المرأة في المجتمعات الإسلامية

إنّ المرأة في العالم الإسلامي تُعاني من التخلّف والقيود غير المشروعة، بسبب الجهل بالشريعة الإسلامية، التي شرّعت لها حقوقها وجعلتها مساوية للرجل في الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات الفطرية التي تهدي إليها الشريعة، وبسبب سيطرة التقاليد والأعراف الجاهلية الموروثة والطارئة على المجتمع الإسلامي.

بل إنّ المرأة في المجتمعات الإسلامية قد لا تعرف وظيفتها الخاصّة في الأُسرة كزوجة وأُم، فهي تدخل الحياة الزوجية ولا تعرف شيئاً عن هذه الأُمور الخاصّة بها.

إذن لابدّ من قيام حركة إصلاحية لوضع المرأة أساس الإسلام، بحيث تُعاد كرامة المرأة ويُعاد دورها الفاعل في بناء المجتمع، ولابدّ من تربية المرأة وتعليمها وتأهيلها لما يناسب وظيفتها العامّة في المجتمع، وما يناسب وظيفتها الخاصّة في الأُسرة، ولا نهمل العناية في الجانب الخاصّ لحساب الجانب العام الاجتماعي.

هذا ولكن الذي حصل: أنّ بعض المتأثّرين بالفكر الغربي من المسلمين وغيرهم نادوا بتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

ونقدوا حكم الشريعة الإسلامية في جملة من التشريعات التي هي متفرّعة على اختلاف وظيفة الرجل والمرأة، كوجوب ستر البدن وقوّامية الزوج والطلاق والميراث والشهادة بعدد الزوجات والدية، فدعوا إلى إلغاء هذه التشريعات التي ادّعوا أنّها تميّز بين الرجل والمرأة، وقد تقدّم الكلام في المساواة التي ينادي بها الإسلام، وتقدّم الكلام في معنى قوّامية الزوج، وتقدّم الكلام في وجوب ستر البدن.

وأمّا الميراث، فهو ليس كما يصوّره غير العارفين بالشريعة الإسلامية من حصّة المرأة في الميراث نصف حصة الذكر، فهو ظلم للمرأة، لأنّ بعض النساء لهنّ نصيب أكثر من الرجل، كما فيما إذا ترك الميّت أباً وأُمّاً وبنتاً، فإنّ البنت قد فرض الله لها في هذا الفرض نصف التركة، أمّا الأب فله السدس وكذا الأُم، والباقي وهو السدس يُقسّم أخماساً فتأخذ البنت ثلاثة أخماس، ويأخذ الأب خمساً وكذا الأُم، فتكون البنت قد أخذت ضعفي الذكر تقريباً.

وكذا يكون للمرأة أكثر من الذكر فيما إذا كان للميّت بنتان وأب، فإنّ للبنتين ثلثين لكلّ واحدة ثلث التركة، أمّا الأب فله السدس، والباقي وهو السدس يُقسّم على خمسة أقسام، كلّ بنت تأخذ خمسينِ ولكنّ الأب يأخذ خمساً واحداً، فتكون كلّ بنت قد أخذت ضعف الأب.

والسؤال هناك:

لماذا لم تتصاعد الأصوات للدفاع عن الرجل في هاتين الصورتين وأمثالهما التي يكون للأُنثى أكثر من الذكر؟! أين من ينادي بالمساواة في هذه الفروض.

ولماذا لم يُعترض على وجوب النفقة على الزوج ووجوب إعطاء المهر للزوجة من قبل الزوج في عملية علاقة مشروعة وإنشاء بيت ينتفع به الطرفان.

نعم هناك ثلاث إشكالات في سهم الإرث، يكون للذكر فيها ضعف الأُنثى:

الإشكال الأوّل:

في سهم الزوجين الذي ذكره القرآن الكريم، فإنّ الزوجة إن لم يكن للزوج ولد فإنّها ترث منه الربع، وإن كان له ولد فإنّها ترث منه الثمن، أمّا الزوج فإن لم يكن للزوجة ولد فله النصف، وإن كان لها ولد فله الربع، فيُقال: لماذا هذا التفريق؟ أليس هذا ظلماً للزوجة؟

الإشكال الثاني:

وهو ما إذا كان أولاد الميّت ذكوراً وإناثاً، فيأخذ الولد ضعف الأُنثى لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}(1).

الإشكال الثالث:

يتوجّه على مسلك الإمامية من حرمان الزوجة من الأرض عيناً وقيمة إذا مات الزوج بخلاف ما إذا ماتت الزوجة، فإنّ الزوج يرث من زوجته كلّ شيء حتّى من الأرض.

والجواب:

ويُجاب عادة عن الإشكال الأوّل والثاني: بأنّ الرجل سواء كان زوجاً أم ابناً فهو الذي يتحمّل مسؤولية الإنفاق على الزوجة والأطفال دون الزوجة، فهو يحتاج إلى المال أكثر من حاجة الزوجة.

وهو بحاجة إلى المهر إذا أراد الزواج ثانياً بخلاف الزوجة إذا تزوّجت بعد وفاة زوجها، فإنّها تستلم المال والمهر ولا تدفع مالاً.

والأولاد الذكور أيضاً بحاجة إلى النفقة بخلاف البنت التي تزوّجت، فإنّها تُكفى المؤونة من قبل الزوج، لهذا جعل الله حصّة الذكر (الزوج، الولد) أكثر من حصّة الأُنثى (الزوجة والبنت)، فالعدالة موجودة في هذا التقسيم، فلا إشكال على الآية الكريمة.

ويُجاب عن الإشكال الثالث: بما ذكرته الروايات الكثيرة من عدم إرثها من الأرض ثمناً وقيمة، حيث قالت: يخشى من هذه الزوجة أن تُدخل على أولاد الرجل رجلاً غريباً عنهم، فإنّها إذا أرادت الزواج وكان لها حصّة من الأرض فيحقّ لها إدخال زوجها في البيت وهو غريب عن الأولاد، بينما إذا لم يكن لها نصيب في الأرض فسوف تذهب هي إلى بيت زوجها الجديد، ولا يزاحم الأولاد في إدخال عنصر غريب عليهم.

أقول:

1ـ  لا معنى للإشكال على النصّ القرآني لو كنّا مسلمين، إذا يقول تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، ومعنى  الإطاعة هو العمل بما ثبت في القرآن والسنّة الكريمة من أحكام الله تعالى.

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فإذا ثبت لدينا فيه نصّ قرآني أو نبوي فتخرس الألسن، ولا يحقّ الاعتراض على ما ثبت من الدين حقيقة إن كنّا مسلمين.

2ـ لا يرد الاعتراض بالظلم في هذه الموارد الثلاثة المتقدّمة، كما لا يرد الاعتراض بالظلم على صورة أخذ الأُنثى أكثر من الذكر في بعض الموارد السابقة، لأنّ الظلم هو عبارة عن أخذ الحقّ من صاحب الحقّ والتعدّي عليه، وهنا لا يوجد لأيّ وارث حقّ في مال أبيه أو مال مَن مات ممّن له علاقة معه، لأنّ التركة هي ملك مَن مات، وقد حصل عليها نتيجة عمله ونماءات أعيانه، وقد مات فلا يوجد أيّ حقّ للورثة في تركة الميّت، وحينئذٍ إذا شرّع الله هذا التشريع فيكون قد وزّع المال الذي لا يستحقّه الورثة بالكيفية التي أرادها المالك الحقيقي لكل ما في الوجود وهو الله تعالى، دون حقّ مسبق فيها للورثة، فهل يمكن أن يُقال لهذا: إنّه ظلم للورثة، مثلاً إذا كان عندي كمّية من المال وأردت أن أقسّمه على جماعة في سبيل الله، فأعطيت إلى واحد نصف المال وإلى آخر ربعه وإلى آخر ثلثه وإلى آخر ثمنه… ومع عدم وجود حقّ لهم عندي، فهل يصحّ أن يُقال للمقسّم أنّه ظلم الثاني والثالث والرابع؛ لأنّه أعطاهم أقلّ ممّا أعطى الأوّل؟

والجواب:

لا يمكن اتّصاف هذا العمل بالظلم بل هو إحسان، غاية الأمر الإحسان على الأوّل أكثر من الباقي.

فهكذا نقول في قضية الإرث.

ــــــــــــــــــ

1ـ النساء: 69.

بقلم: الشيخ حسن الجواهري