المرا

المرأة ومرجعية الإفتاء دراسة فقهية استدلالية حول شرعية تقليد المرأة

تناول الفقه الإسلامي في القرن الأخير قضايا المرأة بطرق مختلفة، وقدّمت في هذا المجال رؤى وتصوّرات، وبحجم تنوّع النتائج كانت هناك آليات متنوعة أيضاً في تناول الموضوع، وكانت الآليات المدرسية في الاجتهاد الفقهي واحدةً من مناهج طَرْق قضايا المرأة، وقد قدمت هناك أيضاً نتائج مختلفة وجديدة.

بدوري، سأحاول في هذه الدراسة ـ وبإيجاز ـ تناول موضوع إشكالي في الثقافة الإسلامية اليوم، وهو ثنائي المرأة والمرجعية الإفتائية الدينية، ولما كان الموضوع منتمياً إلى مقولة الفقه الإسلامي، وهدفت الدراسة إلى قراءته من هذه الزاوية، كان من الطبيعي أن نقترب ـ ولو بعض الشيء ـ من لغة هذا الفقه، لهذا أستميح القارئ العذر في استخدام المصطلحات التخصّصية، اللهم إلا إذا كان من أهل الاختصاص أيضاً.

نقطة البحث ومادة الموضوع، تشريح المكوّنات

المسألة التي يدور هذا البحث حولها تتعلّق بقضايا الاجتهاد والتقليد في الفقه الإسلامي وينبني البحث هنا ـ تبعاً لذلك ـ على تجاوز بعض المسلّمات الفقهية في هذا المضمار، وحيث ذكرت في المصادر الفقهية شروط للمقلّد، استعرض الفقه واحداً من هذه الشروط، ألا وهو الذكورة، أي لابد في مرجع التقليد من أن يكون ذكراً رجلاً فلا يمكن له أن يكون أنثى، مهما بلغ من العلم، لا من ناحية عدم الاعتقاد بإمكان بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد على المعروف، بل من زاوية حقوقية تمنعها من التصدي لمقام الإفتاء، كي يرجع إليها الآخرون في ذلك، وعليه:

أولاً: لا نزاع ـ معتدّ به ـ في إمكانية بلوغ المرأة مكانة الاجتهاد، تماماً كما هي الحال بالنسبة للرجال، والتاريخ شاهد على ذلك.

ثانياً: لا تتعلّق دراستنا بالموضوعات ذات الصلة، من قبيل تصدّي المرأة لمنصب إمامة المسلمين بمختلف معانيها، أو تصديها منصب القضاء، أو إمامتها للجماعة أو مسألة الأخذ بشهادتها أو ما شابه ذلك، فهذه الموضوعات مختلفة من الزاوية الموضوعية عن محور دراستنا، وإن كان البحث الاجتهادي ـ كما سنرى ـ يستعين بها في الحصول على نتائج فقهية داخل موضوعنا هنا.

وسوف نلاحظ وجهة نظر تربط بين مسألة الإفتاء والولاية، وسنتطرق لها بإذن الله تعالى.

ثالثاً: إن موضوعات مثل قضاء المرأة وولايتها وشهادتها وإمامتها للجماعة و.. سوف نفترضها في هذه الدراسة مسلّمة، وإلا فنحن نعتقد بإمكان النقاش في بعضها، لكننا سنتعامل معها بوصفها ثوابت مؤكّدة قدر الإمكان، وعلى سبيل المثال فقط نذكر أن الشيخ مرتضى الأنصاري (۱۲۸۱هـ) يصرّح في كتاب القضاء والشهادات بأنه لا دليل على اشتراط الذكورة في القاضي بحيث تكون معتبرةً، عدا ادّعاء غير واحدٍ من الفقهاء عدمَ الخلاف([۲])، وهذه شهادة ليست بالهيّنة،لكننا سنغض الطرف عن هذا الموضوع الآن وأمثاله.

رابعاً: تستوعب مسألتنا تقليد المرأة المجتهدة نفسها من جهة، كما وتقليد غيرها لها من جهة ثانية، فليس البحث في رجوع الغير إليها فحسب، بل حتى في تقليدها لنفسها على تقدير بلوغها مرتبة الاجتهاد، وإن كان الجدل الفقهي متركّزاً ـ بشكل أكبر ـ على المحور الأول، أي تقليد الغير لها.

الرصد التاريخي للفقه الإسلامي

تبدو المعطيات التاريخية لهذا الموضوع ـ أي موضوع المرجعية الافتائية ـ غير متكافئة بين الفقه الشيعي والفقه السنّي، فلم نجد ظهوراً جاداً له في الفقه السني مؤخراً، على خلاف الحال في الفقه الشيعي، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ظاهرة الانحسار النسبي لموضوعة التقليد نفسها في الفقه السني قياساً بما عليه الحال في الفقه الشيعي الإمامي، فلم يتم تناول مسألة المرجعية سنياً كما تلقاها الفكر الشيعي لتأخذ حيّزاً كبيراً من الحياة الشيعية مؤخّراً.

على أيّة حال، يبدو أن الفقه السني، أو غير الإمامي، لم يشرط ـ بالاتفاق أو شبه الاتفاق على الأقل ـ منصب الإفتاء بالذكورة، فابن حزم الأندلسي (۴۵۶هـ) يتعرّض في «الإحكام في أصول الأحكام» لشروط الاجتهاد والمُفتي والمستفتي، دون أن يشير إطلاقاً إلى شرط الذكورة([۳]). وعلى المنوال نفسه، يعقد أبو إسحاق الشيرازي (۴۷۶هـ) في كتاب اللمع باباً خاصاً بشروط المُفتي والمستفتي دون أن يذكر شرط الذكورة، ولو على نحو القيل([۴])، وهكذا الحال مع الغزالي (۵۰۵هـ) في مباحث الاجتهاد والتقليد من كتاب المستصفى([۵])، إذ لم يكن هناك ـ وكذا في فواتح الرحموت للأنصاري المطبوع على هامشه([۶])ـ أي عين أو أثر لمسألة الذكورة في الاجتهاد أو التقليد.

وهكذا يصرّح الشيخ حسن العطار، صاحب الحاشية المعروفة على جمع الجوامع للسبكي، بعدم اشتراط الذكورة في المجتهد، لإمكان الاجتهاد لهنّ رغم نقص عقولهن([۷])، وإن كان كلامه في الاجتهاد بالمدلول المطابقي.

ولمزيد من تأكيد الموضوع في المشهد السني، ينقل ابن قدامة المقدسي (۶۲۰هـ) في المغني أنه حكي عن ابن جرير الطبري قوله بجواز تولّي المرأة القضاء، ثم يجيب عنه ـ أي ابن قدامة ـ بأنه يجوز لها أن تكون مفتيةً لا قاضية، مرسلاً أمر إفتائها إرسال الواضحات([۸]).

وفي كتاب أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح الشهرزوري (۶۴۳هـ) تصريح بعدم اشتراط الذكورة في المفتي([۹])، وينصّ الإمام النووي (۶۷۶هـ) في المجموع ـ بعد ذكر جملة شروط في المُفتي ـ على تساوي الرجل والمرأة في الإفتاء، وعدم اشتراط الذكورة، مرسلاً الأمر ـ ككثيرين غيره ـ إرسال المسلّمات([۱۰]).

وفي روضة الطالبين لمحيي الدين النووي (۶۷۶هـ) لا ينصّ كما في المجموع على عدم المنع عن إفتاء المرأة، لكنه يستعرض شروط المفتي ويبحث فيها، دون إشارة إلى الذكورة ونحوها([۱۱]).

ويستعرض ابن قيم الجوزية (۷۵۱هـ) في كتابه «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ما يسمّيه: المكثرين والمتوسّطين والمقلّين في الإفتاء، ناصّاً على أنّ منهم جميعاً الرجال والنساء، ذاكراً أسامي بعض النساء في كل فريق من الفرقاء الثلاثة منهنّ: عائشة، وأم سلمة، وأم عطية، وصفية، وحفصة، وحبيبة و…([۱۲]).

ومن النصوص الحاسمة مؤخّراً، نص الموسوعة الفقهيّة الكويتية، حيث ذكرت أنّ عدم اشتراط الذكورة في المُفتي حكم اتفاقي([۱۳]).

وهكذا نجد تتالياً في النصوص السنيّة ترفض هذا الشرط، ففي الفتاوى الهندية (مذهب أبي حنيفة) أنه لا تشترط الذكورة في المُفتي ولا الحرية([۱۴])، وفي كشاف القناع للبهوتي (۱۰۵۱هـ) أنّه تصحّ فتوى العبد والمرأة و..([۱۵])، وقد ذكر علاء الدين الحصفكي (۱۰۸۸هـ) في «الدر المختار» عدم اشتراط الذكورة ولا الحرية ولا النطق في الإفتاء([۱۶]).

أما على صعيد الفقه الشيعي الإمامي، فقد لاحظنا بعد مراجعة الموضوع في المصادر الفقهية أنّ أوّل من أثار هذا البحث كان الشهيد الثاني (۹۶۵هـ) في مباحث القضاء من كتاب الروضة البهية، مدعياً الإجماع عليه ـ على خلاف في تفسير ادّعائه هذا ـ حيث قال: «وفي الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء وهي: البلوغ، والعقل، والذكورة، والإيمان، والعدالة، وطهارة المولد إجماعاً، والكتابة، والحرية، والبصر على الأشهر..»([۱۷]).

وحيث لم يكن مبحث الاجتهاد والتقليد متداولاً ـ باستقلال ـ في المصنّفات الفقهية الإمامية، كانت موضوعاته تدرس في علم أصول الفقه، وأحياناً في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفقه نفسه، وقد لاحظنا ثلاثة أنواع من المصادر الأصولية التي عالجت هذا البحث هي:

۱ـ المصادر التي تقع قبل حقبة الحركة الإخباريّة، أي قبل القرن العاشر الهجري، وقد تعرّضت هذه الكتب الأصولية في مباحث الاجتهاد والتقليد منها لمباحث مثل التصويب والتخطئة، وتعريف حقيقة الاجتهاد، وبيان أن أحكام النبي(ص) ليست اجتهادية، وجواز أو عدم جواز التقليد في أصول الدين، وبيان ما يتوقف عليه الاجتهاد من علوم و..

ولم نجد في هذه المصادر ذكراً لشرط الرجولة في المُفتي، رغم أنها أفردت بحثاً حمل عنوان: صفات أو صفة المُفتي والمستفتي، فليراجع مثل «الذريعة إلى أصول الشريعة» للسيد المرتضى (۴۳۶هـ)، و«العدّة» للطوسي (۴۶۰هـ)، ومعارج الأصول للمحقق الحلي (۶۷۶هـ)، وتهذيب الوصول إلى علم الأصول، وكذلك مبادئ الوصول للعلامة الحلي (۷۲۵هـ)، و..([۱۸]).

۲ـ المصادر التي جاءت في إطار الصراع الإخباري ـ الأصولي، ولم نجد فيها حديثاً عن هذا الموضوع إطلاقاً، فلتراجع مصنّفات الوحيد البهبهاني (۱۲۰۵هـ) على سبيل المثال، مثل كتابي الفوائد الحائرية، والرسائل الأصولية، للتأكّد من ذلك([۱۹]).

۳ـ المصادر الأصولية المتأخرة التي عالجت في خاتمتها مباحث الاجتهاد والتقليد، وقد تعرّضت هناك لحقيقة الاجتهاد، وما يحتاج إليه فيه، كما تعرّضت لشروط المقلّد ذاكرةً منها الحياة، والأعلمية، وتعرّضت أيضاً لمبحث الاجتهاد المتجزئ، كما تناولت مبحث التخطئة والتصويب و..

وهذا النوع من المصنّفات لم نجد فيه ذكراً لشرط الذكورة، رغم التعرّض لبعض شروط مرجع التقليد، كالحياة والأعلمية، فليلحظ في ذلك ما كتبه ـ على سبيل المثال ـ الشيخ حسن في مقدّمة معالم الدين الأصولية، والشيخ البهائي في زبدة الأصول، والخراساني في كفاية الأصول، والمشكيني في حواشي الكفاية، والعراقي في مقالات الأصول، وكذلك في نهاية الأفكار، والإصفهاني في نهاية الدراية، والخوئي في مصباح الأصول و..([۲۰])، وقد شذّت بعض الكتب الأصولية عن ذلك، فتعرّضت لموضوع الذكورة، وستظهر في مطاوي هذا البحث، إن شاء الله تعالى.

وقد لاحظنا أن هذا البحث لم يلقَ حضوراً في الميدان الفقهي، رغم الإشارة السالفة للشهيد الثاني في الروضة، وإذا لقي حضوراً فهو ضعيف وبسيط جداً، حتى أن الشيخ الأنصاري (۱۲۸۱هـ) المعروف بتفريعاته الفقهية يخصّص رسالةً للاجتهاد والتقليد، ويفصّل فيها شروط المقلَّد ولا يذكر عدا البلوغ والعقل والإيمان والاجتهاد، باحثاً في الحياة والأعلمية، دون أن يشير بتاتاً إلى فكرة الذكورة([۲۱])، وسوف نضيف لدى الحديث عن دليل الإجماع المقام على شرط الذكورة كلاماً آخر أيضاً يفيد في تكوين صورةٍ تاريخية.

وقد استمرّ الوضع على هذا المنوال إلى أن جاء السيد محمد كاظم اليزدي (۱۳۳۷هـ) وذكر شرط الذكورة في مرجع التقليد في كتابه «العروة الوثقى»([۲۲])، وذلك بدايات القرن العشرين الميلادي، حيث تحوّل هذا الموضوع ـ تبعاً لتحوّل كتاب العروة إلى مادة تدور حولها الدراسات الفقهية ـ إلى مادة تدرس في الفقه الإمامي على نطاق واسع، وشاهدنا له حضوراً جاداً في البحث الفقهي منذ تلك الفترة وحتى عصرنا الحاضر.

ولرصد المشهد في الفترة الأخيرة، لاحظنا وجود رأيين في هذا المجال:

الرأي الأول: وهو الرأي السائد مؤخّراً، ويتبنّى وجهة نظر صاحب العروة في اشتراط الذكورة، ومن أنصار هذا الرأي ـ غير اليزدي صاحب العروة ـ كل من المحقق الجواهري (۱۳۴۰هـ)، والفيروزآبادي (۱۳۴۵هـ)، والميرزا النائيني (۱۳۵۵هـ)، والشيخ عبد الكريم الحائري (۱۳۵۵هـ)، والمحقق العراقي (۱۳۶۱هـ)، ومحمد حسين كاشف الغطاء (۱۳۷۳هـ) والسيد حسين البروجردي (۱۳۸۰هـ)، وعبد الهادي الشيرازي (۱۳۸۲هـ)، والشيخ محمد رضا آل ياسين (۱۳۷۰هـ)، وآية الله محمد الخوانساري (۱۴۰۵هـ)، والإمام الخميني (۱۴۰۹هـ) والسيد الخوئي (۱۴۱۳هـ)، والسيد الكلبايكاني (۱۴۱۴هـ)([۲۳]).

وقد استمرّت هيمنة هذا الرأي على الموقف الفقهي حتى العصر الحاضر، حيث يذهب أكثر مراجع التقليد المعاصرين إلى هذا الشرط، كالسيد السيستاني، والشيخ التبريزي، والوحيد الخراساني، والشيخ محمد تقي البهجت، والسيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، و..([۲۴])، وقبل صاحب العروة، وجدنا تبنّي هذا الموقف من بعض الفقهاء من أمثال السيد المجاهد محمد الطباطبائي (۱۲۴۲هـ) في كتابه «مفاتيح الأصول»([۲۵]).

الرأي الثاني: وهو الرأي المخالف لما ساد في الفترة الأخيرة بالخصوص، وقد ذهب إليه المحقق الإصفهاني (۱۳۶۵هـ) في رسالته في الاجتهاد والتقليد، متوقّفاً فقط في موضوع التسالم([۲۶])، والسيد محسن الحكيم (۱۳۹۰هـ) في المستمسك([۲۷])، وإن كانا لم يعلّقا على العروة في شرط الذكورة، مما يعني تبنّيهما هذا الرأي المخالف علمياً لا فتوائياً([۲۸]).

وممن ذهب إلى هذا القول أيضاً السيد رضا الصدر([۲۹])، والشيخ محمّد مهدي شمس الدين([۳۰])، كما مال إليه العلامة السيد محمد حسين فضل الله([۳۱])، وتبناه الشيخ محمد الجيلاني([۳۲])، ولم يذكره صريحاً كشرطٍ الشيخ يوسف الصانعي في رسالته: توضيح المسائل([۳۳])، وهو الظاهر من السيد تقي القمي أيضاً في مباني منهاج الصالحين([۳۴])، ومن شريعتمدار الجزائري في النور المبين([۳۵]).

كانت هذه صورة موجزة للمشهد التاريخي والمعاصر فقهياً من مسألة شرط الذكورة، وسوف نستعين بهذه الصورة في الأبحاث القادمة إن شاء الله تعالى.

ونحاول ـ بدايةً ـ استعراض موقف النظرية القائلة بعدم شرط الذكورة في مرجع التقليد، ثم نعقبها بذكر أدلّة النظرية الذاهبة إلى هذا الشرط، لنحاول بعد ذلك الخروج بنتيجة وموقف إن شاء الله تعالى.

۱ـ نظرية شرعيّة تقليد المرأة أو عدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد

وحاصل ما يمكن إقامته من أدلة لإثبات عدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد ما يلي:

الدليل الأول: إن مبدأ قدرة المرأة على بلوغ مرتبة الاجتهاد، مما لا إشكال فيه من الناحية التكوينية، بل قد حصل ذلك تاريخياً، كما تشهد له كتب التاريخ والتراجم وغيرها، وهذا معناه أن المرأة ببلوغها مرتبة الاجتهاد يحصل لها القطع واليقين بالحكم الواقعي أو الظاهري، ومعه كيف يجوز لها تقليد غيرها ممن قد يخالفها الرأي؟! ومن ثم لا تكون مشمولةً للبناء العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم بعد فرض خروجها عن الجهل.

وبعبارةٍ أخرى، إن ما دلّ على عدم جواز تقليد المجتهد لغيره ـ أو عدم لزومه عليه كما هو مبنى جماعة ـ يجري في المرأة تماماً كما يجري في الرجل، فلا معنى لإلزامها بالتقليد بعد بلوغها مرتبة الاجتهاد.

وهذا الدليل يثبت ـ فقط ـ شرعيّة تقليد المرأة نفسها، إذا بلغت مرحلة الاجتهاد، وقد يقال: إنّه يحتاج لإتمامه إلى نقض وجهة النظر القادمة، والتي تقول بأن في رأي المرأة نقصاً، الأمر الذي قد يلغي ـ ولو تعبّداً ـ شرعية تقليدها لذاتها، إلا أنّ هذا الكلام لا محلّ له هنا حتى لو تمّت تلك النظرية فإن المفروض حصول القطع لها بالواقع أو الظاهر، ولا معنى لسلب الحجية عن هذا القطع بعد حصوله، إلا إذا بنينا في مباحث أصول الفقه على إمكان ذلك بعد اعتبار قطعها بحكم القطع الذاتي، والخلاف مبنائيّ. وسوف نتعرّض لهذا الرأي ـ أي نقصان رأي المرأة وعدم الاعتداد باجتهادها ـ وندرسه ضمن أدلّة القول باشتراط الذكورة في الإفتاء.

الدليل الثاني: التمسّك بالأدلّة العامة المثبتة لمبدأ التقليد، فإن في هذه الأدلّة إطلاقاً يشمل كون المقلَّد أنثى، وأبرز هذه الأدلة:

أولاً: العمومات والمطلقات اللفظية الواردة في الكتاب والسنّة من مثل: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(الأنبياء: ۷)، و(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَ..)(التوبة: ۱۲۲)، إلى غيرها من الأدلّة العامة غير المقيّدة بقيد الذكورة.

ثانياً: الارتكاز والسيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، بلا فرقٍ ـ جزماً ـ بين كون العالم ذكراً أو أنثى، فإن هذا المبدأ يعمل به العقلاء غير ناظرين فيه إلى الجنس المرجوع إليه من الذكورة والأنوثة، وهذا معناه قيام ارتكازهم وبنائهم على الرجوع حتى إلى الأنثى دون وجود ردع شرعي عن هذا البناء([۳۶]).

وهذا الدليل ربما يناقش من جهات:

الأولى: إن الأدلة اللفظية ليست في مقام البيان من حيث شروط الرجوع إلى أهل الذكر أو غيرهم، وإنما هي بصدد تأسيس مبدأ الرجوع إلى العالم، ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاقها لنفي شرطٍ ما أو قيد مخصوص.

والجواب: إن النوع الأول من أدلة التقليد، ليس تأسيساً لمبدأ تشريعي جديد، بل هو إرشاد إلى المرتكز العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم، ومعه تتحدّد مساحته تبعاً للمرتكز المرشد إليه، وحيث أثبتنا انعقاد السيرة العقلائية على الرجوع مطلقاً، كانت دلالة النصوص متّسعةً من هذه الناحية أيضاً.

وبعبارةٍ أخرى، الإطلاق منعقدٌ في المرشَد إليه لا في الإرشاد، وفي المدلول عليه لا في الدلالة، وهذا كاف للتمسّك بالنصوص العامة لنفي شرط الذكورة أو نحوها.

نعم، لن تكون الأدلة اللفظية مستقلةً حينئذٍ عن الارتكاز العقلائي، وهذا ممّا لا ضير فيه، بعد أن كان استدلالنا بمجموع النوعين من الأدلة، كما هو ظاهر.

الثانية: إن هذه الإطلاقات منصرفة إلى الرجل، لعدم معهودية تصدّي النساء لشؤون الإفتاء، ومعه لا مجال للتمسّك بها، فإن الانصراف يهدم الإطلاق، كما هو المقرّر في أصول الفقه([۳۷]).

والجواب: إنه من غير الواضح منشأ دعوى الانصراف هذه، فهل يراد ادعاء أن مثل عنوان أهل الذكر أو ما جاءت فيه ضمائر منفصلة مثل«ارجعوا إلى من…» منصرف استعمالاً للرجال، وهو ما لا يخفى ضعفه ووهنه، وعليه فالانصراف المدّعى هنا ناشئ عن كثرة الفقهاء الذكور، مما يعني أن نشوءه منطلق من كثرة الوجود لا كثرة الاستعمال، وهو غير موجب لهدم الإطلاق على ما قرّر في أصول الفقه أيضاً.

هذا، مضافاً إلى أنّ هذه المناقشة ـ إن تمّت ـ فإنّما تتمّ في الأدلّة اللفظية التي يتصوّر فيها انصراف يهدم الإطلاق، لا في مثل الارتكاز العقلائي الدائر أمره بين الوجود واليقين وعدمهما، مما يلغي فيه معنى النص الإطلاقي حتى يجري الحديث فيه عن الانصراف، كما هو واضح.

الثالثة: إن المستدلّ غفل عن العمومات العليا التي خصّصتها أدلّة شرعية التقليد نفسها، وهذه الأدلة هي عمومات ومطلقات النهي عن العمل بالظن، خرج منه الظن التقليدي (والمراد بالظن التقليدي هنا مطلق عدم العلم في مورد الرجوع إلى قول الغير)، وبقي الباقي تحت العموم، وعليه، فلو شك في مورد أنه مشمول لدليل التقليد، كما في حال الأنثى، جرى الرجوع إلى عمومات النهي عن اتّباع الظن لإثبات عدم الجواز، مما يعني عدم شرعيّة التقليد بحسب النتيجة.

وبعبارة أخرى، المحرز تخصيص أدلة التقليد لعمومات النهي في مورد الرجل، ومعه يبقى غيره تحت العمومات ولا يكون مشمولاً لأدلّة الجواز([۳۸]).

ويرد عليه: إن مفروض المستشكل وقوع الشك في أدلة التقليد ومدى دلالتها على الشمول لغير الرجل، وهو ما ينفيه المستدل بادعائه انعقاد الإطلاقات والعمومات على الشمول لغير الرجل مع عدم وجود انصراف فيها، أو قيام الارتكاز مع عدم الردع، ومعه كيف يمكن إدخال المرأة في دائرة عمومات النهي بعد التأكّد من شمول المخصّص المنفصل لها؟!

الرابعة: إنّ شرط التمسّك بالسيرة العقلائية كونها جاريةً عصر المعصومين، وهو أمرٌ غير محرزٍ في المقام، فلم تتصدّ المرأة للإفتاء في عصرهم حتى يكون سكوتهم حجةً وإمضاءً([۳۹]).

والجواب ما قرّروه في علم أصول الفقه بمباحث موسّعة نسبياً من أن العبرة في الإمضاء هو إمضاء النكتة العقلائية المرتكزة لا الواقع العملي للعقلاء، وهذا البناء الذهني العقلائي المرتكز كافٍ في إمضاء الشارع للسيرة، على ما حقّقوه مفصلاً، فالخلاف مبنائي.

وبهذا ظهر صحّة التمسّك بأدلة شرعية التقليد لاسيما منها الارتكاز العقلائي، نعم، هذا الدليل موقوف على عدم وجود مخصص أو مقيد للعمومات والمطلقات المجوّزة للتقليد، وكذلك على عدم وجود رادع عن السيرة والبناء العقلائي، وقد ذكر أنصار عدم جواز تقليد المرأة أدلة قالوا: إنها مخصصة أو مقيدة أو رادعة، فلابد من بحثها ليعرف ـ عبر ذلك ـ سلامة هذا الاستدلال.

الدليل الثالث: ما ذكره بعض الفقهاء المتأخّرين من التمسّك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ قال: «قلت له: إن معنا صبياً مولوداً، فكيف نصنع به؟ فقال: مُر أمّه تلقى حميدة، فتسألها كيف تصنع بصبيانها؟ فأتتها، فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه، وجرّدوه، وغسّلوه كما يجرّد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثم زوروا به البيت، ومُري الجارية أن تطوف به في البيت وبين الصفا والمروة»([۴۰]).

وتقريب الاستدلال بالرواية أن الإرجاع إلى حميدة كان إرجاعاً في الحكم لا في أخذ الحديث، مضافاً إلى أن حميدة نفسها بحسب الرواية عينها، لم تنقل للمرأة حديثاً أو ترو لها رواية، بل أعطتها حكماً شرعياً، مما يدلّل على أن المقام مقام إفتاءٍ وتقليد لا مقام روايةٍ أو نقل([۴۱]).

ونوقش الاستدلال بالرواية بأنها غير ظاهرة في الحكم والإفتاء بقدر ما هي ظاهرة في نقل الحكم وتعليمه، فلا معنى للتسرية في غير محلّها([۴۲]).

ويجاب عنه بأن نقل الحكم لا على شكل رواية هو عين الإفتاء في تلك الأيام، أفهل كان سائر الفقهاء في تلك العصور ـ أي في النصف الأول من القرن الثاني ـ يقومون في ممارساتهم الاجتهادية بأكثر من فهم النص الحرفي للمعصوم×، ثم ينقلون ما فهموه للناس؟!

إلا أن مثل هذه الرواية قاصرة في لغتها ـ إنصافاً ـ عن إفادة جواز تقليد المرأة، ذلك أن هناك احتمالاً ـ استوقفني ـ في أن يكون مراد الإمام×، أن تُسأل حميدة كيف تصنع هي بصبيانها، خصوصاً مع استخدام صيغة الجمع في الصبيان مع أنّ المرأة السائلة كان معها صبي واحد، لكن حميدة أجابت بصيغة الحكم دون صيغة الإخبار، وهذا معناه أن الإمام إنما أرجع إليها لتخبر ماذا تصنع هي مما عرفته عن الإمام(ع)، ويكون(ع) ممضياً فعلها هذا.

الدليل الرابع: التمسّك بسكوت الأئمة(عليهم السلام) عن إفتاء أم المؤمنين عائشة، بل عن اتفاق أهل السنّة على جواز تقليد المرأة، وقد كان الأمران ـ أي إفتاء عائشة وإجماع أهل السنة على الجواز ـ بمرأى من أهل البيت(عليهم السلام) ومسمع، ولم يصدر منهم شيء، ولو صدر لوصلنا شيء منه، مما يدلّ بمجموعه على الإمضاء([۴۳]).

وهذا الاستدلال كأنه مبني على ما نسب إلى السيد البروجردي من أن الفقه الإمامي بمثابة الحاشية على فقه أهل السنة، بحيث يلزم الأئمة^ ببيان ما يخالف الحق في ذلك الفقه، فبعد افتراض إجماع الفقه السني على الجواز وسكوت الأئمة^ يعلم رضاهم بما اتفق عليه أهل السنة.

وقد يناقش هذا الدليل من ناحيتين:

الناحية الأولى: إن الشقّ الثاني منه، وهو إجماع أهل السنّة على الجواز بمرأى من أهل البيت، يمكن التوقّف فيه، فالمعلومات التاريخية التي وصلتنا حول هذا الموضوع لا تحكي عن الموقف السنّي في تلك الحقبة بوضوح، نعم، هي تحكي عن بدايات القرن الرابع الهجري تقريباً فما بعد، وهذا يعني نهايات الغيبة الصغرى بحسب العقيدة الإمامية، ومن ثم لا دليل على أنّ موضوعاً من هذا القبيل كان مطروحاً على بساط البحث الجادّ في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، نعم، نُسب إلى أبي حنيفة كلام في المرأة القاضية، لكنه ـ على تقدير صدوره ـ لا يعلم أنّه بحيث كان رائجاً يستدعي تصدّي الأئمة له.

وبعبارةٍ أخرى، يحتمل أن لا يكون هذا الموضوع في تلك الحقبة مثاراً أصلاً في الوسط السنّي بشكل جادّ، أو يكون مثاراً على نطاق محدود دون أن يدخل ساحة التداول العام، والشواهد التاريخية لا تؤكّد ذلك بحجم اليقين به، وإن كان الاحتمال المعتدّ به موجوداً، ومعنى ذلك عدم إمكان التمسّك بالسكوت لإثبات الإمضاء، كما هو معلوم.

الناحية الثانية: إنه من غير الضروري أن يكون ردع الأئمة(ع) عن خطأ ما في الثقافة الإسلامية والفقه السنّي عبر إصدار نصّ معارض لمضمون ما اتفق عليه أهل السنّة أو فعلته بعض نساء الصدر الأول، فإن هذا أحد أشكال الردع وبيان الخطأ، وثمة شكل آخر يتبلور عبر تكوين وعي متشرّعي لا يسمح بانعقاد حكم من قبيل ما اتفق عليه الفقه السنّي، بل يراه بارتكازه منافياً للشريعة، وهذا كافٍ في تحقيق الردع وبيان الحق، ومن غير البعيد أن يكون أهل البيت(ع) قد استخدموا هذا السبيل عبر عشرات من النصوص التي تفيد تنحّي المرأة عن مثل هذه المجالات، مثل إمامة الجماعة، ومنصب القضاء، والشهادة، إضافة إلى ما دلّ على عدم تولّيها شيئاً، وما دلّ على ضعفها، ونقصان عقلها، وعدم مشاورتها وما شابه ذلك، فإنّ هذا الحجم الهائل من النصوص يمكنه ـ بتراكمه ـ أن يساهم في تكوين ارتكاز متشرّعي رادع بنفسه، يكون له من قوّة الردع ما قد لا يكون لنصّ صريح.

وما قلناه في هذه المناقشة بناحيتها الثانية في غاية المتانة من وجهة نظرنا، بيد أنها تفتقر إلى إثبات مفرداتها، وسوف نتعرّض لاحقاً لهذه المفردات التي قد يدّعى مساهمتها في تكوين بناء متشرعي، لنرى مدى جدوائيّتها في ذلك، بل حتى لو فرض صحّة هذه المفردات، ليس هناك ما يؤكّد وجود ردع ارتكازي متشرعي نتيجتها، ذلك أن هذه النصوص عرفتها الساحة السنّية ـ ولو بعد حقبة الحضور ـ ربما شبه ما عرفها المناخ الشيعي، والمفترض أنها لم تفعل فعلها في تكوين ردع ارتكازي في المجتمع الديني السنّي ما قد ينفي ضمانها تحقيق الردع في المجتمع الشيعي، ولا أقلّ من الشك القويّ المضعف للمناقشة.

الدليل الخامس: التمسّك بما دلّ على حجية الرواية، حيث صرّحوا فيها بعدم الفرق بين الرجل والمرأة([۴۴])، مع ادعاء أن الملاك في باب الرواية والإفتاء واحد، والوجه في هذا الكلام أن أدلّة حجية الرواية مثل آية النفر وسؤال أهل الذكر هي بعينها أدلّة حجية الفتوى، فكيف يمكن التمسّك بإطلاقها في الرواية لجواز رواية المرأة دون الفتوى حتى يحكم بعدم جواز تقليدها؟!([۴۵]).

إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة، وذلك:

أولاً: إن أدلّة الفتوى والرواية مختلفة على بعض المباني، فآية النبأ من أهمّ الأدلة اللفظية عند كثير من الأصوليين على حجية الخبر، إلا أنه لا شأن لها عندهم بالفتوى، فلا دليل على وحدة المدرك فيهما دائماً.

ثانياً: إن بناء العقلاء وإن قام على الأخذ بالخبر والفتوى معاً، إلا أن الملاك مختلف، فتلك من باب الظن بإصابة الواقع، وهذا من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، ومن الواضح أن الخبر يؤخذ به من باب حسيّته، أما قول أهل الخبرة فيؤخذ به من باب حدسيّته، ولعلّ وحدة الجانب الحسّي بين الرجل والمرأة يجيز الأخذ بروايتها، فيما تتدخل نكتة الحدسيّة للمنع الشرعي عنه، انطلاقاً من رؤيةٍ شرعية لعقل المرأة ورأيها أو انطلاقاً من رؤية لمستلزمات وظيفة المرجعية من الاختلاط وغيره.

وبعبارةٍ ثانية، وحدة الدليل تفيد اقتضاء الإطلاق في الفتوى والرواية، وهذا ممّا يسلّم به الجميع أن مثل السيرة العقلائية ـ على الأقل ـ شاملٌ في الموردين للرجل والمرأة، إلا أن هذا لا يمنع من ورود دليل خاص في الفتوى دونه في الرواية؛ لاختلاف خصوصيات الحسيّة والحدسيّة أو التصدّي لمنصب الإفتاء دونه في الرواية، وعليه فلم يقدّم هذا الدليل شيئاً علاوةً على ما اقتضاه الدليل الثاني المتقدّم، فتبقى دلالته موقوفةً على عدم ورود دليل مخصّص للعمومات أو رادع للسيرة.

نعم، ينفع هذا الاستدلال لردّ دعوى الانصراف إلى الرجل ـ في الجملة ـ في خصوص الفتوى، فيصلح نقداً عليهم بعدم ادعائهم الانصراف في أمر الرواية.

والمتحصّل من أدلّة شرعيّة تقليد المرأة، صحّة الدليلين الأول والثاني على الأقل، لإثبات جواز تقليدها نفسها وتقليد غيرها لها، على أن يكون ذلك ـ في الثاني ـ موقوفاً على معرفة حال أدلّة الطرف الآخر.

۲ـ نظرية بطلان تقليد المرأة أو شرطية الرجوليّة في المرجعيّة، قراءة نقدية

وجملة الوجوه المذكورة أو التي يمكن أن تذكر لتأييد هذه النظرية ما يلي:

الوجه الأول: التمسّك بالإجماع المدّعى في لسان الشهيد الثاني& على ما جاء في عبارة الروضة([۴۶])، إضافةً إلى القول بأنه المشهور المعروف عند الإمامية([۴۷])، أو المتسالم([۴۸]).

ويناقش أولاً: إن البحث التاريخي الذي استعرضناه بداية هذه الدراسة يؤكّد عدم وجود إجماع شيعي ولا إسلامي، ولا حتى شهرة شيعية في هذا الموضوع، لا أقلّ من عدم إحرازه، فقبل الشهيد الثاني في القرن العاشر الهجري لا عين ولا أثر لهذا الموضوع في المصنّفات الفقهية والأصولية والكلاميّة، وحتى بعده لم يظهر لهذه الفكرة حضور فاعل إلا بعد صاحب العروة في القرن الرابع عشر الهجري، فأيّ مستند لدعوى الإجماع الشيعي أو الشهرة على شرط الذكورة في المرجعية؟!

ثانياً: إن شواهد النصوص القديمة لا تخلو من تأييد نظرية الشرطية فحسب بل تعزز احتمال عدم وجودها، فعندما تذكر في المصنفات الأصولية الشيعية الرئيسية قبل القرن العاشر شروط المُفتي والمستفتي لا يُذكر شرط الذكورة إطلاقاً، رغم أن المقام مقام بيان صفات المُفتي، مما يشكّل قرينة احتمالية قوية على عدم انعقاد موقف على مثل هذا الشرط آنذاك، وإلا لبيّنوه في هذا البحث، أو أوكلوا بيانه إلى موضعٍ آخر، فهذا العلامة الحلّي يذكر في باب الأمر بالمعروف من (قواعد الأحكام) صفات المفتي ولا يأتي على ذكر الرجولية([۴۹])، ومثله الشهيد الأوّل في مقدمة كتاب ذكرى الشيعة([۵۰])، حيث يذكر ثلاثة عشر صفةً في المفتي، والأمر عينه مع المحقق الكركي في خاتمة رسالته في صلاة الجمعة([۵۱]).

بل إن ملاحظة المصادر السنيّة في بحث شروط المُفتي والمستفتي تؤكّد لنا أن البحث الشيعي جاء متناسقاً معها من حيث عدم شرط الذكورة، فأبو إسحاق الشيرازي (۴۷۶هـ) يعقد في كتاب «اللمع في أصول الفقه» باباً لذكر صفة المُفتي والمستفتي دون إشارة إلى شرط الذكورة، كما لا نجد في «المستصفى» للغزالي (۵۰۵هـ) «وفواتح الرحموت» في مبحث الاجتهاد والتقليد عيناً ولا أثراً لهذا الشرط، وهكذا الحال في الباب عينه من كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم الأندلسي وغيرها من مصادر الأصول السنية التي استعرضنا شطراً منها سابقاً، فإذا كان الموقف الشيعي مخالفاً كان لابد أن يظهر الفرق في هذا البحث بالذات من كتب أصول الفقه، وهو ما لم نجده إطلاقاً، كما يظهر بالمقارنة، لاسيّما مع تقارب تقسيمات أصول الفقه الشيعي وأبحاثه في تلك الحقبة مع أصول الفقه السنّي، كما يعرفه الباحث في تاريخ علم أصول الفقه، بحيث يشعر الإنسان أنّ أحدها كان حاشيةً أو تعليقاً على الآخر، فراجع المصادر الأصوليّة للطرفين في القرنين الخامس والسادس الهجريّين.

ثالثاً: على تقدير انعقاد إجماع أو شهرة شيعيّة أو حتّى إسلامية على هذا الشرط، من المحتمل جداً كون هذا الإجماع مدركياً مستنداً إلى جملة الأدلّة التي ستَرِدُ معنا عمّا قريب، ومع احتمال المدركية، إن لم نقل بالظن بها على تقدير انعقاد الإجماع، لا يعود الإجماع حجة، كما هو الصحيح في علم أصول الفقه.

رابعاً: إن الإجماعات المنقولة غير حجّة كبروياً، فكيف بهذا الإجماع المدّعى من جانب الشهيد الثاني مع ما فيه من الوهن من ناحية:

أ ـ رصدنا للمصنّفات التي لم نجد لها ذكراً لهذا الموضوع إطلاقاً ولو بالإشارة.

ب ـ عدم تكرّر ظاهرة ادّعاء الإجماع في هذا الموضوع بعد الشهيد الثاني بمقدار معتدّ به، حتى من جانب أنصار نظرية الشرطية أنفسهم، مما يدلّ على توقّفهم ـ لا أقل ـ في تصحيح إجماع الشهيد الثاني، وإلا لما اكتفوا بالإجماع المنقول عنه نفسه كما هو ظاهر، وادّعاؤهم الإجماع على الشرطية في منصب القضاء لا يحسن الخلط بينه وبين مقامنا هنا، كما حصل مع غير واحدٍ من متأخّري المتأخّرين.

ج ـ ما قيل عن وجود ارتباك في نصّ الشهيد الثاني نفسه وتسامح، فذِكر الشهيد الثاني الإيمان والعقل والعدالة شرائط للقضاء صحيح، لكنها ليست من شروط الاجتهاد.

وهذا الإشكال الذي ينقله صاحب مفاتيح الأصول عن الشيخ علي سبط الشهيد الثاني([۵۲]) ربما يكون محلّ كلام في الرصد التاريخي، إلا أن لي وقفة سؤال مع الشهيد الثاني من ناحية ثانية، فقد ذكر بعد عدّة صفحات على نصّه المذكور عند الحديث عن قاضي التحكيم أن «استجماعه لشرائط الفتوى شرط إجماعاً، وكذا بلوغه، وعقله، وطهارة مولده، وغلبة حفظه، وعدالته، وإنما يقع الاشتباه في الباقي»([۵۳])، فنحن لم نفقه ما هي شرائط الفتوى؟! فهناك عدّ منها ـ إجماعاً ـ البلوغ والعقل وطهارة المولد، فكيف فصل هذه الثلاثة عن شرائط الفتوى في هذا النص؟! فإذا كان البلوغ غير شروط الفتوى لم يكن نصّه السابق مدعياً فيه الإجماع على كون البلوغ من شرائط الفتوى، بل ادعاؤه الإجماع يكون على اشتراط القضاء بالبلوغ، ولعلّه لذا احتمل صاحب الفصول أن يكون مراد الشهيد الثاني من الإفتاء خصوص القضاء وإن استظهر ـ أي صاحب الفصول ـ بعد ذلك الفتوى منه([۵۴]).

وعبارة الشهيد الثاني ـ بعد جملة الملاحظات ـ لا تكاد تكون واضحةً، لاسيما وأن أحداً لم يتحدّث عن مثل البصر والكتابة في شرائط الفتوى قبله حسب الظاهر، ولو كان لم يكن بالمعروف والمشهور، بل إن الشهيد الثاني نفسه ذكر شروط المفتي في كتابه «منية المريد» وحصرها في الإسلام، والتكليف، والعدالة، والفقاهة، مشيراً إلى قضية شرط الأعلمية والحياة([۵۵])، ولو كانت الذكورة شرطاً لذكرها، وإن كانت درجة دلالة كلامه في منية المريد غير قوية لاعتبارات مقامية وسياقية، تعود إلى طبيعة الكتاب وأنه كتاب أخلاقي لا كتاباً فقهياً، لكنها على أيّ حال ذات درجة من الدلالة.

د ـ ثمّة نصّ فيه نحو معارضة لكلام الشهيد الثاني، يظهر منه الإجماع أو شهرة عدم اشتراط الذكورة في المفتي، ويعود النص للقرن الثاني عشر الهجري، أي بعد قرنين فقط من عصر الشهيد الثاني، وصاحب النص هو المحقق محمد إسماعيل الخواجوئي المازندراني (۱۱۷۳هـ)؛ إذ كتب رسالةً في شرائط المفتي، نصّ فيها أنهم: «يعتبرون الذكورية والحرية في القاضي دونهما (أي المفتي والمجتهد)»([۵۶]).

وظاهر الجمع في «يعتبرون» أنه يعود إلى الفقهاء، مما يؤكّد ـ على الأقلّ ـ شهرة القول بعدم اشتراط الذكورة في اجتهاد المجتهد ولا في إفتائه، مما يشكّل قرينةً عكسيّةً على دعوى الإجماع من الشهيد الثاني.

هذا، وقد صرّح السيد محمد المجاهد الطباطبائي (۱۲۴۲هـ) بأنّه لم يشر أحد من علماء الأصول إلى اشتراط الذكورة([۵۷])، رغم قوله هو نفسه بالاشتراط، كما أتى صاحب الفصول على هذا البحث مقتصراً فقط على نقل كلام الشهيد الثاني، مع أنه توسّع في الشروط الأخرى للمفتي، دون أن يبت بهذا الشرط، أو يذكر أدلّةً أو بحثاً أو أقوال فيه، الأمر الذي له دلالة معبّرة([۵۸]).

هـ ـ ما ذكره بعض المعاصرين من أن الشهيد الثاني نفسه في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب الروضة قد ذكر صفات المفتي دون أن يتعرّض لصفة الذكورة([۵۹])، مما يدلّ على أنّ مراده هنا صفات القاضي([۶۰]).

والمتحصّل عدم وجود أي دليل على إجماع أو شهرة شيعيّة أو إسلاميّة على شرط الذكورة، بل ربما أمكننا ادعاء الإجماع أو الشهرة على عدم الشرطية، لا أقلّ قبل القرن العاشر الهجري وفق البيانات المتقدّمة.

الوجه الثاني: التمسّك بجملة من الروايات التي ادّعي تخصيصها الإفتاء بالرجل، أو ردعها عن الرجوع إلى المرأة، بحيث تكون مفيدةً لتقييد المطلقات وتخصيص العمومات، وهذه الروايات هي:

الرواية الأولى: حسنة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق’: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه»([۶۱]).

وتقريب الاستدلال بالرواية: أنها أحالت إلى الرجل مما يدلّ على أن الذي يمكن الرجوع إليه في التقليد والفتوى إنما هو الرجل دون المرأة، وبذلك تتقيّد المطلقات ويُردع عن المرتكزات([۶۲]).

إلا أن هذه الرواية يمكن مناقشتها من جهات:

الأولى: إنها واردة مورد القضاء، فتدلّ على عدم إمكان كون المرأة قاضية، والإفتاء غير القضاء، ومعه فلا يمكن تسرية الحكم من القضاء إلى الإفتاء، فتكون الرواية أجنبيةً عن مقام بحثنا([۶۳]).

وقد أجيب عن هذه المناقشة بادعاء الأولوية، فإذا كان القضاء مشروطاً فيه الذكورة، وهو مجرّد حكم بين شخصين، فإن الإفتاء أولى بهذا الشرط بعد كونه شاملاً لعموم الناس وأكثر أثراً في حياتهم، ولا أقل من التساوي، مما يفرض تسرية الحكم من القضاء إلى الإفتاء([۶۴]).

وهذا الجواب ذو نكتة عامة، إذ يمكن عبره التمسّك بمجمل أدلة شرط الذكورة في القاضي لإثباتها في المُفتي ومرجع التقليد، ومن ثم لا يكون منحصراً بحسنة أبي خديجة([۶۵]).

ويرد عليه أن باب القضاء ـ على ما ذكره بعض المتأخرين ـ مختلف تماماً عن باب الإفتاء، ففي مورده نزاع وغضب واضطراب، أما في الإفتاء فهناك تسليم ومعرفة وطلب، ومن الممكن جداً أن يؤخذ في المورد الأول اشتراط الذكورة؛ نظراً للحاجة إلى عدم العاطفة أو الاضطراب أو الإحساس، على خلاف موارد الإفتاء، إذ لا أثر لهذه القضايا فيها، فهذا الفارق يصلح لإثارة احتمال جادّ في الفرق يمنع عن تسرية الحكم أو إثبات الأولوية([۶۶]).

إلا أن هذا الإيراد ـ على صحّته ـ غير تام من الجهات جميعها، ذلك أن حالة الغضب والنـزاع المذكورين يواجههما القاضي في الحالات المتعارفة، ولعلّ بالإمكان تجنيب القاضي التورّط في فورة غضب المتنازعين بما قد يؤدّي إلى اضطرابه نفسه بتحويل القضية إليه مدوّنةً دون أن يلتقي أطراف النـزاع ضمن نظام إداري يمكن تحقيقه هذا من جهة، ومن جهة أخرى من غير المعلوم أن الحالات العاطفية بعيدة عن عمل الإفتاء لاسيما في القضايا الحسّاسة في الاجتماع البشري التي يواجهها الفقيه كل عصر، فتصوّر العملية الاجتهادية عملية سكونية تصوّر كلاسيكي ينسجم مع نمط واحد من أنماط الممارسة الاجتهادية، وفهم واحد لها، وهو نمط غير معلوم صوابه أو على الأقل الانحصار به، ومن ثم يكون احتمال التأثيرات النفسية في الفقيه وارداً أيضاً، وإذا كان هذا الاحتمال أضعف قدراً منه في باب القضاء فإن خطورة المحتمل وشموليته ـ كما بيّنه المستدل ـ قد تجبر ضعف الاحتمال وتخلق توازناً وتساوياً بين موردي القضاء والإفتاء.

والمتحصّل أننّا غير قادرين على الجزم بتسرية الحكم ولا بعدم تسريته بعد هذا النقض والإبرام، وهذا كاف في ردّ الاستدلال بالرواية المذكورة.

الثانية: ما أفاده السيد الخوئي وغيره من أن عنوان الرجل الذي أخذ في لسان الرواية إنما جاء على ما هو الغالب آنذاك في القضاء، إذ الرواية جاءت لبيان القاضي الشرعي مقابل قضاة الجور الذين كانوا آنذاك، وأغلبهم من الرجال، وهذا معناه أن عنوان الرجل ليس عنواناً تعبدياً بل غالبياً، وفي مثله لا يكون احترازياً لنفي غيره كما هو معروف([۶۷]).

وإن شئت بيان المناقشة من ناحية أخرى أمكن القول ـ كما ذكره السيد رضا الصدر ـ بأن عنوان الرجل إنما أتي به على نحو المثالية لمطلق القاضي لا على نحو الموضوعية النافية لغيره، وهذا معناه أن الرواية لا تريد أخذ قيد الرجولة في القضاء نفسه فضلاً عن الإفتاء([۶۸]).

ولمزيد من تطوير هذا الكلام يمكن الاستعانة بصياغة العلامة شمس الدين حيث اعتبر أن كثيراً من تكاليف الكتاب والسنة قد وردت بصيغة المذكّر مع شمولها للأنثى بالاتفاق([۶۹]).

وهذه المناقشة متينة، فإن مبدأ الموضوعية في العناوين المأخوذة في ألسنة الأدلّة يمكن الخروج عنه عند وجود قرينة، وهي متوفّرة هنا، بالبيانات المبرزة آنفاً، ولا أقلّ من أنّ شدّة احتمال الطريقيّة في العنوان تمنع عن حمله على الموضوعية، فإنّ أصالة الموضوعية في العناوين المأخوذة في ألسنة الأدلّة ليست سوى بالظهور والتباني العقلائي في باب المحاورات، فإذا شككنا ـ وهو كذلك هنا إن لم نقل بالاطمئنان ـ في إرادة العنوان على نحو الموضوعية شكّاً معتدّاً به عند العقلاء، فلا يُحرز انعقاد السيرة العقلائية على العمل بأصالة الموضوعية، فينقلب الدليل مجملاً يؤخذ فيه بالقدر المتيقن إن كان، وهو هنا الرجل، دون أن ينفي غيره، أي المرأة، وهو المطلوب.

نعم، الصيغة التي ذكرها العلامة شمس الدين يمكن تسجيل ملاحظة عليها من ناحيتين:

أ ـ إن النصوص التي ذكر أنها جاءت بخطاب المذكّر، وعمّمها علماء المسلمين لغير الرجل، نصوصٌ غير خاصة بالرجل، بل عامّة له ولغيره، غايته أنها جاءت بصيغة المذكّر على سبيل التغليب، مثل: الذين آمنوا، المؤمنون، المسلمون و..، وهذا ما يختلف عن مثل المقام، حيث استخدمت عبارة أو كلمة لا يصحّ التغليب فيها بمعناه المصطلح في علوم اللغة، وهي الرجل، ومثل هذا الاستخدام مختلف تماماً عن استخدام مفهوم المؤمن الشامل بمضمونه الدلالي للرجل والمرأة، والمختصّ بصيغته اللغوية بالرجل؛ للتغليب المعروف في لغة العرب، فعنوان الرجل لا يمكن أن يشمل المرأة بالتغليب على خلاف عنوان المؤمن.

ب ـ قد يقال: إن الخطابات المذكّرة الواردة في الكتاب والسنّة خاصّة بالرجل من حيث ذاتها، وأن تعميمها لغيره إنما جاء من دليل خارجي هو قاعدة اشتراك الأحكام بين الذكور والإناث، وهذا المبنى وإن رفضناه، إلا أن تبنّيه لفقيهٍ هنا من شأنه أن يغيّر الرؤية، ذلك أن هذه القاعدة قد لا يُحرز جريانها في مثل الموارد المشكوكة من حيث بنية النص ودلالته، كالذي نحن فيه، إذ ربما لا إطلاق لها يرجع إليه، وإنّما كانت أدلّتها العمدة من نوع الأدلّة اللبيّة كالإجماع والضرورة([۷۰]).

ووفقاً لذلك كلّه، فإصرار بعض العلماء على موضوعيّة عنوان الرجل في غير محلّه([۷۱])، أفهل يصرّون على ذلك لو جاء سؤال عن رجل نجّس يده كيف يطهّرها؟ ويحكمون باختصاصه بالرجل، مع أن العديد من الروايات جاءت على هذه الطريقة، فراجع مصادر الحديث لتتأكّد كم مرّة استخدم عنوان الرجل وتمّ تسرية الحكم إلى غيره.

هذا، وقد أجاب بعض المعاصرين عن إشكال الغالبية بأنه إنما يمنع الأخذ بالإطلاق عندما يكون إطلاق في البين يعمّ مورد القيد وعدمه، أما هنا فلا يوجد إطلاق في أدلّة القضاء([۷۲]).

وهذا كلام صحيح لو أردنا جعل المدرك في تقليد المرأة حسنةَ أبي خديجة، نعم، فهي لا تصلح أن تعمّم، إلا أننا لا نريد جعل الحسنة المذكورة مدركاً لعدم الاشتراط بقدر ما نريد إبطال جعلها مدركاً للاشتراط، كما يظهر ممّن ناقشها عادةً.

الثالثة: إنّ التمسّك بهذه الرواية إنما يقوم على مفهوم اللقب أو الوصف، وهما غير ثابتين في الأصول، بوصفهما قاعدة عامة، ومع التنـزل عن ذلك ولو بتبنّي مفهوم السالبة الجزئية الذي ذهب إليه أمثال السيد الخوئي في بحث المفاهيم من أصول الفقه([۷۳])، أو القول بكونه في مقام البيان من حيث القيود بتفاصيلها، يمكن القول بأن مثل رواية أو روايتين لا يصلحان ردعاً عن بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم دون تمييز بين الرجل والمرأة، مع غض النظر عن الروايات الأخرى التي أشرنا إلى تكوينها بناءً متشرعياً رادعاً كما ستأتي مناقشتها.

وبعبارة أخرى، ربما تصلح رواية أو روايات بهذه الدرجة من الدلالة في تخصيص عمومات لفظية كعمومات التقليد، إلا أنّها لا تصلح ـ لوحدها ـ رادعاً عن ارتكاز عقلائي راسخ في رجوع الجاهل إلى العالم دون تمييز في جنسيته، تماماً كما لا تصلح رواية أو روايتان بهذه الدلالة في الردع عن حجية الظهور المؤسّسة عقلائياً والراسخة في حياة العقلاء، اللهم إلا إذا قيل بإمكان ذلك بعد أن كانت الرواية لا تريد الردع عن هذا الارتكاز مطلقاً، بل تحديد دائرته بغير الفتوى والقضاء.

الرواية الثانية: مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله× عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخفّ بحكم الله وعليه ردّ»([۷۴])، ومثل هذه المقبولة الخبر المعروف: «أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ..»([۷۵]).

وقد نوقشت هذه الرواية بما نوقشت به سابقتها، ويجري الكلام فيها كما جرى فيها تماماً([۷۶])، مضافاً إلى مناقشات خاصّة بها وهي:

المناقشة الأولى: إن جملة «من كان منكم» لا تدلّ على الرجل، إذ هذا التعبير يشمل الذكر والأنثى([۷۷])، والتذكير فيه تغليبي، كما هو المتعارف في اللغة العربية، وفي ألسنة التشريعات الواردة في الكتاب والسنة، ومعه لا مجال لتوهّم الاختصاص بالرجل.

وقد ردّ هذه المناقشة المرعشي النجفي (۱۴۱۱هـ) بأنها قد تتمّ في كلمة «من»، أما كلمة «منكم» فهي ظاهرة في الرجولية([۷۸]).

إلا أنّ هذا الردّ لا يرد على البيان الذي ذكرناه للمناقشة من التغليب، واستعمال مثل «منكم» في النصوص الدينية في الأعم الحاكي عن الجماعة بقطع النظر عن الجنس لا يكاد يحصى، ومعه لا يحصل ظهور دالّ في الاختصاص بالرجل لمن راجع مجمل نصوص الكتاب والسنّة، نعم قد لا يحصل منها ظهور في الأعمّ، وهذا ليس بضائر بعد أن كان المطلوب إثبات عدم كون المقبولة دليلاً للشرطية، لا كونها دليلاً لعدمها.

المناقشة الثانية: ما أفاده السيد الخوئي أيضاً وغيره من أن الرواية ضعيفة السند بابن حنظلة نفسه، إذ لم يرد فيه توثيق في المصادر الرجالية، والرواية الواردة في توثيقه ثمّة في سندها يزيد بن خليفة، وهو غير موثّق إلا على مبنى توثيق من يروي عنه أحد المشايخ الثلاثة ونحو ذلك، والمبنى مرفوض في علم الرجال([۷۹]).

أما القول بعمل الأصحاب بالرواية ولهذا سمّيت بالمقبولة وهو يجبر ضعفها السندي، فقد اختلفت كلمات الخوئي فيه بين كتبه، ففي بعضها أقرّ بذلك ورآه موجباً لإمكان الأخذ بها، فيما رفض ذلك في بعض كتبه الأخرى([۸۰]).

ونحن ـ كما حققنا في محلّه ـ لا نأخذ بتوثيق ابن حنظلة، ولا نجبر سند هذا الخبر هنا.

المناقشة الثالثة: إن كلام الإمام× في المقبولة إنما جاء بحسب فرض السائل وكلامه لا ابتداءً منه، ومعه فلا دلالة فيها على الاشتراط([۸۱]).

ويجاب: إن السائل قد سأل أولاً عمّن رجع إلى السلطان لحلّ مشكله القضائي، فنهاه الإمام×، ثم سأله: فكيف يصنعان؟ فأجاب بجملة الشاهد، فلم يقع فرض في كلام السائل، بل طلب بيان ما يجب فعله كقاعدة عامة، فيكون التذكير في لسان الإمام ابتدائياً لا تابعاً لكلام السائل.

الرواية الثالثة([۸۲]): خبر عامر بن عبد الله بن جذاعة قال: قلت لأبي عبد الله(ع): إن امرأتي تقول بقول زرارة ومحمد بن مسلم في الاستطاعة وترى رأيهما؟ فقال: «ما للنساء وللرأي والقول لها، إنهما ليسا بشيء في ولاية»، قال: فجئت إلى امرأتي فحدثتها، فرجعت عن ذلك القول ([۸۳]).

وتقريب الاستدلال بالرواية ظهورها في عدم اعتبار رأي المرأة، مما يعني أنها ليست أهلاً للفتوى([۸۴]).

ويناقش أولاً: بضعف الرواية سنداً([۸۵]).

وهذه المناقشة في محلّها، ففي سندها عامر بن عبد الله بن جذاعة الذي لا سبيل لتوثيقه إلا على مبنى كامل الزيارات، وليس بثابت، مع أنه من مشايخه غير المباشرين([۸۶])، ولعلّه لهذا لم يوثقه ـ مثلاً ـ السيد تقي القمي المعاصر([۸۷]).

هذا، مضافاً إلى أنّ في الرواية طعناً بزرارة ومحمد بن مسلم، ممّا يدخلها في سياق التعارض مع روايات كثيرة أخرى مادحة، ويضعّف من قوّتها السنديّة.

وثانياً: إن مسألة الاستطاعة إنما تدور في أصول الدين التي لا يجوز الاعتماد فيها على التقليد، بل لابد من البرهان، وإلا لزم عدم اعتدادها في الفروع حتى بالنسبة لعمل نفسها، وهو معلوم البطلان([۸۸]).

إلا أن هذه المناقشة في غير محلّها، وذلك أن محلّ الشاهد في الرواية هو البون الشاسع الذي يعقده الإمام× بين النساء والرأي كأنه يسخر منهنّ، ويراهنّ دون هذا الشأن، ومعه لا فرق في موضوع البحث بين كون الأمر اعتقادياً أو فرعياً، إذ لو كانت القضية قضية عدم جواز التقليد لما صح له× ذكر ما قال، بل كان لابد له من الإشارة إلى عدم الحقّ لها في الأخذ بقول زرارة ومحمد بن مسلم، بل عليها النظر أو اتخاذ وسيلة أخرى، فلسان الرواية يدفع ما قيل في هذه المناقشة.

الرواية الرابعة و… جملة النصوص الدالّة على أن المرأة ناقصة العقل، وأنها عيّ وعورة، وأن الشارع لا يراها في الرأي كالرجل،وما جاء في باب الشهادة من علّةعدم الأخذ ـ أحياناً ـ بشهادتها منفردةً وما شابه ذلك، من عدم مشاورتها أو مع مخالفتها وما شابه ذلك، من مثل عدم تصدّيها للنبوة أو الإمامة([۸۹])، وعدم معهودية تولية المعصومين لها في شيء، حتى مع وجود عالمات و…، فإن جملة هذه النصوص تكوّن وعياً رادعاً عن بلوغها مكانة المرجعية ومنصب الإفتاء([۹۰]).

ونذكر هنا مهمّ هذه الروايات على الشكل التالي:

الرواية الأولى: عن السكوني عن أبي عبد الله(ع) قال: «قال رسول الله(ص) : إنما المرأة لعبة، من اتخذها فلا يضيعها»([۹۱]).

الرواية الثانية: في وصية النبي(ص) لعلي(ع) قال: «يا علي! ليس على النساء جمعة… ولا تولّي القضاء، ولا تستشار، و…»([۹۲]).

الرواية الثالثة: عن علي(ع) في النهج: «يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل… فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء وإمارة الصبيان…»([۹۳]).

الرواية الرابعة: عن أمير المؤمنين علي(ع) في رسالته إلى الحسن(ع) : «إياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى الأفن، وعزمهن إلى الوهن…»([۹۴]).

الرواية الخامسة: عن أمير المؤمنين علي(ع): «… ولا تهيجوا امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعاف القوى، والأنفس، والعقول…»([۹۵]).

الرواية السادسة: وعن علي(ع): «معاشر الناس! إن النساء نواقص الإيمان، نواقص العقول، ونواقص الحظوظ… وأما نقصان عقولهنّ فشهادة الامرأتين منهنّ كشهادة الرجل الواحد…»([۹۶]).

الرواية السابعة: عنه(ع) أنه قال: «النساء عيّ وعورة، فاستروا العورة بالبيوت، واستروا العيّ بالسكوت»([۹۷]).

وهذه المجموعة من النصوص التي اعتبرها السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم عمدة الدليل على عدم تقليد المرأة([۹۸]) قابلة للمناقشة من جهات عديدة جداً، مما قد يستدعي الإطالة في البحث، إلا أننا نكتفي بالإشارة إلى نقاط:

النقطة الأولى: إن هذه الروايات بأجمعها ضعيفة السند إما بالإرسال، كما فيما ورد منها في نهج البلاغة، وإما بجهالة بعض الرواة أو ضعف بعض الطرق، فلم يصحّ منها ـ عند التحقيق ـ أي رواية إلا ما سنورده.

و بيان ذلك:

أ ـ أن ما دل من النصوص على نقصان عقل المرأة، أو ضعف عقلها، ضعيف، فخبر مالك بن أعين (الرواية الخامسة المتقدمة) ضعيفة السند بالإرسال جداً، وفق ما جاء في الكافي، وكذلك الحال في الرواية السادسة، إذ قد ذكرت في نهج البلاغة وتفصيل وسائل الشيعة وغيرهما مرسلةً.

ب ـ وأما ما دلّ على النهي عن مشاورة النساء، أو المشاورة والمخالفة، فوصية

النبي(ص) لعلي(ع) ضعيفة السند بحماد بن عمرو وأنس بن محمد فهما مجهولان([۹۹])، لا فرق في ذلك ما جاء في تفصيل وسائل الشيعة أو كتاب من لا يحضره الفقيه أو الخصال، وأما رواية النهج (الرواية الثالثة) فهي ضعيفة السند بالإرسال، وأما وصية الإمام علي× لولده الحسن× (أو لولده محمد بن الحنفية وفق بعض الروايات) فلها أكثر من سند، أحدها ضعيف بالإرسال بعد أبي عبد الله الأشعري، وثانيها ضعيف بالإرسال بعد العاصمي، أما ثالثها فضعيف ـ لا أقل ـ بجهالة علي بن عبدك بل إهماله حسب الظاهر([۱۰۰])، أما رابعها فهو سند نهج البلاغة المرسل، وكذا الحال في سند الحراني في تحف العقول، حيث يبتلي بالإرسال، وخبر أبي عبد الله البرقي فهو مرفوع، وخبر يعقوب بن يزيد فهو مرسل، وخبر عمرو بن عثمان فهو مرسل، وخبر جابر وهو ضعيف ـ لا أقل ـ بعمرو بن شمر الضعيف جداً..([۱۰۱])، وهكذا خبر إسحاق بن عمار للرفع، وخبر يعقوب بن يزيد للإرسال والرفع، وخبر الواسطي للرفع، وخبر عمرو بن عثمان للإرسال وجهالة بعض الرواة بل ضعفهم([۱۰۲]).

ج ـ أما رواية العيّ والسكوت فهي ضعيفة بإرسال الصدوق من جهة أحد سنديها، وإرسال الطوسي في الأمالي من جهة سندها الآخر، إضافةً إلى جهالة أبي المفضل على تقدير كونه الخراساني، وتضعيفه على تقدير كونه الشيباني([۱۰۳])، نعم هناك رواية معتبرة السند تبيّن أن المرأة عورة، لكن هذا لا علاقة له بضعف الرأي و..

نعم، الرواية الأولى عن السكوني معتبرة السند على المعروف.

وهكذا الرواية التي يرويها الكليني عن الصادق× قال: «ذكر رسول الله(ص) النساء، فقال: اعصوهن في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر، وتعوّذوا بالله من شرارهن، وكونوا من خيارهنّ على حذر»([۱۰۴]).

النقطة الثانية: إن هناك نكتة ـ يجدر ملاحظتها في هذه المجموعة من الروايات ـ وهي نكتة تضعف درجة الوثوق بها، وحيث كان الثابت عندنا حجية الخبر الموثوق لا الثقة كان من الضروري رصد درجة الوثوق هنا.

والنكتة التي نثيرها في المقام أن رواة هذه النصوص هم من الرجال، والرجال ـ لاسيما في الثقافة القديمة ـ لهم مصلحة كبيرة في إثارة هذا النوع من النصوص، وعليه فاحتمال وضعها من جانب الرواة يغدو أكبر قياساً بالموضوعات الأخرى، مما يصعّب درجة الوثوق بها مع كثرتها، لاسيما بعد افتراض ضعفها السندي، وهذه النكتة كبروية هامة، تساعد على إضعاف قوّة الضخّ الاحتمالي في الروايات نتيجة كثرتها.

ويضاف إلى ذلك ـ بعد الضعف السندي للروايات ـ أنّ الملفت في هذا النوع من النصوص وروده بكثرة عن أمير المؤمنين علي×، وقد أدّى ذلك إلى ظهور تفسير لدى بعضهم في كون المراد من المرأة هنا، عائشة زوج النبي|، فتكون الروايات إرشاداً إلى امرأة بعينها لا مطلق المرأة، ونحن لا نريد ترجيح هذا الفرض هنا، بقدر ما نريد القول بأن هناك احتمالاً آخر أيضاً في أن تكون الروايات ـ وهي ضعيفة ـ من جعل بعض الشيعة ضدّ عائشة، بمعنى أنهم ينسبون هذا الكلام إلى علي× في مطلق المرأة استطراقاً لتضعيف عائشة، وظهور هذا الاحتمال المعزّز بكثرة الروايات عن علي× وإن لم يقم عليه دليل، غير أنّه ـ ما دام منطقياً وتقتضيه طبيعة الأشياء ـ يضعّف ـ كما قلنا ـ من قوّة الضخّ الاحتمالي في النصوص، فيمنعها ـ إلى جانب الضعف السندي ـ عن تحصيل الوثوق رغم بعض الكثرة النسبية فيها.

النقطة الثالثة: إن الرواية الصحيحة للكليني المشار إليها في هذا المقام لا دلالة لها على ما نحن فيه أصلاً، فإن الظاهر منها، لا أقلّ من عدم الظهور في غيره، حالة العلاقة الزوجية، فإن المنصرف إلى الذهن من سماع هذا النصّ هو تلك الصورة، ومن غير البعيد وجود خصوصية هناك تختلف تمام الاختلاف عن الرجوع إلى متخصّص في العلوم المختلفة إذا كان امرأة، ومثل هذه الرواية في الظهور في الدائرة الأسرية جملة من الروايات الأخرى.

وعلى المنوال نفسه، مثل خبر السكوني الصحيح السند على المعروف وغيره ممّا صحّ سنده، إذ إنّ التعبير بجملة: من اتخذها، شاهد واضح على أنّ المراد الحديث عن العلاقة الزوجية أو الفردية بين الرجل والمرأة، لا العلاقات العلمية أو غيرها، مما لا يصدق معه تعبير: اتخذها، وهذا ما يسلّط الضوء على كلمة: لعبة، الواردة في الرواية نفسها، ولهذا وجدنا الحرّ العاملي يدرج هذه الرواية في أبواب النكاح تحت عنوان استحباب إكرام الزوجة([۱۰۵]).

النقطة الرابعة: إننا لم نفقه ماذا يريد المستدلّ بالضبط أن يعطينا باستدلاله هذا؟!

أ ـ هل يريد إثبات كبرى عدم كونها كالرجل في الرأي، بمعنى أنّ كلّ رجلٍ أعلم من كلّ امرأةٍ دائماً، فهذا لا يدلّ على منع تقليدها إلا على القول بلزوم تقليد الأعلم، وربما لا نقول به، فيكون الاستدلال أخصّ من المدعى، علاوة على أنه لا يثبت المنع عن تقليدها لو لم يتصدّ الرجل للاجتهاد أصلاً، فضلاً عن اليقين خارجاً ببطلان هذا التعميم.

ب ـ أم يريد أن يثبت عدم جواز الرجوع إليها في القضايا العلمية، مما لازمه عدم الرجوع إلى النساء في كل قضية علمية، إذ لا معنى لتجزئة الدليل بلحاظ القضايا الفقهية والقضايا الطبية والاقتصادية وغيرها، بعد أن لم يكن فيه أيّ مؤشر على التحديد في القضايا الفقهية أو الدينية، أفهل يقال بعدم جواز الرجوع إلى الطبيبة مع وجود الرجل لاحتمال الضرر المأمورِين عقلاً بدفعه؟! وأمثال ذلك من الفروض التي تلزم على تقدير الأخذ بالقاعدة المقرّرة في كلام هذا الفقيه وغيره، الأمر الذي يجعل الأدلّة الأخرى مخصّصة لهذا الدليل، ما قد يلزم منه تخصيص الأكثر المستهجن عرفاً.

ج ـ ثم هل يريد جعل ذلك أمراً تعبّدياً أم حكاية واقعية؟ مع أن التعبدية بعيدة عن لسان هذه الأدلة المسوقة في قضايا خبرية واضحة، وعليه، فإن أريد تأكيد حقيقة غالبية في النساء، فلا يعني ذلك عدم جواز تقليد المرأة بعد شهادة أهل الخبرة والفقهاء بأعلميّتها مثلاً، فإن هذه الروايات لا تكون صادقةً في هذا المورد مع خروج هذه المرأة باليقين عن الطابع الغالبي في النساء، وهو مفروض مسألتنا، وأما إن أريد بيان موجبة كليّة بمعنى أنّ النساء كلّهنّ لا يفقهن ولا علم لهنّ ولا وعي ولا ذكاء و.. فهو ما نقطع ببطلانه، مما يشكّل قرينة من الخارج والعيان على عدم الصدور عن المعصوم× أو لا أقلّ من ردّ علم الرواية إلى أهلها.

د ـ وقد يقال: إنّ الحالة الغالبة هي الموجبة لاتخاذ حكم عام حذراً من التورّط في اتّباع غير المؤهّلة، وهذا الاحتمال لا بأس به، لكنّه يواجه مناقشة، وهي أنه إذا كان نظر الإمام× من التحفّظ عن الرجوع إلى المرأة حالتها الغالبة (المتخلّفة) فإننا نسأل هل ما زال الوضع على ما كان عليه في عصر الحضور؟ ألم يحدث تطوّر أو تغيّر في الحالة الغالبة، يمنعنا على الأقل من التمسّك بإطلاق النصوص، ما دمنا نفسّره بالرعاية والحذر من التورّط نظراً لحالة غالبة متخلّفة؟!

وبعبارةٍ أخرى، نحن لا نريد هنا إثبات تاريخيّة تلك النصوص، بقدر ما نريد إثبات أن التعميم فيها، مع وجود نساء كفوءات عالمات، إنّما جاء ـ وفق الافتراض الذي نعالجه ـ حذراً من التورّط في الحالة الغالبة أو عيّنةٍ منها، ومعه ألا يؤدّي ذلك إلى شلّ الإطلاق عند تغيّر الحالة الغالبة على وضع المرأة؟ فإذا كانت جملة «ما للنساء والرأي»، قد أطلقت باعتبار الحالة الغالبة لتمنعنا عن الرجوع حتى إلى العالمة الفاهمة واقعاً من النساء، فإنّ هذه الجملة عينها سوف يُشلّ إطلاقها حينما تصبح الحالة الغالبة على العكس تماماً، وإلا كان خُلْف فرض كون التعميم احتياطياً بلحاظ الحالة الغالبة، كما هو واضح.

النقطة الخامسة: إن عدم معهودية تولّي المرأة النبوّة أو الإمامة أو نحو ذلك، لا يفيد في المقام شيئاً، إذ لعلّ لهذين المقامين خصوصية مميزة، تضاعف من حجم الشروط فيهما، وهو أمر محتمل جداً، لاسيما بعد اصطباغهما بطابع غيبي، فتسرية الحكم من النبوّة و.. إلى ما هو دونها عمل يقع على النقيض من قياس الأولوية، فلاحظ.

هذا، مضافاً إلى أنّ منصب النبوة أو الإمامة يختلف تماماً عن الإفتاء، ففي النبوّة ما هو أزيد من نقل فتوى أو حكم، بل فيها ولاية وتغيير وما شابه ذلك، على خلاف الحال في الإفتاء المتمحّض لعرض نظريات علمية بحتة لا غير، مما لا علاقة له بولاية أو عمل ميداني، كما سنشير إليه قريباً.

النقطة السادسة: إن عدم معهودية تولية النبي| والأئمة^ لواحدةٍ من النساء أمرٌ لا يصحّ دليلاً في المقام، والسبب في ذلك ظاهرة الأميّة النسوية الواسعة النطاق في مجتمع المسلمين، مما يجعل المرأة العالمة بمثابة الأمر النادر الذي إن لم يُرجِع إليه المعصوم لا يكون ذلك منه إلا لندرة الابتلاء، وهذا معناه أنّ عدم الإرجاع قد يكون لندرة المرأة العالمة، مع الاعتراف بمبدأ وجودها، إضافةً إلى عدم الحاجة إلى هذا الإرجاع، أو اعتماداً على مقتضى السيرة العقلائية الحاكمة بالرجوع للعالم، ذكراً كان أو أنثى، وعدم توليتها القضاء أو غيره أجنبي عن بحثنا، كما أشرنا ونشير لاحقاً.

الوجه الثالث: ما ذكره السيد الخوئي رحمه الله وغيره من أن مذاق الشارع قد انعقد على أن الوظيفة المرغوبة للمرأة هي التحجّب والستر وتصدّي الأمور البيتية، دون التدخّل فيما ينافي ذلك، والإفتاء فيه مثل هذه المنافاة، فإنه موجب لاختلاطها بالرجال وسماع صوتها لهم وما شابه ذلك، فإذا لم يكن يرضى بإمامتها للجماعة كيف يرخّص بتصدّيها للإفتاء والقيام بأمور المسلمين والزعامة الكبرى([۱۰۶])؟!

وقد تعرّض هذا الوجه لمناقشات عدة، ويمكن تعرّضه لغيرها أيضاً، وهي:

أولاً: إن الشواهد التي ذكرها المستدل لم تثبت في الفقه الإسلامي بشكل حاسم بل وقع فيها خلاف بين الفقهاء أنفسهم، عدا أمر الحجاب، ومعه كيف نشيد حكماً من نوع عدم جواز الإفتاء والتقليد على معطيات من هذا القبيل؟!([۱۰۷]).

وهذه المناقشة بهذه الصياغة لا بأس بها، بيد أنه يمكن تطويرها قليلاً بالقول: إن السيد الخوئي نفسه لا يقول بحرمة سماع صوتها ولا بحرمة اختلاطها إذا لم يصاحب محرماً آخر، كما لا يقول بوجوب تصدّيها للشؤون البيتية بالعنوان الأولي([۱۰۸])، فكيف التزم بأنّ مثل هذه الأمور غير الثابتة عنده نفسه يمكن أن يثبت بها حكم شرعي آخر؟!

وهذه المناقشة بصياغتيها ربما يجاب عليها بأن السيد الخوئي لا يريد الاستدلال على عدم شرعيّة تقليد المرأة بأحكام إلزامية متعلّقة بالعيّنات التي ذكرها، بل يريد حشد شواهد على تحديد مذاق الشارع، وأنه أكثر رغبةً في انشغالها بالشأن المنـزلي من تصدّيها للشأن العام، وهذا كافٍ بالنسبة إليه حتى لو لم يثبت الإلزام في الموارد المذكورة.

وهذا الردّ مناقش بأن مبدأ المرغوبية المذكورة إن دلّ فإنما يدل على عدم وجوب أو عدم استحباب تصديها لشأن الإفتاء، لا عدم مشروعية تقليدها أو حرمة إفتاءها على تقدير التصدّي، وبينهما فرق واضح، فإن الأوّل من شؤون الحكم التكليفي، فيما الثاني من شؤون الحكم الوضعي، وفي جانبٍ منه حكم تكليفي مختلف.

ثانياً: إن الدليل أخصّ من المدعى، ذلك أن الإفتاء لا يستلزم الاختلاط بالرجال أو التورّط في السفور وترك الحجاب دائماً، بل يمكن تصوّره مع المحافظة على هذا الشأن([۱۰۹]).

وهذا الوجه تام أيضاً، وما اعتيد في المُفتي أن يختلط بغير جنسه شأن إداري خارجي يمكن إعادة تكييفه وفق الحكم الشرعي، على تقدير حرمة الاختلاط، وليس بحرام..، وقد أثبتت تجارب خارجية إمكانيّة ذلك.

ثالثاً: إن عدم إمامة المرأة للصلاة لا ربط له بما نحن فيه، فلعلّ في الصلاة خصوصية وهي شأن تعبّدي([۱۱۰])، أو لعلّه من ناحية كون إمامة الجماعة تعبيراً عن منصب في المجتمع الإسلامي لم يكن يتصدّى له غير أولي الأمر من المسلمين أو ما شابه ذلك، أفهل يستدلّ بهذا الدليل للمنع عن الأخذ برواية المرأة أو الرجوع إليها في مختلف شؤون الحياة بوصفها من أهل الخبرة، وربما تتحوّل إلى رمز اجتماعي، بحجّة المنع عن إمامتها؟!

ونحن نستغرب كيف تشدّد السيد الخوئي في الأولوية في باب القضاء مع أنه أبعد عن التعبدية من باب الصلاة؟! كما نستغرب من الذين يتمسّكون بمثل هذه الأولويات هنا، كيف يمنعون مثلاً عن تصديّها للإفتاء ويسمحون أن تكون مالكةً مثلاً لشركة اقتصاديّة متعدّدة الجنسيات، بحيث تتحكّم فيها بمصائر الناس؟! أو تكون مستشارةً لشؤون الأمن القومي للدولة الإسلامية! أو تكون ناشطةً اجتماعية وثقافية تقود مشروعاً فكرياً تغييرياً ما دامت بعيدة عن عنوان التقليد، أو ما شابه ذلك من عشرات الأمثلة المحكوم بجوازها في الفقه لا أقلّ عند الأغلب، فلو كان هناك دليل على التمييز قبلنا به فنحن لا نؤمن بالقياس على إطلاقه، أمّا أخذ الأولوية في جانب وإهمالها في جانب آخر، فهو غير واضح إنصافاً ما لم يميّز بين الشأن الديني وغيره، وإن كان هذا التمييز يواجه بدوره مصاديق جديدة معاكسة.

رابعاً: إن التمسّك بدليل المنع عن إمامة المرأة يثبت عدم جواز تقليد الرجال لها لا النساء، فإن إمامتها لهنّ ثابتة على ما هو التحقيق، فكيف يمكن البتّ عموماً بعدم جواز تقليدها مطلقاً؟!

وقد أجاب الفقيه المعاصر الفاضل اللنكراني عن هذا الإشكال الذي أثاره هو نفسه، بدعوى عدم الفصل، فبعد عدم جواز تقليد الرجال لها لا يجوز للنساء تقليدها([۱۱۱]).

وكلامه غير واضح، فمن أين نجزم بعدم الفصل، والمسألة متأخّرة، غير مبحوثة في كتب الفقهاء، كما أثبتنا في البحث التاريخي المتقدّم؟! وهل انعقد عليها إجماع مركّب أو قريب منه وهي جديدة بينهم؟! أم هل قام دليل أو ارتكاز يمنع هذا الفصل؟! إنّ مجرّد عدم معهودية هذا الفصل في المسار التاريخي للإفتاء لا يبرّر منعه فقهياً لو قام عليه دليل، فإن عدم المعهوديّة لا يعطي سوى استغراباً أو استبعاداً ذاتياً لا يقف أمام الأدلّة على تقدير ثبوتها.

الوجه الرابع: التمسّك بقانون دوران الأمر بين التعيين والتخيير، ممّا يعني لزوم الإتيان بمورد التعيين وهو هنا الرجل([۱۱۲]).

ويرد عليه: إن دوران الأمر كذلك مشروطٌ بحصول الشك وفقدان الدليل، والحال أننا نملك مطلقات وعمومات وسيرة عقلائية راسخة، كما أننا ناقشنا تمام الأدلة كما ظهر وسيظهر، ومعه لا معنى للرجوع إلى الأصول العملية بعد فرض قيام الأمارات المعتبرة.

الوجه الخامس: التمسّك بالسيرة المتشرّعية القائمة على عدم تصدّي المرأة شؤون القضاء والإفتاء ونحو ذلك، فإن المتشرّعة يرفضون مثل هذا التصدّي للمرأة، رغم وجود مجتهدات ولم يعهد منهم الترحيب بمثل ذلك، مما يكشف كشفاً إنياً عن عدم جعل هذه المناصب لها في الشريعة الإسلامية([۱۱۳]).

ويناقش بأن شرط دلالة السيرة المتشرعية انعدام احتمال وجود منشأ آخر لها غير صاحب الشريعة وتعاليمه، وتوفّر أمر من هذا النوع في غاية البعد هنا، فإن الثقافة السابقة سواء في المجتمع الإسلامي أم غيره كانت ثقافة ذكورية، بل كان ينظر للمرأة عادةً على أنها غير مؤهّلة لتصدي مناصب من هذا النوع، لندرة المؤهلات، وقلّة المتعلّمات منهن، وتفشي الأمية بينهنّ على نطاق واسع، بحيث كان نظام الحياة الاجتماعي، وطبيعة الحياة الاقتصادية يمنعان عن تصدّيها لذلك، لاسيما في العقل العربي المتحسّس من هذا الموضوع، ومن موضوع المرأة عموماً.

وهذا معناه، أننا لا نحرز سيرةً متشرّعيةً مؤسّسةً من جانب الشارع، كما هي الحال في العبادات، بل سيرة عفوية ناشئة عن ثقافة اجتماعية عامة كانت قبل الإسلام وبقيت في المجتمع الإسلامي وغيره، ككثيرٍ من العادات الأخرى.

نعم، ثمة تساؤل كبروي وعام، وهو أنه لو كان الإسلام يسمح للمرأة بالتصدّي، لصدر منه شيء من هذا القبيل، فمن الغريب أننا لا نجد نصوصاً إسلامية تدعم صيرورة المرأة قاضيةً أو مفتيةً أو حاكمةً أو متصديةً لشؤون الرجال، فلو كان هذا جائزاً لبيّنته الشريعة وكشفت خطأ الاعتقاد العام الزائف حول المرأة، ولمّا لم يتبيّن، عرفنا إمضاء الشارع لهذا التوجه الاجتماعي العام وهذا المرتكز العام الراسخ إزاء المرأة، وهو المطلوب.

والجواب عن هذه الملاحظة يمكن أن يكون عبر ذكر نقاط:

أولاً: هناك فرق بين تجويز الإسلام شيئاً وبين دعوته له، فمن الممكن أن يجيز الإسلام عملاً ما إلا أنه لا يدعو له، وما أكثر المباحات التي لا يدعو لها الدين ولا يركّز عليها، بل يكفيه فيها بيان عام يرشد لإباحتها.

ثانياً: إننا لا نحرز امتعاض المتشرّعة من تولّي المرأة على تقدير كفاءتها، وعلينا أن نفكّك الظاهرة بشكل أكبر، فإذا كان الفقه السنّي مجيزاً إفتاء المرأة، وكان دخول عائشة زوج النبي(ص) على هذا الخطّ قد سعى في إيجاد موقف إيجابي لهم إزاء هذا الموضوع، ولم نجد نصوصاً شيعية مؤكّدة تدعم ذهاب أصحاب الأئمة وفقهاء الطائفة الشيعية في القرون الخمسة الهجرية الأولى إلى عدم الرجوع إلى المرأة في الإفتاء، وإذا لم ينقل لنا التاريخ امرأةً تصدّت للإفتاء في الوسط الشيعي ـ فضلاً عن غيره ـ خلال تلك الحقبة وجوبهت بالويل والثبور، وإذا كان مقام الإفتاء مقام نقل العلم والرجوع إلى أهل الخبرة لا مقام حكم وولاية وتصدي كما أشرنا مراراً… مع ذلك كلّه كيف يمكننا الجزم بوجود ارتكاز سلبي إزاء إفتاء المرأة لم يواجهه الشارع حتى يكون ذلك منه علامة الإمضاء والإقرار؟!

وتجدر الإشارة إلى أننا لا نريد هنا إحراز عدم وجود سيرة، بل يكفينا عدم الإحراز، فليلاحظ ذلك جيداً، ومما يشهد له ـ ولو بدرجة ضعيفة ـ الترحيب الديني مؤخراً ببعض الأنشطة النسوية بعد أن تغيّر حال المرأة.

ثالثاً: إن الفقه قانون ينظّم الحياة كيفما كانت، ومن غير المعلوم أن هدف الفقه الإسلامي حصول تنمية في المجتمع لنقله مثلاً من المجتمع الزراعي إلى الصناعي أو من الصناعي إلى ما بعد الصناعي (المعاصر)، وهذا موضوع بالغ الحساسية نَكِلُ البرهنة عليه إلى مجال آخر من علم الكلام الجديد، لكن وفقاً لذلك يمكن القول: إن عدم ضخّ الفقه الإسلامي روح البعث والنشاط في المجتمع النسوي لتشكيل كيانات نسوية وتأمين حضور نسوي فاعل في الاجتماع الإسلامي، إنما جاء لأنه غير معني بذلك، إذ ذلك تابع لمسيرة التطور الطبيعية للمجتمع من الناحية العلمية والثقافية، وليس من المعلوم تدخّل الفقه في قضايا من هذا النوع.

نعم، يمكن أن يتدخل الإسلام عموماً في إفساح المجال لتكوّن ثقافة من هذا القبيل دون الردع عنها، وهذا أمرٌ آخر، أما المساهمة في صنع هذا الواقع الجديد، فلعلّه موكول إلى البشر أنفسهم تبعاً لظروفهم ووعيهم وثقافتهم.

ولا نريد هنا إثبات السالبة الكلية بين الإسلام وموضوع التنمية بهذا المعنى المشار إليه بل إثبات السالبة الجزئية، المساوق لمنع الموجبة الكليّة، ولا أقلّ من عدم إحراز اهتمامه بهذا الأمر هنا.

رابعاً: ثمّة خلط كبير يقع في بعض المصنفات الفقهية ذات الدرجة الثانية غالباً وغير المتّسمة بالتخصصية، عبر حشد معطيات فقهية كثيرة قد يقال: إنها لا تقع لصالح المرأة، مثل: إمامة الجماعة، والشهادة، والقضاء، وتولّي السلطة والقيادة، و… آخذين هذا الحشد بنصوصه الدينية أخذ المسلّمات، دون تفكيك معطياته كلاً على حدة، وهذا ما أوجب في بعض الموضوعات التباساً هائلاً، بل أوجب التورّط فيما يشبه القياس دون دراسة متأنية، فقد اتخذوا من القضاء، والشهادة، وإمامة الجماعة عناصر ثلاثة لتكوين نظام ردع فقهي للمرأة عن مجالات أخرى، والحال أنه من الممكن أن يكون لهذه الثلاثة خصوصيتها، بل يمكن أن لا تكون ثابتة أصلاً، كما هو الحال في القضاء على احتمال قوي، وفي تولّي السلطة، فلا يصحّ إرسال الشواهد إرسال المسلّمات، والتمسّك في كل محور بالمحور الآخر، والاتكاء على نصوص ضعيفة سنداً وبعضها دلالةً لتعميم أحكام في مجالات مختلفة، يبرّر ذلك كلّه الارتياح النفسي المنبثق من موافقة المشهور عند المتأخرين.

في المقابل هناك تغييب لبعض المعطيات التي تكون لصالح المرأة، ومن شأنها أن تساعد في تكوين صورة مختلفة عنها، وتصوّر ممارسة عامة لهذه الصورة قد يغيّر من نظرنا للأمور، غاية ما في الأمر أنه لا توجد لها ممارسات اجتماعية، وذلك بسبب ضغط اجتماعي واسع على المرأة، لا أساس له في الفقه الإسلامي حتى على المعروف بين الفقهاء أنفسهم.

خامساً: لنفرض وجود ارتكاز عام ضدّ تصدّي المرأة مجالات الحياة الاجتماعية وشؤون المناصب والولايات والإدارات و.. ونفرض عدم قيام الإسلام بمواجهة هذا الارتكاز، إلا أن هذا لا يفيد شيئاً هنا، والسبب أن الإفتاء بما هو هو لا علاقة له بالمنصب أو الولاية، وأن هذه العلاقة المركوزة في الأذهان اليوم علاقة تاريخية نشأت عبر التلازم الطويل بين المفتي والحاكم والقاضي والمجتهد في التاريخ الإسلامي، فقد كان مراجع التقليد قضاةً، ومفتين، وحكّاماً (بالمعنى الفقهي)، ومتولّين لشؤون الأخماس والزكوات و… ومتصدّين ـ لا أقلّ بعضهم ـ لشؤون السياسة والاجتماع، وهذا التصاحب التاريخي بين المرجعية العامة للفقيه وإفتائه هو ما أدّى لتصوير الإفتاء منصباً أو ولاية، فيما لا علاقة له بذلك بتاتاً، إنما هو نحو رجوع الجاهل إلى أهل العلم، وسؤالهم عمّا اعتقدوه بعد نظرهم فيما تخصّصوا فيه، فهل الرجوع للطبيب للاستشارة نحو ولاية له أو منصب قيادي في المجتمع؟ أو هل التعلّم من المؤرخ أو الاقتصادي والاستفادة من خبراته علمياً نحو ولاية له على الطرف الآخر؟!

نعم، التصاحب التاريخي والاندماج الزمني الذي حصل بين عناوين مختلفة، أدى إلى تصوّر المرجع أو المفتي والياً وله سلطنة على المجتمع بما هو مفتي، والحال أن الأمر ليس كذلك، وهذا معناه أن العناوين مفكّكة من حيث طبيعتها الفقهية، فإذا كان للمرأة مكانة يمكن تقليدها معها جاز الرجوع إليها في شؤون الفقه، فيما يكون الحاكم أو المرجع العام شخصاً آخر هو الذي يسأل عن الموضوعات أو المنازعات أو غير ذلك، وعدم معهودية هذا النوع أو استغرابه إنما جاء بسبب القرن الأكيد عبر الامتداد الزمني لهذه العناوين مع بعضها البعض.

نريد بهذه الإطالة إعادة فهم مبسّط غير محمّل بإرث زمني لمفهوم الإفتاء، وهذا الفهم هو الذي تساعد عليه الأدلة، ومؤسّسة المرجعية ـ بوصفها هيكليّة إداريّة ـ هي الملزمة بالتكيّف مع الدليل لا العكس، ولعلّ هذا هو مراد من قال بأنّ البحث في إفتاء المرأة لا في إثبات سائر مناصب المجتهد لها كالمحقق الإصفهاني([۱۱۴]).

لكن لكي تكتمل الصورة الصحيحة لهذا الكلام ليغدو مقنعاً من الضروري إعادة تكوين مفهوم التقليد، وكذلك فكّ العلاقة بين الإفتاء والتدخّل في القضايا الموضوعية، مما صار رائجاً في الفترة الأخيرة، بحيث غدت الكثير من الفتاوى تشخيصاً للموضوعات ـ بلغة الفتوى ـ أكثر من كونها رصداً للمجعولات الشرعية الكلية على الموضوعات الكلّية، كما أن موضوع الأعلمية قد يعيق بشكل بالغ اكتمال الصورة عند بعض، فلا بدّ من تكميل الصورة في أجزاء أخرى لكي يصبح هذا الكلام واضحاً، وهو ما نراه كذلك، وإن لم يكن مجال لبحثه بالتفصيل هنا.

من هنا، يجدر التركيز على أنّ التصوّر النهائي لموضوع من هذا النوع رهين إعادة تكوين مفاهيم على صلة به، وإلا فإذا أصرّ باحثٌ على انحصار مفهوم مرجعية الإفتاء بالمعنى الذي للمرجع اليوم، لاسيما ما له من ولايات في شأن الأخماس والزكوات، بل والسياسات، والقضاء، والنفوذ الاجتماعي المهيمن بشكل بالغ وغيرها، فإنّ المناقشة الأخيرة قد لا تتمّ معه، وتبقى المناقشات الأخرى قائمة.

تلخيص واستنتاج

توصّلنا من خلال رصد المعطيات المتوفّرة إلى أنّه يمكن للمرأة أن تكون مجتهدةً، كما يمكنها تقليد نفسها عند الاجتهاد، بل يجب عليها ذلك تكليفاً ووضعاً، ويمكن للآخرين تقليدها بلا فرقٍ بين الرجال والنساء، نعم، ولايتها وقضاؤها وشهادتها وإمامتها للجماعة أمرٌ آخر، فإذا قلنا بوحدة المرجعية الإفتائية والقيادة السياسية وحكمنا بعدم تولّيها السلطة لم يجز تقليدها، وإلا جاز.

وعليه، فتصدّي المرأة الحاوية لسائر شرائط الإفتاء.. تصدّيها للمرجعية الإفتائية جائز لا محذور فيه، وتقليدها كذلك، على أن لا يلزم منه أيّ محذور شرعيّ آخر، كما هو واضح.
__________________________________________________

[۱] نشر هذا المقال في مجلة الحياة الطيبة في بيروت، العدد ۱۸، لعام ۲۰۰۶م، ثم نشر في الجزء الأوّل من كتاب (دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر) للمؤلّف.

[۲] مرتضى الأنصاري، القضاء والشهادات، ج ۲۲ من سلسلة المصنفات: ۲۲۹٫

[۳] ابن حزم الأندلسي، الإحكام في أصول الأحكام: ۵: ۱۱۳ـ۱۳۰٫

[۴] أبو إسحاق الشيرازي، اللمع في أصول الفقه: ۲۵۴ ـ ۲۵۷٫

[۵] الغزالي، المستصفى ۲: ۵۰۹ ـ ۶۳۱٫

[۶] الأنصاري، فواتح الرحموت ۲: ۵۹۸ ـ ۶۵۹٫

[۷] حسن العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع للسبكي ۲: ۴۲۴ ـ ۴۲۵٫

[۸] ابن قدامة المقدسي، المغني ۱۱: ۳۸۱، دار الفكر.

[۹] ابن الصلاح الشهرزوري، أدب المفتي والمستفتي: ۱۰۶، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، ۱۹۸۶م.

[۱۰] النووي، المجموع شرح المهذب ۱: ۴۱، دار الفكر؛ وله أيضاً: آداب الفتوى والمفتي والمستفتي: ۱۹، دار الفكر، دمشق، والجفّان والجابي، الطبعة الأولى، ۱۹۸۸م، وقد جمع النووي في هذا الكتاب آراء ثلاثة من أعلام السنّة: الصيمري، والخطيب البغدادي، والشهرزوري.

[۱۱] النووي، روضة الطالبين ۸: ۸۷، دار الكتب العلمية، بيروت.

[۱۲] ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين ۱: ۱۱ ـ ۱۴٫

[۱۳] الموسوعة الفقهيّة ۳۲: ۲۶٫

[۱۴] الفتاوى الهندية ۳: ۳۰۹، طبعة دار إحياء التراث العربي.

[۱۵] منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع ۶: ۳۸۰، دار الكتب العلمية، ۱۴۱۸هـ.

[۱۶] علاء الدين الحصفكي، الدر المختار ۵: ۴۹۸، طبعة دار الفكر، ۱۴۱۵هـ.

[۱۷] الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ۳: ۶۲٫

[۱۸] الشريف المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة ۲: ۷۹۲ ـ ۸۰۴؛ والطوسي، العدّة ۲: ۷۲۳ ـ ۷۳۵؛ والمحقق الحلي، معارج الأصول: ۲۷۵ ـ ۲۸۱؛ والعلامة الحلي، تهذيب الوصول إلى علم الأصول: ۲۷۷ ـ ۲۹۹؛ ومبادئ الوصول إلى علم الأصول: ۲۴۰ـ۲۵۰٫

[۱۹] الوحيد البهبهاني، الفوائد الحائرية:۱۳۱ ـ ۱۳۳؛ والرسائل الأصولية، رسالة الاجتهاد والأخبار:۱۵ ـ ۲۲۹؛ وانظر في هذا السياق أبو القاسم بن زين العابدين كريم، كتاب اجتهاد وتقليد (فارسي)، وهو كتاب سطر في القرن الرابع عشر الهجري، كما وانظر كتاب الوافية للفاضل التوني حيث ذكر فيه مباحث الاجتهاد والتقليد، وذكر شروط المقلَّد والمفتي دون أدنى إشارة لشرط الذكورة، راجع: الوافية: ۲۴۳ـ۳۱۷٫

[۲۰] الشيخ حسن، معالم الدين: ۲۳۸ ـ ۲۴۸؛ والبهائي، زبدة الأصول: ۱۵۹ـ ۱۶۸؛ والخراساني، كفاية الأصول: ۵۲۸ ـ ۵۴۸؛ والمشكيني، حواشي الكفاية ۵: ۲۷۱ـ ۳۵۸؛ والعراقي، مقالات الأصول ۲: ۴۹۱ ـ ۵۱۲؛ ونهاية الأفكار ۴، ق۲: ۲۱۵ـ ۲۶۹؛ والإصفهاني، نهاية الدراية ۳: ۴۲۵ ـ ۴۸۷؛ والبروجردي، حاشية الكفاية ۲: ۴۹۵ ـ ۵۰۹؛ والخوئي، مصباح الأصول ۳: ۴۳۴ ـ ۴۶۶؛ وله أيضاً: دراسات في علم الأصول۴: ۴۲۱ـ۴۴۴، بقلم السيد علي الشاهرودي و..

[۲۱] الأنصاري، رسالة في الاجتهاد والتقليد (ضمن كتاب مجموعة رسائل فقهية وأصولية صادرة عن مكتبة المفيد في قم، إيران): ۴۵ـ۹۶، لاسيما ما بعد صفحة ۵۷٫

[۲۲] محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى ۱: ۲۴، طبعة جامعة المدرسين.

[۲۳] المصدر نفسه، حيث لم يسجّلوا تعليقاً على متن العروة؛ ومنهم أيضاً: السيد محمد الشيرازي، الفقه ۱: ۲۱۹؛ والملاحظ أنّ السيد أبا الحسن الإصفهاني ومعه الإمام الخميني لم يذكرا في رسالتهما العملية العربية المعروفة شرط الذكورة فراجع: وسيلة النجاة۱: ۱۱، م۳؛ وتحرير الوسيلة۱: ۳، م۳٫

[۲۴] راجع: موسى الشبيري الزنجاني، رسالة توضيح المسائل ۱: ۴؛ ومحمد إسحاق الفياض، منهاج الصالحين ۱: ۸؛ ومحمد سعيد الحكيم، منهاج الصالحين ۱: ۶؛ وعلي الحسيني السيستاني، منهاج الصالحين ۱: ۱۰؛ وهو رأي جواد التبريزي والفاضل اللنكراني كما في رسالة توضيح المسائل (شش مرجع): ۲۰ـ ۲۱؛ وتنقيح مباني العروة ۱: ۵۸ـ ۵۹؛ ولطف الله الصافي الكلبيكاني، توضيح المسائل: ۴؛ وناصر مكارم الشيرازي، رسالة توضيح المسائل: ۸؛ وهو ظاهر محمد تقي البهجة في رسالة توضيح المسائل: ۷؛ وحسين وحيد الخراساني، توضيح المسائل: ۱۷۳؛ وحسين النوري الهمداني، رسالة توضيح المسائل: ۱۲؛ ومحمد علي كرامي، رسالة توضيح المسائل: ۶؛ وحسين علي منتظري، رسالة توضيح المسائل: ۴؛ نعم، احتاط وجوباً في هذا الشرط عبد الكريم الموسوي الأردبيلي في رسالة توضيح المسائل: ۲؛ وتبنّى الاحتياط أيضاً الفيروزآبادي في عناية الأصول۶: ۲۹۳ـ۲۹۴٫

[۲۵] السيد محمد الطباطبائي، مفاتيح الأصول (حجري): ۶۱۳٫

[۲۶] محمد حسين الإصفهاني، الاجتهاد والتقليد، ضمن كتاب بحوث في الأصول: ۶۸٫

[۲۷] محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى ۱: ۴۳٫

[۲۸] نصّ على الشرطية محسن الحكيم في منهاج الصالحين ۱: ۶٫

[۲۹] رضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۶ ـ ۱۰۷٫

[۳۰] محمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱ ـ ۲۸۳٫

[۳۱] محمد حسين فضل الله، دنيا المرأة: ۱۲۴ـ۱۲۶، لكنه نصّ على الشرطيّة في رسالته العملية: فقه الشريعة ۱: ۱۵٫

[۳۲] محمد الجيلاني، شرطية الذكورة في المُفتي، مجلة فقه أهل البيت، العدد ۵ ـ ۶: ۱۵۱ ـ ۱۶۷٫

[۳۳] يوسف الصانعي، رسالة توضيح المسائل: ۶٫

[۳۴] تقي القمي، مباني منهاج الصالحين ۱: ۳۰٫

[۳۵] شريعتمدار الجزائري، النور المبين: ۱۲۲٫

[۳۶] أصل عمومية الارتكاز العقلائي مما لا يكاد يختلف فيه أحد من الفقهاء.

[۳۷] السبزواري، مهذب الأحكام ۱: ۳۹؛ ومحمد حسن المرتضوي اللنكرودي، الدر النضيد في الاجتهاد والاحتياط والتقليد ۱: ۴۳۲؛ وعلي پناه الاشتهاردي، مدارك العروة ۱: ۱۴۷، ۱۴۸؛ والمرعشي النجفي، القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد ۱: ۴۲۳؛ ومحمد الشيرازي، الفقه ۱: ۲۱۹٫

[۳۸] محمد المجاهد، مفاتيح الأصول: ۶۱۲٫

[۳۹] هاشم الآملي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار۵: ۶۸٫

[۴۰] تفصيل وسائل الشيعة ۱۱: ۲۸۶ ـ ۲۸۷، كتاب الحج، باب كيفية حجّ الصبيان، ح۱٫

[۴۱] رضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۶٫

[۴۲] محمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۴٫

[۴۳] رضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۷٫

[۴۴] انظر على سبيل المثال: المامقاني، مقباس الهداية في علم الدراية ۲: ۵۰؛ ومحمد المجاهد، مفاتيح الأصول (حجري):۳۶۹ و..

[۴۵] محمد حسين الإصفهاني، الاجتهاد والتقليد: ۶۸؛ ومحمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۴٫

[۴۶] الشيخ راضي النجفي التبريزي، تحليل العروة، بحث الاجتهاد والتقليد: ۳۹۶؛ والطباطبائي، مفاتيح الأصول: ۶۱۲؛ والمرتضوي اللنكرودي، الدر النضيد ۱: ۴۳۰؛ وعلي پناه الاشتهاردي، مدارك العروة ۱: ۱۴۴٫

[۴۷] شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱؛ وذكر اللنكرودي في كتاب الرسائل الثلاث: تسالم الكلّ على هذا الشرط: ۱۱۴؛ وانظر: محمد الشيرازي، الفقه ۱: ۲۱۷٫

[۴۸] الإصفهاني، الاجتهاد والتقليد: ۶۸، وانظر الشيخ محمد واصف، از چه شخصى بايد تقليد كنيم؟: ۸۵، طبعة عام ۱۹۶۳م؛ وقد تمسّك بالإجماع كل من: السيد السبزواري، تهذيب الأصول۲: ۱۲۶؛ والميرزا هاشم الآملي على ما جاء في تقرير بحثه الذي كتبه محمد علي إسماعيل بور القمّي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار۵: ۶۷٫

[۴۹] العلامة الحلي، قواعد الأحكام۱: ۵۲۶٫

[۵۰] الشهيد الأول، ذكرى الشيعة۱: ۴۲ـ۴۳٫

[۵۱] المحقق الكركي، رسائل الكركي۱: ۱۶۷ـ۱۷۰٫

[۵۲] محمد الطباطبائي، مفاتيح الأصول: ۶۱۲٫

[۵۳] الشهيد الثاني، الروضة البهية ۳: ۶۸٫

[۵۴] الإصفهاني، الفصول الغروية، حجري: ۴۲۴٫

[۵۵] الشهيد الثاني، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد: ۱۴۱، ۱۵۰ـ۱۵۱، دار المرتضى، ۱۹۹۷م.

[۵۶] الخواجوئي، الرسائل الفقهية، رسالة في شرائط المفتي ۲: ۴۷۴، دار الكتاب الإسلامي، إيران، الطبعة الثانية، ۱۴۱۱هـ.

[۵۷] محمد الطباطبائي، مفاتيح الأصول: ۶۱۲٫

[۵۸] راجع: الإصفهاني، الفصول الغروية، حجري: ۴۲۴٫

[۵۹] الشهيد الثاني، الروضة البهية۲: ۴۱۸٫

[۶۰] محمد حسن نجفي، زن ومرجعيّت، (بالفارسية) مجلة كاوشي نو در فقه، العدد۱: ۵۳، عام ۱۹۹۳م.

[۶۱] وسائل الشيعة ۲۷: ۱۳ـ ۱۴، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب ۱، ح۵٫

[۶۲] راجع: عرفانيان، الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد والاحتياط والقضاء، تقرير درس السيد الخوئي: ۸۵؛ والراضي النجفي، تحليل العروة: ۳۹۵؛ والتنقيح، الاجتهاد والتقليد: ۲۲۴ ـ ۲۲۵؛ ورضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۳؛ وشمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱؛ واللنكرودي، الدر النضيد: ۴۳۰ و..

[۶۳] الخوئي، التنقيح: ۲۲۵، وفقه الشيعة (الاجتهاد والتقليد): ۱۵۳، والرأي السديد: ۸۵؛ والصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۳، ۱۰۶؛ وشمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱ ـ ۲۸۲، ومحمد سعيد الطباطبائي الحكيم، مصباح المنهاج، الاجتهاد والتقليد: ۳۴؛ والفاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة (الاجتهاد والتقليد): ۸۰؛ والآذري القمي، التحقيق في الاجتهاد والتقليد ۲: ۳۶؛ والمرعشي النجفي، القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد، بقلم عادل العلوي ۱: ۴۲۲؛ والشيخ محمد المظفري، إيضاح الحجة ۱: ۶۸؛ والسيد تقي الطباطبائي القمي، مباني منهاج الصالحين ۱: ۳۰؛ وانظر: محمد حسين فضل الله، الندوة ۱۲: ۵۴۷٫

[۶۴] راجع: راضي النجفي التبريزي، تحليل العروة: ۳۹۶؛ واللنكرودي، الدر النضيد ۱: ۴۳۱؛ والميرزا جواد التبريزي، تنقيح مباني العروة، الاجتهاد والتقليد والطهارة ۱: ۵۹، الطبعة الأولى، ۱۴۲۶هـ.

[۶۵] ذكر الاستدلال بمطلق نصوص الذكورة في القضاء السيد المجاهد في مفاتيح الأصول: ۶۱۲؛ وكذلك الاشتهاردي في مدارك العروة ۱: ۱۴۴، ۱۴۸؛ ومحمد الشيرازي في الفقه ۱: ۲۱۷ـ ۲۱۸٫

[۶۶] رضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۳، ۱۰۶٫

[۶۷] الخوئي، الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: ۸۵؛ والتنقيح (الاجتهاد والتقليد): ۲۲۵؛ وفقه الشيعة: ۱۵۳؛ ورضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۳؛ وشمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱؛ والمظفري، إيضاح الحجة ۱: ۶۸؛ ومحمد الجيلاني، شرطية الذكورة في المفتي، مجلة فقه أهل البيت E، العدد ۵ـ۶: ۱۵۹٫

[۶۸] رضا الصدر، الاجتهاد والتقليد: ۱۰۳، ۱۰۶؛ والمظفري، إيضاح الحجة ۱: ۶۸٫

[۶۹] محمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱٫

[۷۰] أقيمت على قاعدة الاشتراك أدلّةٌ عديدة، لفظية وغيرها، لكن قد يكون خلف تمام الأدلّة دليل الإجماع والارتكاز، ذلك أن الروايات التي ذكرت دليلاً هناك مجال للنقاش فيها، أو في بعضها على الأقل، أو النقاش في شمولها للتعميم بلحاظ الذكر والأنثى، إذ ظاهرها التعميم بلحاظ الحضور عصر النبي وبعده، فإنّ هذا هو مهمّ البحث فيها، وكذا التعميم بلحاظ السائل وغيره، فلتراجع المصادر الواردة في القواعد الفقهية مثل: البجنوردي، القواعد الفقهية۲: ۵۳ـ ۷۶، نشر الهادي، قم، والمصطفوي، مائة قاعدة فقهية: ۴۳ـ۴۵٫

[۷۱] راجع مثلاً: السيد نور الدين شريعتمدار الجزائري، النور المبين في شرح التحرير ومنهاج الصالحين، الاجتهاد والتقليد: ۱۱۸ـ۱۱۹٫

[۷۲] جواد التبريزي، تنقيح مباني العروة ۱: ۵۸٫

[۷۳] راجع له: محاضرات في أصول الفقه، بقلم محمد إسحاق الفياض ۵: ۱۳۰ـ۱۳۲٫

[۷۴] الحر العاملي، وسائل الشيعة ۲۷: ۱۳۷، كتاب القضاء، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى: ح۱٫

[۷۵] تمسّك به الفاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة: ۸۱٫

[۷۶] راجع المصادر السابقة حول الحديث عن خبر أبي خديجة.

[۷۷] الخوئي، التنقيح، الاجتهاد والتقليد: ۲۲۶؛ والفاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة: ۸۰؛ والجزائري، النور المبين: ۱۱۹٫

[۷۸] المرعشي النجفي، القول الرشيد ۱: ۴۲۳٫

[۷۹] الخوئي، التنقيح: ۲۲۶؛ وانظر: المظفري، إيضاح الحجة ۱: ۶۸، وحول ابن حنظلة في المصادر الرجالية والدرائية راجع: الشيخ حسن ، منتقى الجمان۱: ۱۹؛ والتفرشي، نقد الرجال۳: ۳۵۳؛ والبروجردي، طرائف المقال۱: ۵۴۴؛ والخوئي، معجم رجال الحديث۱۴: ۳۱ ـ ۳۴ و..

[۸۰] الخوئي، مصباح الأصول ۳: ۴۰۹ـ۴۱۰، حيث ذهب هناك إلى الأخذ بها لتلقي الأصحاب لها، فيما رفض سندها وكذلك عَمَل الأصحاب بها في التنقيح، مباحث الاجتهاد والتقليد: ۱۴۳ـ۱۴۴٫

[۸۱] محمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۱٫

[۸۲] أفردنا هذه الرواية بالذكر، نظر لأخذها ـ منفردةً ـ دليلاً مستقلاً لدى بعض الفقهاء.

[۸۳] الطوسي، اختيار معرفة الرجال للكشي ۱: ۳۹۳، طبع مؤسسة آل البيت^.

[۸۴] محمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۲؛ واللنكرودي، الدر النضيد ۱: ۴۳۴؛ والمرعشي النجفي، القول الرشيد ۱: ۴۲۵٫

[۸۵] شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۲٫

[۸۶] الخوئي، معجم رجال الحديث ۱۰: ۲۱۲ ـ ۲۱۳٫

[۸۷] تقي القمي، مباني منهاج الصالحين ۱: ۳۰٫

[۸۸] شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۲٫

[۸۹] ذكر الاشتهاردي المعاصر لتأييد قوله: أنه لم ترد أي رواية في كون الزهراء I حجّة على الخلق، مع علوّ مقامها، فراجع له: مدارك العروة ۱: ۱۴۶٫

[۹۰] السيد المجاهد الطباطبائي، مفاتيح الأصول: ۶۱۳؛ والسبزواري، مهذب الأحكام ۱: ۴۰؛ والراضي النجفي تحليل العروة: ۳۹۶؛ ومحمد سعيد الطباطبائي الحكيم، مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): ۳۵؛ والمرتضوي اللنكرودي، الدر النضيد ۱: ۴۳۲، ۴۳۴، ۴۳۵؛ وعلي پناه الاشتهاردي، مدارك العروة ۱: ۱۴۵؛ والمرعشي النجفي، القول الرشيد ۱: ۴۲۵ـ۴۲۶؛ ومحمد الشيرازي، الفقه ۱: ۲۱۷ ، ۲۱۸٫

[۹۱] وسائل الشيعة ۲۰: ۱۶۷، مقدمات النكاح، باب ۸۶، ح۲٫

[۹۲] المصدر نفسه: ۲۱۲، باب ۱۱۷، ح۶٫

[۹۳] نهج البلاغة ۴: ۲۳، تحقيق محمد عبده.

[۹۴] الكليني، الكافي ۵: ۳۳۸ و۵۱۷؛ ونهج البلاغة ۳:۵۶؛ والحرّاني، تحف العقول: ۸۶؛ والشريف الرضي، خصائص الأئمة: ۱۱۷؛ ووسائل الشيعة ۲۰: ۶۵، ۱۸۲؛ والنوري، مستدرك الوسائل ۸: ۳۴۸، و ۱۴: ۱۸۳؛ والكراجكي، كنـز الفوائد: ۱۷۷ و..

[۹۵] الكليني، الكافي ۵: ۳۹٫

[۹۶] وسائل الشيعة ۲: ۳۴۴، وانظر المسترشد، ابن جرير الطبري: ۴۱۸ و..

[۹۷] وسائل الشيعة ۲۰: ۶۶، النكاح ومقدماته، باب ۲۴، ح ۴ و۶٫

[۹۸] محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، مصباح المنهاج، مصدر سابق: ۳۵٫

[۹۹] راجع: الخوئي، معجم رجال الحديث ۴: ۱۵۱، و۷: ۲۳۵٫

[۱۰۰] المصدر نفسه ۱۳: ۸۲٫

[۱۰۱] انظر: رجال النجاشي: ۱۲۸، ۲۸۷؛ والعلامة الحلي، خلاصة الأقوال: ۹۴؛ ۳۷۸؛ والخوئي، معجم رجال الحديث ۱۴: ۱۱۶ ـ ۱۱۷ و..

[۱۰۲] انظر أكثر هذه الروايات في وسائل الشيعة ۲۰: ۱۶۷-۱۸۳؛ وانظر ما جاء بمضمون بعضها في فيض القدير للمناوي ۴: ۳۴۷، وإن ذكر أنّ خبر شاوروهن وخالفوهنّ مشهور لا أصل له، وكشف الخفاء للعجلوني ۲: ۳، ۳۷؛ وتهذيب الكمال للمزي ۶: ۴۵؛ ومسند أحمد بن حنبل ۲: ۶۶؛ وصحيح مسلم ۱: ۶۱؛ وسنن ابن ماجة ۲: ۱۳۲۷؛ وسنن أبي داوود ۲: ۴۰۸؛ والسنن الكبرى للبيهقي ۱۰: ۱۴۸، ۱۵۱؛ وكنـز العمّال للهندي ۱۶: ۳۸۶؛ وتفسير ابن كثير ۱: ۳۴۳؛ والروايات في المصادر السنية حالها سنداً ودلالةً حال الروايات الشيعية، بل في كثير منها حصر نقص العقل بمسألة الشهادة في القضاء، وهو ما يفتح المجال أكثر للجدل بما لا نطيل فيه فعلاً، والملحوظ أن كثرة المصادر السنية لا تدل على كثرة الأسانيد، بل أكثرها ينقل عن بعضه.

[۱۰۳] أمّا الخراساني فراجع: الخوئي، معجم رجال الحديث ۲۳: ۶۴، وأمّا الشيباني، فراجع: رجال النجاشي: ۳۹۶؛ والعلامة الحلي، خلاصة الأقوال: ۴۰۳؛ والبروجردي، طرائف المقال ۱: ۱۴۰ و..

[۱۰۴] تفصيل وسائل الشيعة ۲۰: ۱۷۹، مقدمات النكاح، باب ۹۴، ح۱، وهناك روايات أخرى بمضمونها بعضها ضعيف السند بالإرسال كخبر الحسين بن المختار، وكذا خبر المطلب بن زياد، وخبر عمرو بن عثمان.

[۱۰۵] الحرّ العاملي، تفصيل وسائل الشيعة ۲۰: ۱۶۷٫

[۱۰۶] الخوئي، الرأي السديد: ۸۵؛ التنقيح: ۲۲۶؛ وفقه الشيعة: ۱۵۳ـ ۱۵۴؛ وانظر: محمد الطباطبائي، مفاتيح الأصول: ۶۱۲ـ۶۱۳؛ وهاشم الآملي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار۵: ۶۸؛ واللنكرودي، الدر النضيد ۱: ۴۳۲ ـ۴۳۳؛ والاشتهاردي، مدارك العروة ۱: ۱۴۴؛ واللنكراني، تفصيل الشريعة: ۸۱؛ والمرعشي النجفي، القول الرشيد ۱: ۴۲۳ـ۴۲۴، ۴۲۶ـ۴۲۷؛ والمظفري، إيضاح الحجة ۱: ۶۸ـ۶۹؛ والميرزا جواد التبريزي، تنقيح مباني العروة ۱: ۵۹٫

[۱۰۷] محمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۳٫

[۱۰۸] الخوئي، صراط النجاة۱: ۳۲۰ـ۳۲۱، س۸۷۰؛ وله أيضاً: منهاج الصالحين۲: ۲۶۰، م۱۲۳۴٫

[۱۰۹] محمد الجيلاني، شرطية الذكورة في المُفتي، مجلة فقه أهل البيت^، عدد ۵ ـ ۶: ۱۶۶؛ ومحمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والتقليد: ۲۸۳؛ وتقي القمي، مباني منهاج الصالحين ۱: ۳۰؛ ومحمد حسين فضل الله، دنيا المرأة: ۱۲۵؛ والجزائري، النور المبين: ۱۱۹ـ۱۲۰٫

[۱۱۰] محمد الجيلاني، شرطية الذكورة في المُفتي، مجلة فقه أهل البيت^، عدد ۵ ـ ۶: ۱۶۶؛ وراجع: محمد حسين فضل الله، دنيا المرأة: ۱۲۶؛ وقد اعتبر الجزائري في النور المبين: ۱۲۰، أن الخصوصية تكمن في رؤية الرجل المأموم المرأة حال ركوعها وسجودها من خلفها، وفيه محذور، وهو جيد لولا أنه يمكن رفعه بالساتر الذي حكموا بجوازه في الجماعة بين الرجال والنساء، ولعلّه يمكن الدفاع عنه.

[۱۱۱] الفاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة: ۸۱؛ وقد ذكر الجزائري في النور المبين: ۱۲۰ الإشكال دون ذكر ردّه، الظاهر في تبنّيه له.

[۱۱۲] الميرزا هاشم الآملي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار۵: ۶۷، ۶۹؛ ومحمد الشيرازي، الفقه ۱: ۲۱۸٫

[۱۱۳] أشار إلى دليل السيرة إشارة إجمالية موجزة السيد محمد الشيرازي في كتاب الفقه ۱: ۲۱۸؛ والسيد عبد الأعلى السبزواري، مهذب الأحكام ۱: ۳۹٫

[۱۱۴] الإصفهاني، الاجتهاد والتقليد: ۶۸؛ وتجد تصوّرا معاكساً تماماً لتصوّر الإصفهاني يرى الإفتاء ولاية عامة وتصرّفاً في الأمّة عند هاشم الآملي في كتابه: مجمع الأفكار ومطرح الأنظار۵: ۶۹٫

الكاتب: حيدر حب الله