المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة

۱ ـ ثمّة إشكالية أساسية طرحها غير واحد من المفكّرين الإسلاميين، وأعتقد أنّ الدكتور أبو القاسم حاج حمد كانت له مساهمة جيدة في ذلك من خلال بعض الدراسات التي نشرت له في نهاية السبعينيات من القرن الماضي..، وتناول فيها إشكالية العلاقة بين الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.
فالدولة الإسلامية مفهوم، ظاهرة، كلمة…، ما شئت فعبّر…، تقرأ مرةً لوحدها، وأخرى يتمّ النظر إليها ضمن الحقل الذي نضعها فيه…، وأريد هنا أن أستعير البناءات الأساسية التي طرحها المفكر الياباني (توشيهيكو إيزوتسو) في كتابه «الله والإنسان في القرآن الكريم»..، فهو يقول بأنّ كل كلمة في القرآن الكريم لها معنى أوّلي، يسمّيه المعنى الأساسي، وأننا إذا ألقينا هذه الكلمة في حقل معرفي آخر سيصبح لها معنى جديد، يسمّيه هو بالمعنى العلائقيّ، ويقدّم إيزوتسو لذلك أمثلة كثيرة في دراسة مستفيضة ومهمة، فكلمة «ساعة» في اللغة العربية لها معنى أوّلي معروف لا يزال موجوداً حتى الآن، وهي تعني المدّة القليلة من الوقت، لكنّك حينما ألقيتها في القرآن الكريم ضمن إطار معرفي جديد اتّخذت معنى آخر، فهي تأتي مرةً بمعنى نهاية العالم، وأخرى بمعنى موعد لقاء الله، وثالثة تنصرف إلى العقاب، وهكذا، وهذا يعني أنّها اكتست ثوباً جديداً نتيجة وضعها ضمن نظام علاقات مع مفاهيم جديدة.
مفهوم الدولة الإسلاميّة يمكن النظر إليه بهذه الطريقة، فمرّةً ننظر إلى الدولة الإسلاميّة بوصفها نظاماً ومؤسسات، ثم نفصلها عن المناخ المعرفي وعن الحقل الذي تعيش فيه..، فهنا يمكن أن تتحول إلى معنى يفصح عن مؤسسات معيّنة أو عن دساتير أو نظم أو ما شابه ذلك، لكن المفترض لدراستها وضعها ضمن سياقها الطبيعيّ، وهو المجتمع؛ لأنّ العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تواشج وطيدة لا يمكن بترها بحال من الأحوال.
ثمّة أطروحتان تساهمان في تكوين وعينا لمفهوم الدولة الإسلاميّة، هما:
أ ـ الأطروحة التي تذهب إلى أنّ قيام الدولة الإسلامية يسبق أسلمة المجتمع، أو لا أقلّ لا يستدعي أن يسبقه إسلام المجتمع، فنحن نقوم ـ بدايةً ـ بأسلمة الدولة، ثم بعد ذلك أسلمة المجتمع…، ولعلّ من هذا الباب ما ينقل عن بعض العلماء الكبار من أنّه كان يؤجِّل المشاريع الدينيّة الصغيرة إلى ما بعد تأسيس الدولة، وهذا ما يعطي إضاءة بأنّ الدولة هي مفتاح أسلمة كلّ المرافق الأخرى في الحياة الاجتماعيّة.
ب ـ الأطروحة التي ترى أنّ الدولة إفراز تلقائيّ وتعبير طبيعيّ عن حال المجتمع ووضعه، أشبه بالحديث الذي يقول: «كما تكونوا يُولّى عليكم» (كنز العمال ۶: ۸۹)، وهذا يعني أنّه يجب علينا خلق مناخ اجتماعيّ طبيعيّ لكي تولد الدولة الإسلاميّة السليمة فيه، وكلّما كان المجتمع إسلاميّاً كانت الدولة إسلاميّة، أمّا إذا افتقد المجتمع إسلاميّته فسوف تفقد الدولة قدرة الوصول إلى المبتغى الذي يرجى من وراء إقامتها.
لقد كان لهذه الفكرة وجود في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لكنها الآن بدأت تنمو أكثر فأكثر وتعود إلى الواجهة من جديد، وهذا ما دفع د. حاج حمد إلى أن يقول: نحن مع علمانيّة الدولة وضدّ علمانية المجتمع؛ لأننا بهذه الطريقة نستطيع أن نحمي المجتمع من الاستبداد الدينيّ، وفي الوقت نفسه ننأى به عن الإلحاد، أو الخروج عن جادّة الدين، وعن القيم الدينية الرفيعة. إن عدم علمانية المجتمع ستؤمِّن تلقائياً دولةً إسلاميّة في وضع طبيعيّ غير استثنائيّ.
لا نتحدّث هنا عن شرعيّة الدولة وعدم شرعيتها فهذا موضوع آخر، وإنّما عن رؤية وقائعيّة ميدانية تنطلق من زاوية اجتماعيّة ومقصديّة تنظر في آليّات إحلال القيم الدينيّة في الحياة في عصرنا الراهن، هل الدولة مدخل لذلك أم أنّها نتيجة؟ هل هي مدخل ونتيجة معاً؟ وكيف؟

۲ ـ ولو تجاوزنا قليلاً هذا الموضوع الإشكاليّ سنجد أنفسنا أمام موضوع وثيق الصلة به وأشدّ إشكالاً منه، فعندما يقوم مشروع الدولة الإسلاميّة في ظلّ مناخ إسلاميّ عامّ يسمح بقيامه، ثمّ تتتالى تطوّرات الحياة وتحصل التحوّلات في المجتمع نفسه على الصعد الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى ليغدو مجتمع مرحلة الانطلاق مغايراً لمجتمع مرحلة البقاء..، وعندما يجرّب المجتمع الحياة الإسلاميّة، ويرى نقاط قوّتها وضعفها، وتتلاشى الصور المثاليّة المجافية للواقع لصالح الصور الواقعيّة الملموسة..، وعندما يتمّ اختبار المقدّس..، عند ذلك كلّه يولد المجتمع الجديد، فإذا كانت الدولة سابقةً على المجتمع فهذا معناه حصول القطيعة بينها وبينه، أو ظهور حالة الفرض والضغط والقمع وممارسة القوّة، أمّا إذا كانت نتيجةً له فهذا معناه أنّه يفترض أن تواكب ما يحدث بطريقة أو بأخرى، لكي تكون مستجيباً طبيعيّاً لحال المجتمع، تأميناً للديمومة والاستمرار؛ إذ لو لم تحصل هذه المواكبة فسيقع التصادم، وسينتقض الغرض من وجودها.

۳ ـ القضيّة الأخرى التي قد نلحظها مرتقبة في سياق الخلاف بين الأطروحتين المتقدّمتين هي أنّ الدولة نفسها قد تغدو مقدّساً في الأطروحة الأولى، وهذا ما قد يعطيها أصالةً تلغي أو تفوق أصالة المجتمع بوصفه مجتمعاً مسلماً..، وعندما تأخذ الدولة بُعداً دينياً مقدّساً بهذه الطريقة تتضخَّم على حساب المجتمع، فيظلّ المجتمع في وضع أضعف من وضعها، ومن الطبيعي أن تتولّد عن ذلك إفرازات تلقائيّة، تماماً كما في أيّ مكان تصبح الدولة فيه أقوى من مجتمعها، فكيف إذا كانت فكرة البعض أن لا قيمة للمجتمع على مستوى تقرير المصير؟!

۴ ـ الملف الآخر الذي خلق تحدّيات أمام تجربة المشروع الإسلاميّ هو العلاقة بين النظر والعمل، الفكر والواقع، النظرية والتطبيق، فقد ولدت التجربة ودخلنا في مرحلة العمل، ثم بعد أن دخلنا في مرحلة العمل بدأت تتكوّن النظرية..، وهذا شيء له سلبيّاته وله إيجابيّاته؛ فنحن ـ مثلاً ـ وإلى أوائل الثمانينيات لا نجد دراسات دينيّة ـ ولا فقهيّة ـ جادّة تنظّر لمفهوم الدولة، وتقدّم فقهاً سياسياً وحكومياً، باستثناء دراسات محدودة جداً وكراريس صغيرة للسيد الشهيد الصدر والشهيد المطهري، وبعض الأطر العامة التي طُرِحت من قبل الإمام الخمينيّ أو العلاّمة فضل الله أو العلاّمة الطباطبائيّ وأمثالهم.
لقد كان الحال على الوضع التاريخيّ للشيعة؛ لأنّ إرثهم التاريخي ـ أقصد الإمامية دون الزيديّة والإسماعيليّة ـ كان يفرض العزلة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر؛ لاعتقادهم بأنه لا داعي للدخول في شأن السلطة أثناء غيبته، فاختاروا العزلة وليس المعارضة؛ لأنّ المعارضة تعدّ شكلاً من أشكال المشاركة في الحياة السياسية، ويمكن أن نجدها ـ أي المعارضة ـ مع الزيديّة والإسماعيليّة، وقليلاً ما نجدها مع الإماميّة؛ لأنّهم اختاروا العزلة، إلى أن جاءت الحركة الدستوريّة (المشروطة والمستبدّة) مطلع القرن العشرين، وهو التاريخ الذي يمكن أن نقول معه: إنّ الإمامية بدأوا رحلة العلاقة مع السلطة، سلباً في المعارضة أو إيجاباً في الحكم.
هذا الوضع كان مهيمناً على أغلب عناصر منظومة المذهب الإماميّ الفكريّة والثقافيّة في المجال السياسيّ، عكس المنظومة السياسية السنيّة، وأؤكد بشاهد على ذلك ومثال، ألا وهو تجربة الماوردي في القرن الخامس الهجريّ، وهي تجربة فقيه سنّي وضع صيغاً هائلة لأنظمة السلطة وللعلاقة بين الولاة والسلطان والدواوين والقضاة والمحاسبات والضرائب وغيرها…، بينما قد لا نكاد نجد إلى القرن الرابع عشر الهجريّ كتاباً شيعيّاً إماميّاً يشبه كتاب الماوردي..، لقد بدأنا نجد بعض الإسهامات على هذا المستوى بعد خوض التجربة، وبمعنى آخر نحن لا نملك فقه معارضة، ولا فقه سلطة، ولا نملك تنظيراً لشكل النظام السياسيّ، ولا حتى نقلاً للفقه من مرحلة الرسالة العمليّة إلى مرحلة جعله قوانين كما فعلت الدولة العثمانية في المجلة العدليّة؛ لأنّ الفقه الحنفيّ كان مهيّئاً أكثر من الفقه الإماميّ في هذا المضمار.
لقد دخلنا التجربة، وتحت ضغط الواقع بدأنا بإنتاج النظريّة، وهذا ما منحنا مُنْجَزات ضخمة، فالجميع يعلم بأن الفكر السياسيّ الإماميّ تطوّر منذ المشروطة والمستبدّة إلى اليوم بأضعاف مضاعفة على ما قدّمه في مجموع القرون السابقة، كانت التجربة فريدة من نوعها، وقدّمت أفكاراً كثيرة بفترة قياسية نسبةً للواقع الإسلاميّ العامّ، لكنّ سَبْقَ الواقع للنظريّة، وولادة النظرية تحت ضغطه بهذه الطريقة، سبّب لنا مشاكل كثيرة من ناحية أخرى؛ فصحيح أنّنا ربما نكون واقعيّين عندما أنتجنا النظريّة، ولكنّنا أنتجنا النظريّة تحت ضغط الواقع، وليس في حالة من الارتياح الطبيعيّ الذي نُنتج من خلاله النظريّات المصيريّة على هذا المستوى، يجب أن تولد النظريّات ضمن مناخ الواقع، لكنّ المطلوب منها أن تخلق واقعاً جديداً، فالعلاقة هنا جدليّة بامتياز.
هذا بالضبط ما حصل…، خضنا التجربة، وبدأ ضغط الواقع، ونتيجة ضغط معيّن للواقع هنا وهناك اتخذنا موقفاً يتناسب مع شدّة هذا الضغط أو ضعفه، ولست أتحدّث هنا عن مواقف سياسيّة، إنّما أتكلّم عن نظريّات في السياسة والاجتماع والقانون؛ ففي بعض البلدان الإسلاميّة التي تسير على الفقه الإسلاميّ يؤخذ القانون البلجيكيّ والقانون الفرنسيّ، وهذه القوانين يُعمل بها بطريقة استنسابيّة، حيث يتمّ شطب بعضها وأسلمة بعضها الآخر.
لا يعني ذلك أنه لا ينبغي الاستفادة من قوانين الغرب، لكنّ هذا يدلّ على أنه لم تتولّد رؤية قانونيّة خاصّة نابعة من خصوصيّتنا الدينيّة والحضاريّة.
بكل قاطعيّة يمكن القول بأنّ الكثير من الأحكام الفقهيّة النابعة من النصوص مجمّدة، وذلك لصالح مرجعيّة المصلحة، وهذا ما يفتح بالتأكيد على سجال طويل، يمتدّ في العمق المذهبيّ والتاريخيّ للمذهب الإماميّ في الخلاف بين مدرستي: النص؛ والمصلحة، في القرن الهجري الأوّل، وهذا يؤكّد أن قانون ضغط الواقع هو القانون الذي تؤسَّس في ضوئه التشريعات، ويصوَّت لها أو عليها في البرلمان أو في أيّ مجلس قانونيّ ومؤسّسة دستوريّة ذات طابع مرجعيّ، إنّ هذه القضية تعطينا مؤشِّراً على أن ضغوط الواقع هي التي كانت تولّد القوانين والتشريعات والنظم والنظريّات أيضاً.

۵ ـ النقطة الأخيرة التي أودّ الإشارة إليها هي إشكاليّة نقض الغرض على المستوى الدينيّ والإيمانيّ، يجب علينا أن ندرس بجدّيّة وبمسؤوليّة ـ ولا نزجّ رؤوسنا في التراب ـ مدى صحّة ما يقال من أن ممارسة السلطة الدينية قد يفضي إلى إضعاف جذوة الإيمان في العصر الحاضر، نحن هنا لا نتكلّم عن أصل النظريّة، وإنّما عن ممارستها الزمنيّة اليوم، إنّ بعض الإخفاقات ربما تسبّبت ـ على حدّ ما تشير إليه بعض الإحصاءات في بعض التجارب الإسلاميّة ـ في تراجع نسبة التديّن، ووقوع الانفصال ما بين الشارع والقيم الدينيّة التي يراد تعميمها على جميع مرافق المجتمع.
ثَمّة قلق علينا أن لا نستهين به، وأن نفكّر جميعاً في معالجته بما يحفظ القيم الدينية على مستوى الدولة والمجتمع معاً…، ثمّة قلق من أن تتمتّع بعض الدول العلمانية المسلمة بنسبة تديّن (فرديّ في الحدّ الأدنى) يفوق مثيلتها في دولة يحكمها مفهوم تطبيق الشريعة..، إذا كانت الدولة طريقاً ومعبراً لإحلال القيم الدينيّة فنحن أمام سؤال حقيقي سيوجّه إلينا يوم القيامة: ماذا فعلنا عندما منحنا الله نعمه؟ وعلى كلّ الحريصين على الدين والقيم الأخلاقيّة أن يفكّروا في حلول لذلك، يسبقها دراسة دقيقة وحقيقيّة للواقع، لا تحترق بحرق المراحل والعيش في أبراج المثاليّة المتعالية، ولا تتعامى ـ في الوقت عينه ـ بتضخيم المنجزات، رهينةً للمفهوم التعطيليّ القائل: «ليس بالإمكإن أحسن ممّا كان».
إن النقد البناء وسيلة للبناء، أما محض التبجيل فلا عواقب له سوى الاصطدام المفاجئ بالواقع، فالنقد دليل الحرص، وليس فقط التبجيل.

الكاتب: حيدر حب الله