المسمار الأخير في تابوت الفكر المتخشب

قبل سنوات قرئت قصة لسياسي غربي يرويها بنفسه, حيث كان الرجل مبهوراً بالشيوعية, فما كان منه,

وعلى عادة نظرائه, إلاّ أن يمّم وجهه شطر (كعبتهم) موسكو, ليزداد يقيناً عندما يرى بأم عينه (منجزات) ذلك الفكر وعلى الطبيعة, ويرى (النعيم) الذي يتقلب فيه شعب الإتحاد السوفياتي السابقة.
وبالفعل تم ترتيب الزيارة, وكان في إستقبال (الحجاج), ثلة من الرفاق الشيوعيين. يكمل الرجل حديثه بالقول, كنت أرى بنايات ومدارس ومستشفيات, ولكن توضح لي أن تلك البنايات والمؤسسات التي نتوجه لها تقع ضمن قائمة معدة مسبقاً, وأن حقيقة الشعب السوفياتي تختفي هناك خلف تلك الأسوار التي حوصرنا بداخلها ضمن برنامج الزيارة. فما كان منه إلاّ أن تملص من مراقبة المشرفين على تلك الزيارة, وأنطلق يجوب الشوارع والمناطق القريبة, والتي لاتبعد كثيراً عن الفندق الفخم الذي نزلت به مجموعة الحجاج. وعلى قول عادل إمام, وعينك ماتشوف إلاّ النور, لقد رأيت شعباً بائساً, ونظاماً يتآكل من المحسوبية, وكوارث حقيقية, وعلى النقيض تماماً من الصورة المزيفة التي أراد الرفاق حشرها بأذهان الحجاج عن النعيم والجنة الموعودة لقلعة الشيوعية المنقرضة.
هذه القصة البسيطة, وغيرها الكثير حول ماجرى في بلدان حكمها الشيوعيون, تعطي صورة عن الأسباب التي عجلت بتهاوي تلك الأنظمة أمام إرادة الشعوب بالتحرر والإنعتاق من فكر أثبت عقمه ومعاكسته للفطرة الإنسانية السليمة, حين يحاول أن يجعل من الإنسان مثل عتلة صماء في آلة تدور يدعونها الدولة الشيوعية, والتي ينعدم فيها الحس والرغبة الإنسانية المتاصلة للإبداع والتميز. وجاءت البروسترويكا الغورباتشوفية, لتحرر شعوب ذاقت ضنك العيش في رومانيا وهنغاريا وبلغاريا وبولونيا ودول البلطيق
وتشيكوسلوفاكيا وبقية الدول الأخرى, بعد تفكك هبل العظيم (الإتحاد السوفياتي), وسقطت تلك الأصنام مثل قطع الدومينو في أيام معدودة!!.
ولكن هناك نقطة مهمة يجب الإشادة بها, فأغلب تلك الأحزاب الشيوعية قبلت بالحقيقة وتكيفت مع الواقع الجديد, فلقد غيرت مناهجها وحتى أسمائها, ولم تتكلس في طريق الحرية وإنطلاق الإنسان نحو التميز والإبداع والتحرر. وتشكلت من بقايا تلك الأحزاب الشيوعية أحزاب جديدة ديمقراطية, وأذعنت لشعوبها وحركة التاريخ.
ولكننا وكعراقيين, يبدو أن مصيبتنا مركبة, فلا أحد يرضى بمواجهة حقيقته إن كانت غير مرضية, وبدلاً من معالجة أسباب النتيجة غير المرضية, يقوم العراقي بالخبط يمنة ويسره, وأكثر من يتلقى خبطاته هم الناجحون من أقرانه.
الفكر الشيوعي ولد ومات ونزل المتاحف في غضون عقود تعتبر قليلة في حسابات التاريخ, وأثبت فشله في دول عديدة حكم فيها, فهل العراق يتحمل إستمرار التجارب الفاشلة؟! ولماذا لايتعض البعض من تجارب عملية, ويرحمنا ونفسه من صداع فلسفة بائدة؟!
ويبدو أن الإدعاء برعونة أمريكا نكتة سمجة, فالمخطط الأمريكي عندما شكل مجلس الحكم, وضع من الرفاق الشيوعيين عضو واحد, وأثبتت الإنتخابات الأخيرة أنه أكرمهم بوزن يفوق حجمهم الشعبي الحقيقي, وليس على صفحات الإنترنت ومواقع الرفاق الشيوعيين, فلقد كانت قضية (المقعدين) كافية لإعادة نظر شاملة بكل شئ.
أتمنى أن أرى ومعي كل العراقيين تحولاً في خطاب الشيوعيين بما يخدم العراق, وبما يحترم إرادة هذا الشعب العريق, وبما يعمق الديمقراطية الحقيقية بالنقد البناء الهادف, وليس التشهير بثوابت إجتماعية وأخلاقية, وليس بالإفتراء على جهات أثبتت أصوات الناس وجودها الفعلي على أرض العراق.
فأهزوجة (ماكو مهر بس هالشهر) سيئة الذكر, من سنخ التهجم على عراقيات, لا لشئ سوى أنهن محجبات!!! فلو إبتعدنا عن نقاش مسئلة الحجاب مع الرفيق (الفقيه), حين يقول أنه كان من مخلفات التمييز الطبقي الجاهلي (ويقصد أن الحجاب كان مختصاً بالحرائر تمييزاً لهن عن الإماء!!!)
فهل من حرية الأفراد, ومنهن النساء (وليس النسوان), أن نتهكم على طريقة لبسهن, وحريتهن الشخصية؟! والجزم دون دليل, بل بما يخالف التاريخ والشواهد, بأن المرأة الناجحة في البرلمان هي التي تخلع حجابها فقط.
أليس من أسباب نجاح الفكر هو قربه لنواميس وثقافة المجتمع وأخلاقياته؟ فهل التحدث عن ماتلبسه المرأة تحت حجابها من أخلاقنا العراقية الأصيلة؟!
حقيقة أثار إستغرابي وضحكي, تهديد عراقي لعراقيات, بأنه سيكشف قوائم مشترياتها من المصوغات الذهبية!!! فما أعظم مصادرك التي تتجسس على ماتشتري النساء, وأنا أطالبك, لإكتمال المتعة حول تلك المؤامرة الخطيرة بكشف قسائم البيع والشراء لنساء عراقيات.
يبدو أن البعض يتصور أن الشعب العراقي, شعب مثقوب الذاكرة, حين يربط بين طلاقة اللسان, وقوة الحجة مع رمي الحجاب, ونسي هو, لانحن, فاطمة عليها السلام, وهي تجادل أبا بكر حول حقوقها وحقوق إبن عمها المغصوبة, ليس وهي محجبة فقط بل وضربت بينها وبينه المجلس ستراً, ونسي هو, لا نحن, كيف صدحت زينب عليها السلام بلسان أقرب للسان أبيها سيد البلغاء, وهي ثكلى متعبة مجهدة, حتى أخرست بحجتها يزيداً وجمعه.
أما موضوع لبس الرجال فوضعته أخيراً, وعجبي من عجبه, حول تنوع ملابس الرجال في العراق!!! أليس البرلمان بودقة تجتمع فيها شرائح مجتمعنا بما تلبس وتعتقد وتؤمن؟! أم أن عليهم المساكين أن يلبسوا الزي الموحد, والذي لانعرفه للآن, ونريد تحديده لنا؟! ولكن ليس من موديل بدلة ستالين وماو, التي كفر بها أهلها.
أم أن العمامة والعقال والكوفية وعباءة آباؤنا الكرام, تمنع طلاقة اللسان هي الأخرى؟!
خلاصة القول, أن البعض لم, ولن يتعلم من دروس التاريخ, فمن التحالف مع البعثيين العرب القوميين, إلى التحالف مع القوميين الأكراد, ومعها طبعاً الإمبريالية الأمريكية!!! وعاش الفكر الأممي الإشتراكي.

الكاتب: علي الخفاجي