المنبر الحسيني

روى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: (من ذَكر مصابَنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينُه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يُحيَى فيه أمرُنا لم يمت قلبُه يوم تموت القلوب).

منبر الحسين ـ على صاحبه آلاف التحية والسلام ـ هو منبر الإسلام، ومنبر الوعي، ومنبر القيم الإنسانية.. منبر العدالة ومقارعة الظلم.. هو منبر الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.. هو المنبر الذي أسسه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام من أجل إبقاء شعلة النهضة الحسينية متّقدة في النفوس من خلال أحداثها البطولية والمأساوية، ومن خلال أهدافها وقيمها.. وهو المنبر الذي قدّم المؤمنون بهذه النهضة المباركة الكثير من التضحيات من أجل ضمان استمرار عطاءاته.

إضعاف المنبر الحسيني

وقد عملت جهتان رئيسيتان على الحد من هذه المجالس أو إضعاف دورها من حيث تعلم أو لا تعلم، وهي:

أولاًـ أنصار السياسة الأموية منذ القرن الهجري الأول إلى هذا اليوم، سواء أكانوا من العلماء أو الحكام أو الإعلاميين أو غيرهم، إما بدافع سياسي أو بدافع نصب العداء لأهل البيت عليهم السلام ولأنصارهم.

ومن الواضح أن هؤلاء لا يمثلون إخواننا أهل السنة، فيكفيك أن تذهب إلى مصر لترى كيف يقدّس أهلُها الإمامَ الحسين عليه السلام، وكيف يتبرؤون من يزيد واليزيديين، وهكذا الأمر في أفريقيا عموماً، وفي الشرق الأقصى من آسيا.. كما في تركيا حيث تجد حضور أسماء أهل الكساء بقوة في آثار العثمانيين في قصورهم وفي مساجدهم وفي عموم آثارهم. فأهل السنة يحبون الإمام الحسين عليه السلام، ويفترض بمن يحب الحسين أن لا يُنكر مجالس ذكر الحسين ونهضته المباركة.

وقد كتب الشيخ محمد جواد مغنية رحمه الله نقلاً عن إحدى الصحف المصرية أنه في سنة ۱۹۶۶ (قررت إحدى الجهات الدينية المسؤولة أن تستفيد من اهتمام المصريين بذكرى مولد الحسين حيث يجتمع مليون ونصف المليون، فأنزلت ۵۰۰ متطوعاً بالوعظ وتحدثوا عن المعنى الديني والسياسي لاستشهاد الحسين، حتى صاحب الربابة كان يغني وينشد قصة الحسين وكيف ثار على الظلم، وقام بربط هذا ربطاً ذكياً بالأوضاع الرجعية الماثلة في الوطن العربي).

تغييب عن الواقع

ثانياًـ الوسط الخاص بأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وينقسم تأثيرهم السلبي إلى ثلاث صور:

۱٫ الذين يغيّبون المنبر الحسيني عن الواقع الذي نعيشه، فيستغرقون في التاريخ وفي الطرح النظري وفي الجانب المأساوي فقط، مما يشكل ردة فعل سلبية عند الشريحة الواعية المتعطشة للزاد الفكري المتفاعل مع همومها وآمالها، الأمر الذي يدفع ببعضهم إلى العزوف عن حضور هذه المجالس، أو التعامل معها بسلبية.

في عام ۱۹۴۷م توجّهت المواكب والهيئات الحسينية إلى منزل الفقيه السيد أبوالقاسم الكاشاني، وكانت إيران في ذلك الوقت تعيش تحديات عديدة ترتبط بالأوضاع الداخلية (ثورة مصدّق) وبالتدخلات الاستعمارية، علاوة على الوضع الإسلامي الذي كانت فيه القضية الفلسطينية وحركات التحرر في الدول العربية والإسلامية تتبوأ الأحداث. في ذلك الظرف الزمني والمكاني ألقى السيد الكاشاني خطاباً عاشورائياً ملفتاً فريداً من نوعه بين الخطابات الدينية وخصوصاً الحسينية منها آنذاك، وجاء فيه: (أيها السادة! يا من تجمهر من أجل العزاء! هل تعلمون لماذا استشهد الحسين بن علي(ع)؟ إنّ ما يقال في حصر تلك الغاية بالشفاعة للأمة عارٍ عن الصحة، إنه(ع) عدوٌ لمن ينحرف عن هدفه المقدّس ولا يتورع عن هتك حرم الإسلام، فهل لهذه المنابر أثرٌ في الحدّ من فواحش المدينة. لقد أراد الحسين القضاء على الظلم المستفحل في المجتمع وتعليم الجميع درس الشهامة والتضحية، كان ينهى الناس عن الانصياع للظلم والجور والتواني في إحقاق الحق طرفة عين أبداً، لقد اختار الشهادة للحدّ من أوضاع مشابهة لما نحن فيه هذه الأيام، ولو كنّا عمِلنا بمفهوم التضحية الحسيني لما عشنا هذه الظروف القاسية أبداً.. أيها السادة! إذا كنتم في كربلاء وسمعتم نداء الحسين، فهل ستكونون بجانبه مع كلّ تلك الآمال والأهداف؟ فإذا كنتم مستعدين لإعانته، إذاً فلماذا لا تبادرون الآن بذلك وتسيرون على نهجه المقدّس؟).

النصوص الضعيفة

۲٫ المستغرقون في بعض النصوص التاريخية الضعيفة التي تشوّه تفاصيل أحداث النهضة الحسينية وتقدّمها بصورة تجعلها أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع، أو تعمل على تقديم صور متناقضة تهدم قيم النهضة الحسينية، من قبيل تصوير الإمام الحسين عليه السلام في صورة مَن يستجدي الماء من معسكر الأعداء، وفي اللحظات الأخيرة والحاسمة من المعركة، بما يناقض نفسه الأبيّة وكلمته الخالدة: (هيهات منا الذلة) ونداءه: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد). أو تقدِّم بعض المفاهيم المتعارضة مع أصالة الإسلام والمفاهيم القرآنية، كتلك التي أشار إليها السيد الكاشاني في النص المتقدم، وكتب أحدهم في شأنها: (لقد ارتضى الحسين عليه السلام مصيرَ الشهادة من أجل نيل منصب الشفاعة الكبرى التي من خلالها يستخلص جميع الموالين والمحبّين.. وهذه درجة لا ينالها إلا باستشهاده؛ لأنّ محو معاصي الأمة والشفاعة لها متوقّف على مسيل الدم وبروز الألم). فأي فرق بين هذا الطرح وبين ما يطرحه المسيحيون تحت عنوان فداء المسيح للمؤمنين به، ونعمل نحن المسلمون على نقده؟ هذا كله مع التأكيد على الإيمان بأصل الشفاعة، إلا أن هذا شئ، وكون الفداء الحسيني لمجرد نيل هذا المقام الأخروي شئ آخر.

يقول المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في بيان له: (إن مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام هي من أهم الشعائر الدينية وسر بقاء التشيع، ولكن يجب أن تقام بشكل لا تؤدي إلى التسبب بوهن المذهب والإضرار به).

انتقاد سلبي

۳٫ المنتقدون الذين لا يقدِّمون البديل المناسب لتلك المجالس التي ينتقدونها، مما يعطي صورة سوداوية عن المجالس الحسينية عموماً، الأمر الذي يدفع الشباب إلى العزوف عنها، فإن مثل هذا النقد لا يخدم المنبر الحسيني، وعلى من ينتقد أن يعمل على تهيئة البديل الذي يصحح أخطاء من ينتقدهم.

إن مسؤوليتنا جميعاً أن نعمل على تقوية هذا المنبر، كلٌّ بحسب موقعه، فقد يكون إصرارك على الحضور في مجلس يشوّه قيم وأهداف النهضة الحسينية بصورة أو بأخرى يمثّل مساهمةً منك في إضعاف هذا المنبر.. وقد يكون نقدُك غير البنّاء لأوضاع بعض المجالس الحسينية مساهمةً منك في إضعاف هذا المنبر.. وقد يكون سكوتك عن الممارسة الخاطئة أو الكلمة غير المسؤولة مساهمةً منك في إضعاف هذا المنبر.

الكاتب: الشيخ علي حسن