مفهوم الحقيقي للبقاء والفناء ها إلا الرأس

بقيت كلُّام

ذبح النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) شاة ً ووزَّعَ لحمَها على الفقراء، ثمّ سألَ عائشة ما بقي من الشاة؟ فقالت: بقي رأسها، فقال النبي:( بقيت كلُّها إلا الرأس).

فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) يريد أن يعلمنا المفهوم الحقيقي للبقاء والفناء، فالمال الذي تنفقه في سبيل الله تعالى ينبغي أن لا تنظر إليه باعتباره خسارة، ولكن يجب أن تتصور أنّه زيادة في رصيدك، وعليها أرباح ليست مثل أرباح البنوك ۲% وإنّما هي أرباح عبّر عنها الله تعالى في محكم كتابه الكريم : ( وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) أي لا حدّ للزيادة في الربح في التجارة مع الله تعالى.

وقعت في يد الرحمن:

ومما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) أنّه تصدّق على فقير ثمّ أخذ المال من يد الفقير وقبَّلهُ، فظنّ الفقير أنّ الإمام قد تأسّف على تصدّقه بالمال، وأنّه يحبّ المال ويتعلق به، فلما سأله عن ذلك قال الإمام (عليه السّلام) : (إنّما قبلته لأنّه وقع في يد الرحمن)، ثمّ أرجعه للفقير، وهكذا نرى أنّ المال يكون مقدّساً حينما يـُنفقُ في سبيل الله تعالى، كما أنّه يكون ناراً تحرق الإنسان عندما يصرف في سبيل الشيطان.

من نعم الله عليكم:

وفي حديث عنهم (عليهم السلام) : ( حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم ) وهذا تصحيح آخر لمفهوم خاطئ، يعتقد أنّ المستفيد من عملية الإنفاق هو الفقير، والحديث واضح في بيان أنّ المستفيد هو المنفق، ومن التوفيق أن يكون الإنسانُ في موقع يحتاج إليه الناس، وهذه فرصة ذهبية تؤهله للمتاجرة مع الله، فإذا كنتَ عالماً فحاجة الناس إلى علمك، وإذا كنتَ غنياً فحاجة الناس إلى مالك، وإذا كنت إعلامياً فحاجة الناس إلى إعلامك، وإذا كنت قوياً فحاجة الناس إلى بدنك، وإذا كنت صاحب صوت عذب فحاجة الناس إلى حنجرتك، وإذا كنت صاحب قلم فحاجة الناس إلى قلمك، … فهذه الأمور يجب أن تنظر إليها أنّها من نعم الله عليك، حتى لو لم تكن تحصل على المقابل المادي، ممن تقضي حاجته لأنّ قضاء حاجته تقرّبك من الله.

الإنفاق ونظام الكون:

ومما ذكر في التفسير الأمثل، أنّ الكون قائمٌ على فلسفة الإنفاق، فالشمس تنفق من أشعتها للناس، والسماء تنفق من مطر سحابها، والأرض تنفق من نباتها وهكذا…

الإنفاق القليل:

والروايات تشير إلى أهمية الإنفاق، ولو كان قليلاً كما تعبّر بعضها ( ولو بشطر تمرة) وهذا لمن لا يستطيع، ولا يعني هذا أن يكون إنفاقنا قليلاً، والكثير من الناس عندما تكون عنده ثياباً ممزقة أو تالفة يقول سأعطيها الفقراء ولكن القرآن يقول : ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) ويقول : ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ )، فينبغي على الإنسان أن ينفق مما يحبّ ويجاهد نفسه في إخراج الصدقات، والزكاة والخمس، لأنّ هذا من ميادين جهاد النفس الأمارة بالسوء، وخلاف ما يريده الشيطان، فعندما يريد الإنسان أن يتصدّق، فالشيطان يحاول أن يصرفه عن التصدّق بشتى الوسائل، فتارة يقول له إنّ هذا ليس بفقير وإنّما يتظاهر بالفقر، وتارة يقول له لا تنفق أموالك أمام الناس لكي لا يكون عملك رياء، وتارة يقول له إنّك محتاج لهذا المبلغ وليس من الصحيح أن تنفقه، ولذلك ورد في الرواية : (لا يقبضنَّ على أيديكم الشيطان) .

الکاتب : السيد هاشم الموسوي