قوافل قريش

المستشرقون وشبهة أنّ تعرض النبي(ص) لقوافل قريش كان لغرض السيطرة وجمع المال

الشبهة :

كان تعرّض النبي ( صلى الله عليه وآله ) للقوافل التجارية لأهل مكّة ، هو السيطرة على مصادر الأموال ، لغرض إشباع شهواته وأغراضه الشخصية .

رَدّ الشبهة :

كان الهدف الأساس من تعرّض النبي ( صلى الله عليه وآله ) للقوافل التجارية هو إعلام أهل مكّة ، بأنّ الخطوط الرئيسية للتجارة ( الطائف – الشام ) ، التي كان يعتمد عليها المكِّيُّون ، ويعتبرونها شريان الحياة ، هي بيد المسلمين ، يتصرّفون بها كيف ومتى شاءوا .

لأنّهم كانوا يعلمون بأنّ البضائع التجارية التي كانت ينقلها أهل مكّة إلى الطائف والشام تشكّل العمود الفقري لمعيشتهم ، وهذا الاقتصاد القوي – بالطبع – يقف حائلاً دون انتشار الإسلام .

فوقع بعض المستشرقين في أخطاء عند تحليلهم للأوضاع التي كانت تعيشها مكّة آنذاك ، وقاموا بتفسير الحوادث التاريخية بشكل يتناقض مع التاريخ ، وادَّعوا بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يسيطر على تلك القوافل التجارية لزيادة قوّته وسلطانه .

وهذه النظرية التي يقول بها المستشرقون باطلة ، ولا تنسجم مع ميول أهل يثرب ، لأنّهم كانوا أكثر تمدّناً من أهل مكّة ، الذين كانوا يعتمدون في تسيير أمورهم على الغارات والسلب والنهب ، وعلى العكس من هذا حيث كان أهل يثرب يعتمدون في حياتهم على الزراعة في تسيير أمورهم المعاشية .

أما بالنسبة لما حدث من حرب بين الأوس والخزرج في يثرب ، فكانت أسبابها محلِّية ، أوقد نارها اليهود ، المعروفون في كل مكان بإثارة الفتن بين القبائل ، لكي يكون هم أصحاب السلطة والنفوذ على الدوام .

كما أنّ المهاجرين الذين أرسلهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) كانوا بعيدين عنه ، وكان بإمكانهم الانتقام ، لأنّهم عندما هاجروا من مكّة إلى المدينة تركوا أموالهم ، فصودِرَت ، ولكنّهم لم يفكّروا يوماً بإعادتها .

بدليل أنّ المجاميع التي كان يرسلها المسلمون إلى مكّة كانت قليلة ، تتراوح بين ثمانية أو ستين أو ثمانين شخصاً ، لم يكن هدفها الإغارة على القوافل التجارية ، بل كان الهدف هو جمع المعلومات في الوقت الذي كان فيه عدد من حرّاس القوافل المكّية أكبر بكثير من ذلك .

وإذا كان الهدف الرئيس للرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأنصاره هو جمع الأموال – كما يدًّعون – فلماذا كانوا يتعرّضون لقوافل قريش فقط ، ولا يتعرّضون لغيرها ؟ ولماذا لم نجد أحداً من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) يتعرّض لأموال الناس ؟

وإذا كان الهدف هو الإغارة على القوافل التجارية ، فلماذا لم يرسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذه المهمَّات إلاّ المهاجرين ، ولم يطلب من الأنصار أي مساعدة في هذا المجال ؟

يدَّعي البعض أحياناً : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه كانوا يبغون من عملهم هذا الانتقام ، لأنّهم كانوا يتذكّرون التعذيب والمُعاناة التي جرت لهم على أيدي أهل مكّة ، فيستلُّون سيوفهم ، ويُريقون الدماء من أجل ذلك ، وهذا الادِّعاء ضعيف ، تكذّبه الشواهد التاريخية الحيَّة التي نقدِّمها للقارئ في النقاط التالية :

أوّلاً : لو كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يريد من المجموعات التي كان يرسلها للتعرّض للقوافل ، والحصول على الغنائم ، ففي الحالة هذه كان يجب على النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يرسل جيوشاً كبيرة وكثيرة العدد ، مجهزة ومستعدَّة .

في الوقت الذي أرسل حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين نفراً ، وعبيدة بن الحارث في ستين نفراً ، وسعد بن أبي وقَّاص في عدد قليل ، بينما كان حرَّاس قوافل أهل مكّة أكثر من هذا العدد بضعة مرّات .

وكان أهل مكّة عندما يسمعون بالتحالفات التي يعقدها المسلمون مع القبائل الأخرى ، يضاعفون من أعداد جيوشهم ، ويأمروهم بالحيطة والحذر ، ومع كل ذلك لم تسقط بين الطرفين قطرة دم ، وفي بعض الحالات كان تُحقن بواسطة تدخُّل مجدي بن عمرو .

ثانياً : إنّ الرسالة التي سلَّمها النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعبد الله بن جحش شاهدٌ حَي على أنّ التعرّض للقوافل لم يكن هدفه الحرب .

والعبارة الآتية التي وردت في الرسالة التي سلَّمها النبي ( صلى الله عليه وآله ) له ، خير شاهد على ما نقول : ( أمْضِ حَتَّى تنزل نخلة ـ اسم مكان ـ بَين مكّة والطائف ، فَتَرصُد بها قريشاً ، وتعلم لَنا مِن أخبارهم ) .

أما عن قضية مقتل عمرو الخضرمي ، فكان بسبب القرارات التي اتَّخذها مجلس الحرب ، الذي شكَّله أهل مكّة ، علماً أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما كان يسمع بأخبار القتل ونزيف الدم كان يقول : ( مَا كُنتُ أمَرْتُ أحداً بالقِتال ) .

فالمجاميع التي كان يرسلها النبي ( صلى الله عليه وآله ) – صغيرة أم كبيرة – كان هدفها واحد ، ولا يمكن لأحد أنّ يقول : بأنّ الثلاثين نفر كانوا مع حمزة بن عبد المطلب أُرسِلوا للقتال ، والثمانين نفر الذين كانوا مع عبد الله بن جحش أُرسِلوا لجمع المعلومات عن القوافل .

وفي بعض الحالات كان العدد المرسل أضعاف هذا العدد ، وهذا ما دفع ببعض المستشرقين إلى القول : بأنّ هذه المجموعات الكبيرة كانت قد أُرسِلت للحرب ، وكان أغلبها من المهاجرين .

والسبب في ذلك يعود إلى أنّ الرسول ( صلى الله عليه آله ) لم يكن يرسل أحداً من الأنصار ، لأنّهم بايعوه في العقبة ( مكّة ) ، وعاهدوه في حالة هجوم العدو يحق لهم الدفاع عن أنفسهم .

لذلك لم يحملهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أيَّ مهمَّات ، وحتّى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) نفسه بقي في المدينة المنورة ، إلاَّ أنّه بعد ذلك خرج منها في مهمَّات قتالية مع الأنصار والمهاجرين ، بهدف رصِّ الصفوف ، والمحافظة على الوحدة فيما بينهما ، وهذا ما حصل في سريَّة البواط ، وذات العشيرة .

الآن اتَّضح لنا الادعاء الباطل لبعض المستشرقين ، حول المجاميع التي كان يرسلها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ويبقى دليلنا الأوّل هو غزوة بدر ، التي لم يدخلها النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ بعد موافقة الأنصار .

ولذلك أطلق المؤرّخون الإسلاميون على المعارك التي قام بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) اسم ( غزوات ) ، لكي لا ينصرف المعنى إلى ( الحرب ) ، أو ( الغارة ) ، ويبقى الهدف منها واحد ، هو : نشر الإسلام .