المرأة بين الحرملك والإبداع

المرأة بين الحرملك والإبداع

حينما يكون بوح الإنثى في عرف الجاهلية خطيئة تدرك أن معركة الإبداع استنهاض قهري لا يتراجع فإما الموت استشهاداً على ورق معبق بالدم أو الاعتقال في الحرملك حتى التهميش والاضطهاد.
هكذا تشعر المرأة المبدعة يوم أن تتألق نجمة في ليل القهر والاستبداد.
في النشأة الغضة تنشق الأرض الجرداء عن برعمة خضراء رهيفة، ألقة، تشخص إلى البعيد بحثاً عن ذاتها المغتربة ومغزى وجودها وفلسفة حراك الكائنات وغايتها، فتسأل (من أين وفي أين وإلى أين أذهب؟)، وتخوض تجربة الاستكشاف حتى تتفتق فيها لغة طليقة معبرة بلسان طلي, لكنهم كالخشب المسندة يتفنون في استبقائها متجمدة في أضيق حيز ويعرقلون شلالها الهادر بتهكم فج لقتل حروفها الغضة وهي تنسج المعنى الأول للحياة البكر، وخيالها يجنح في فضاء لا متناه ينأى عن حاضر كئيب يخنقها في جدران الظلم والجهل ورموز تقمع امتدادها اللامحدود، وتفرض عليها نهايات بائسة لواقع غارق في الجهل.
وتلوذ في عالمها الخيالي في توحد نفسي يغذي روحها المتعطشة إلى البوح، وتفترض في انغمارها الذاتي أنها في عوالم من نور تأنس وحدتها وتبدد وحشتها بينما توقها إلى الحلم الأبعد يغربلها في محطات القهر والعذاب فتنسلخ عن الصلصال والدم وترحل إلى فضاء الكون المترع بآيات الله عز وجل وبراهينه وتختال بين الأفلاك نفحة نضاحة مرهفة الحس هفهافة كفراشة ربيعية، وتطل من شاهق على أرض كانت قد وقفت عليها في زمن الاغتراب متوحدة لكنها حينما استوطنت السماء اكتشفت ذاتها المعجونة بالحزن السرمد وأن الاستعلاء الروحي يبرز حقيقية من سكن الأرض، ففيها تضطرب الأفئدة وتمتهن كرامة الإنسان وتستباح العدالة ويهيمن في ربوعها الخضراء الجور والعدوان ولابد من منقذ يخلصها ويعيد لشفتيها الذابلتين الضحك والسلوان ويزرع في بيادرها الورد والريحان.
وكان التعبد في محراب الكلمة النور، المنسابة في سياق قوانين الكون حكما وعبرات والعهد مع الله موثق بالدم على المجاهدة حتى التطهر والاستشهاد، فإن الكلمة المعبقة بالحكمة تنسف القيم البائدة والمفاهيم الهرمة وتحيي ضمير الإنسان المهزوم المستسلم للضعف والمتخلف عن ركب الزمن بذرائع يحفزها العجز واليأس، فالقلم الواع يوقد في ليل الغربة جمرة ويحرك عجلة الأوطان.
وعندما تعي أن الحياة واقفة على مفرق مصير إما الموت شرفاً أو العيش ذلاً ، تخط قدرها بالدم والمداد والعار أن تتجرد من دينك وضميرك فإن قرارك المهزوم هدر للعزة والكرامة فينبهك القلم الثوري بصعقة هادرة ، بمطر جارف يغسل ظنوك الساذجة ويطهرك من رجس أحلامك السراب، فتلك المختبئة في الظل تشعل في مدنك المحتلة يقظة وتمرد وكأن قملها عصا سحريّة تضيء العتمة والظلام.
ويكبر الألم ورجم حور الحقيقة بلا مبرر، فهن من يغزلن بأقلامهن الفتية حكايات وعد قادم بلهفة عاشق إلى معشوقه، يتلقين الحجارة ببسمة صبر منكهة بالطيبة والحنان، ففي موطنها العلوي تحلق حول قرص الشمس لتسرج من ضوئها حقائق وقيم وترسل لأرضكم التراب حبال الإنقاذ المغزولة من شعاعها الذهبي، قل حلقت بعد معاركها النفسية إلى أبعد أفق وكابدت بإرادة وإصرار فاستنكروا تميزها في العقل والنهج، أرادوا لها أن تتجرد من أسلحتها الفكرية وتنضوي تحت جناحي ذكر بليد يضطهد إبداعها بفظاظة وقسوة، لا يعرف خارطة عقلها المتوهج ولا يستوعب مواسم الحصاد.
تلك الخلاّقة ذات الأطوار المدهشة والفهم المتجدد والروح المتسلقة أعلى القمم يفترسها اغتراباً ينهش في الأعماق جروحاً تغطي مساحات الغربة وبمقاومة غيبية تتصدى مارد الجهل المسكون في البعض الآخر حينما يذبح الأمنية فيها ويستدعي دوماً جارية حافية على بلاط الرغبات لا حورية محلقة بجناحين في أعلى سماوات، وتناضل كي تعبر مسافات الألم بعناوينها المحفورة في الدم، فإن الأمل آتٍ بعون الله والحلم المزدهر بالعدل سيتحقق ولن تنصقل الإرادة إلا حينما تنصهر القيم في الدم وتتأصل كعقيدة في الروح حينما تصعد فوق مشتهيات النفس فتنطلق بقداسة في محراب الكلمة الملغومة بالحق, لن تسمو إلا بذبح رغباتها قرابين للهدف الأعلى ، حينما تستعلي على ضجيج الإعلام والتنزه في أروقة النفاق وأدباء قد تحنطت قرائحهم استحدثوا لأقلامهم الميتة طقوساً وتشريفات، مشوا خلف جنازة الأدب وكتبوا فيه قصائد ومرثيات، بينما الأمة غارقة في هزائمها المنكوبة قد جردها الساسة الهوية والدين، استنكرت واستحمقت وتغربت حتى غادرت وطنها الأبعد والتطقت بحسرة صور الهزيمة لأمة ضيعت تاريخها وتسربلت مهزومة بثياب الذل والهوان.
فالنائمون على الفرش الوثيرة لن يستوعبوا الكارثة بتداعياتها الخطيرة، فالغياب أخذهم إلى موات مرعب، فمن ينبش باطنهم ويتسلل إلى الضمير فيوقظه؟ إنه قلمها المدرار، سخروا منها وقذفها النقاد بأسوأ ما تجود به قرائحهم المتبلدة، لكن العقبات كانت تعني لها نجاحاً والتهكم يؤكد أنها على حق، فهي تعيش محنة رسول الله (ص) واستبساله في ميدان الإصلاح وحيداً لا يملك إلا التصبر والسلوان فتنهض داخلها عوامل القوة وتناضل بينما الأفاعي السامة تسد عليها المخارج إلى الأوطان، لا يدركون أن نور الشمس لا يحجب وأن ضوء الحق لا يطفىء بل ستبدد بإصرارها حجب العتمة والظلم وتسطع بشعاعها الذهبي فوق الأرض وتحلق مع عصافير الفجر في طلعة كل نهار مشرق هاشة , باشة ، فالمبدع في طريق الله لا يسكن ولا يهدأ ، إنه الجمرة التي تشعل حراك الأمة.
وحينما تشخص إليها الأبصار في دهشة لن يجدوها جسد من طين إنما فيض نور ومحض روح، فكلماتها مطراً يروي عطش الصحراء , دفئاً في صقيع البرد والوحدة وبرغمهم ينتشر الفيض خيراً وتزدهر النفوس بالكلمات وأما الأضواء الأنسية المبتذلة تخفت خجلاً وتنكمش خلف أقنعة النفاق، فالهدف أرحب من تلك المقامات، هكذا هي , حينما وعت , منذ البدء, أن لها قلماً قد حررها من كل قيد ووهم وحصنها من زيف الشهرة وسراب المجد، فانطلقت إلى الميدان صادقة، مخلصة، تلبي رسالة الله وتشعل في المسيرة شمعة .

الكاتبة: خولة القزويني