المرأة والإيمان

النصوص الدينية سواء القرآنية أو الروائية طافحة وصريحة في مساواة المرأة والرجل في اكتساب الإيمان وتحصيله، وليس الترقّي إلى درجة المؤمن والمتيقّن والمخلص والصديق من خصائص الرجال دون النساء، والطريق إليه مشروع كامل وارد من الجنسين الذكر والأُنثى على حدّ سواء، بل قد تفضل المرأة على الرجل في الإيمان والتقوى والاهتداء إلى الطريق السوي.

يقول الباري جلّ وعلا: {أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1)، فالبشرية شرع في ذلك سواء، لا فضل لأحدهم على الآخر إلاّ بالتقوى.

ويقول في موضع آخر: {الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(2)، فهم سواء في الموالاة والمحبّة ونصرة بعضهم الآخر، لأنّ طريقهم واحد ومصيرهم فارد، لا يتفاوتون فيما بينهم في ذلك، ولذلك رتّب على قاعدة الإيمان المشتركة وظيفة مشتركة مرتبطة بأصل الاجتماع وحفظ وحدته والوشاجة فيه، ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقيمانه على حدّ سواء.

ويقول الباري عزّ وجل في موضع آخر: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}(3).

فالعمل مطلوب من الصنفين، وهو محفوظ في كتاب لا يضلّ ولا ينسى ولا يعزب عنه شيء، من عمل الذكر والأُنثى على حدٍ سواء، لأنّ وجودهم واحد ومنشأهم من أصل واحد، لا تفاوت فيه ولا اختلاف، ويحدّثنا القرآن الكريم عن جملة من النساء ارتقن في مراتب الكمال والإيمان فوق ما يُوصف، بحيث أصبحنّ نموذجاً يحتذى به، ونهجاً وقصّة تُتلى على مدى الأجيال، يستعرض القرآن قصّة ملكة سبأ وكيف تصرّفت بعقل وحكمة، مع ما هي عليه من ملك وأتباع، وقادت قومها نحو الإيمان بدلاً من العنت والإصرار على الضلال والعزّة والملك والسلطان، تقول الآيات المباركة: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ *إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَقَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ … قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }(4).

العقل الراجح عند ملكة سبأ قادها إلى التريّث في الدعوة الموجّه إليها وإلى قومها، والنظر في طبيعة ما دعاها النبي سليمان× إليه، ومن جانب آخر أشركت قومها في الأمر واستشارتهم لكي تجعلهم شركاء في القرار، وزعماء فيما يصدر من أمر، ويتحمّلون مسؤوليّتهم أمام النوازل والحوادث، ومن ثمّ اتّخذت القرار الصائب، وترجيح جانب العقل على الشهوة والغريزة الحيوانية وحبّ الملك والسطوة، فآمنت وأمنت مع قومها، وسلكت بهم سبيل الرشاد، وحفظتهم في عقولهم وأبدانهم من الضلال الأُخروي والهلاك الدنيوي.

وفي مقابل ذلك ينقل القرآن قصّة فرعون وكيف أورد قومه الهاوية ونزل بساحتهم العذاب، لأنّهم حكّموا الهوى وحبّ السلطنة على العقل والفطرة السوية، يقول الله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}(5)، وفي موضع آخر يتحدّث عن قوم فرعون فيقول: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}(6)، فغلبوا العصبية والسلطة على جانب العقل، فارودا أنفسهم العذاب يعرضون عليها بكرة وعشياً.

فالإيمان شيء مشترك بين الذكر والأُنثى، ولا تفضيل لجنس على آخر فيه، وتستطيع المرأة أن تصل إلى أعلى مراتب الإيمان وتفوق الرجل في ذلك، لكن هذا كلّه لا يقتضي أن تكون المرأة مساوية للرجل في كلّ شيء، ومنه الاستخلاف والنبوّة والإمامة كما توهّم صاحب الكتاب(7)، وأخذ يُقحم المفاهيم بعضها ببعض، فإنّ دعوة المرأة والرجل إلى الإيمان وإمكان تحصليه من قبلهما لا يقتضي أن تكون المرأة نبيّه كالرجل أو إماماً كذلك، لأنّ الاصطفاء والاختيار الإلهي يخضع لضوابط معيّنة قد لا نعلم عللها ومنشأها.

ـــــــــــــــ

1ـ الحجرات: 13.

2ـ التوبة: 71.

3ـ آل عمران: 195.

4ـ النمل: 22 ـ 44.

5ـ الشعراء : 23 ـ 29.

6ـ الأعراف: 127.

7ـ مباني ضرورت تجديد نظر واصلاح پاره اي از قوانين مربوط به زنان: 46.

بقلم: الشيخ لؤي المنصوري