّة الحديث في الرؤى الفلسفيّة عن قضيّة التوحيد لا يشمل أو لا يطال الفلاسفة العرفانيّين كأمثال صدر المتألّهين باعتبار وجود هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ص 193 . 
( 2 )  المصدر نفسه .

29

المذهب والمشرب العرفاني في الحكمة المتعالية ؛ حيث استطاع هذا الفيلسوف الكبير أن يقرّب الفلسفة إلى العرفان .
وفي كلمات صدر المتألّهين ما يشير إلى أنّ هاتين المسألتين هما الأساس عند العرفاء ، يقول : « أمّا العرفاء فقد خرجوا عن التعلّقات بما سوى الله تعالى ، وقصروا النظر على وجه الله ، من غير التفات إلى ذواتهم فضلاً عن غيرها وحصل لهم الموت الإرادي عن هذه النشأة الدُّنياويّة » ( 1 ) .
« . .  فنّ الربوبيّات من المفارقات المسمّى بأثولوجيا من العلم الكلّي والفلسفة وعلم النفس من الطبيعيّات فإنّهما من المقاصد التي هي أساس العلم والعرفان . . » ( 2 ) .
وتحقيق القول في قضيّة منشأ العرفان وكونه مصطلحاً منتزعاً من داخل بيئة الإسلام أو أنّه معرّب عن لغة أُخرى أو بيئة فكريّة أخرى ؟ فإنّ هذه القضيّة تحتاج إلى تحقيق موسّع ومفصّل .
ولكنّنا عندما نرجع إلى الروايات الصادرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام نجد ألفاظاً من قبيل عرف وعرفان ومعرفة والوقوف في عرفات و . . .
وكلّها ألفاظ تشير إلى محور معيّن لهذه الكلمة ، وإشارات إلى هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشيرازي ، صدر الدِّين ، تفسير القرآن الكريم ، تصحيح محمّد خواجوي ، انتشارات بيدار ، قم ، الطبعة الأولى ، د . ت : ج 6 ، ص 233 .
(2) الشيرازي ، صدر الدِّين ، المبدأ والمعاد ، تصحيح : جلال الدِّين أشتياني ، مع مقدّمة السيّد حسين نصر ، أنجمن شاهنشاهي فلسفة إيران ، سيّد حسين نصر : ص 7 .

30

المصطلح الموجود ، أمّا عن وجود ما يرادفها فإنّ الطباطبائي عندما يعبّر عن العرفان يقول : العرفان الفارسي ، العرفان اليوناني . . . ولكن هل هذا يعني أنّ هذا الاصطلاح موجود أو غير موجود ؟ وأنّ المحتوى كان موجوداً في تلك العصور القديمة أيضاً مع الفارق بينه في تلك الأزمنة وبين ما وصل إليه العرفان الإسلامي ؟ هذه بحوث تحتاج إلى تفصيل كما ذكرنا ، مع الإشارة فقط إلى أنّه في الأزمنة القديمة كان يسمّى « غنوص » وما يعبّر عنه بالظاهر الغنوصيّة التي تعني نفس الظاهرة العرفانيّة ، وهي أقرب ما تكون إلى الباطنيّة ، أمّا في الإسلام فإنّ المراد من العرفان هو تلك الرؤية الكونيّة .
وهنا لا بدّ من الوقوف عند مسألة أساسيّة وهامّة وهي : ما هو الموقف والاتّجاه العامّ لغير العرفاء من مقولات العرفانيّين ومعتقداتهم ؟
يمكن القول باختصار أنّ هناك مواقف ونظريّات متعدّدة من العرفان ، فقد رأى أصحاب الحديث وفقهاء المسلمين أنّ العرفاء لا يرتبطون عمليّاً بالإسلام ، وأنّ استنادهم إلى الكتاب والسنّة إنّما هو خداع صِرف وتضليل للعوامّ ، ورأى البعض بأنّ العرفان والتصوّف حركة قامت بها ملل من غير العرب ضدّ الإسلام والعرب معاً ، تحت ستار من المعنويّات .
وهناك موقف ثالث أيّده بعض علماء المسلمين ومنهم الشهيد مرتضى مطهّري رضوان الله تعالى عليه ومفاده : أنّ في العرفان والتصوّف
–  وخصوصاً في العرفان العملي – يمكن رصد بدع وانحرافات كثيرة ، لا تتّفق مع كتاب الله ومع السنّة المعتبرة .

31

ولكن العرفاء شأنهم شأن سائر طبقات المفكّرين المسلمين ، ومثل أغلب الفرق الإسلاميّة ، يمتلكون خلوصاً في النوايا ، ولا يريدون أبداً معارضة الإسلام في أمر أو قول ، ويمكن أن تكون لديهم شبهات وأخطاء ، ولكن لم يكن هناك أيّ سوء نيّة بالنسبة إلى الإسلام عمليّاً عندهم .
وإلى هنا تكون جملة من الأمور قد اتّضحت لدينا وهي :
أوّلاً : أنّ العرفان إنّما يُشاد على طبيعة النظرة التوحيديّة للإنسان ، وعلى نقطة البداية للإنسان إزاء مبدأ التوحيد .
ثانياً : أنّ العرفان يضمّ النظرية والتطبيق أو السلوك في نفس الوقت ، بينما التصوّف هو ظاهرة اجتماعيّة لها أعرافها الخاصّة .
ثالثاً : أنّ العرفان مصطلح عريق في اللغة العربيّة ، ومع كونه موجوداً ما قبل الإسلام إلاّ أنّه مغاير لرؤية الإسلام ومنهجه في الحياة ، والعرفان الإسلامي نشأ من داخل البيئة الفكريّة الإسلاميّة .

المصدر: العرفان الشيعي