المنهج-المهدوي-لعبور-الفتنة

المنهج المهدوي لعبور الفتنة

يسعى الانسان المؤمن بالله سبحانه وتعالى إلى أنْ يخرج من هذه الدنيا وهو فائز بلقائه وحاصل على جائزة دخول الجنة.

وهذا الامر لا يتحقق بسهولة، فهناك الكثير من المصاعب والمشاكل التي تواجه الانسان وتقف في طريقه حجر عثرة وتمنعه من تحقيق هدفه هذا، فهناك النوازع النفسية، والغرائز والشهوات، والصراع بين الناس بعضهم بعضاً من اجل نيل المكاسب وتحقيق الاهداف، وهذه الامور لاشك كلها تحول وتمنع الانسان في اغلب الأحيان من أنْ يحقق هدفه.

ومن بين اهم الموانع التي تمنع الانسان من انْ يصل إلى غايته ويحقق هدفه في الفوز بالجنة والرضوان هي الفتن التي تقع في كل زمان، بل وعلى كل فرد، والفتن التي يبتلى بها الانسان متنوعة ومواطنها متعددة، فهناك فتن في العقيدة وفي المال، وفي الروح، وفي البدن، وهناك فتن في الاولاد والزوجة والمجتمع والبلد، وتتنوع وتتعدد الفتن إلى أنْ تدخل إلى كل مفصل وتكاد تكون مع كل حركة يتحركها الانسان.

ومن هنا تأتي أهمية أنْ يكون للإنسان منهج واضح وسهل ويسير، من خلال هذا المنهج يتخطّى الفتنة ويتجاوزها إلى حالة الاطمئنان والاستقرار.

ومن أهم الفتن التي يبتلى بها الانسان هي الفتنة في العقيدة.

ومن بين أهم المناهج التي وضعت لتجاوز الفتنة وتخطيها بامان وسلام هي المناهج التي وضعتها اليد المعصومة المنزهة عن الالتباس والتردد والشك لاجل أنْ تأخذ بيد الانسان إلى بر الأمان وتضعه على جرف السلامة.

فالذي يتابع كلمات المعصومين عليهم السلام يجد انها مليئة بالمناهج والقواعد والاسس والركائز التي إذا اعتمدها الانسان وسلكها نجا وأمن وفاز واطمأن.

ونحن اذ نعيش في آخر الزمان، وفي زمن امامة إمام آخر الزمان، وهو آخر الائمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام الحجة بن الحسن عليه السلام ولأنّ امامنا هذا غائب عنا ولا نستطيع أنْ نتصل به ونتواصل معه لكي يأخذ بأيدينا ويخرجنا من أمواج الفتن، فلابد لنا من أنْ نرجع إلى كلماته، تلك الكلمات النورانية الإلهية، لنستفيد منها ونتخذ منها أساساً ومنهجاً للنجاة من الفتنة ، وهذا الرجوع إلى كلماته عليه السلام يعد واحداً من أبرز عناصر الارتباط به وتفعيل قضية ولائه عليه السلام.

فأنت إذا حاولت دائماً أنْ يكون وجود الإمام عليه السلام معك من خلال ذكره ومن خلال العيش مع كلماته فإنك ترتبط به ارتباطاً يختلف عن الشخص الذي يعرف من الإمام اسمه فقط، أو يذكره في الشهر أو في السنة مرة أو في الضرورات فقط.

فهذه الكلمات كما انها تضع منهجا نسير من خلاله وننجوا من الفتنة، فكذلك هي تقوي فينا علقة الارتباط وعنصر الترابط مع الإمام المهدي عليه السلام وتحيي في نفوسنا حالة الحضور وحالة التلاحم وحالة الذكر الدائم للإمام عليه السلام.

ومن بين الكلمات التي صدرت عن الإمام المهدي عليه السلام في هذا المجال هو توقيعه رداً على من شك في إمامته وانكر وصايته بعد أبيه عليه السلام، إذ يقول في كتابه وتوقيعه هذا:

بسم الله الرحمن الرحيم

(عافانا الله واياكم من الفتن ووهب لنا ولكم روح اليقين واجارنا واياكم من سوء المنقلب انه أُنهِيَ اليّ ارتياب جماعة منكم في الدين وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة امرهم فغمنا ذلك لكم لا لنا وساءنا فيكم لا فينا لأن الله معنا فلا فاقة بنا إلى غيره والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا… ).

ثم يقول عليه السلام:( يا هؤلاء مالكم في الريب تترددون وفي الحيرة تنعكسون…) .

ثم يقول عليه السلام ولولا ما عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم والاشفاق عليكم لكنا عن مخاطبتكم في شغل مما قد امتحنا… إلى آخر التوقيع.

فأنت تجد أنّ الإمام عليه السلام يفتتح هذا الكتاب بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بأنْ يعافينا من الفتن ويستخرجنا منها، وأنْ يسدد هذه المعافاة بأنْ يهب لنا اليقين والايمان والاطمئنان وفي نفس الوقت يجعل يقيننا مستمرا إلى أنْ نحشر عليه، وتكون عاقبتنا ومنقلبنا حسناً، فنجار بذلك من سوء المنقلب.

فهذا منهج واضح وسهل ويسير يجعله الإمام للنجاة من الفتنة ثم بعد ذلك يعقب أنْ ما يحصل من الافتتان يسوء الإمام ويغتم له، ويعاتب الناس على ترددهم في الفتنة.

ثم بعد ذلك يبين لهم أنّ المحبة والاشفاق والرحمة هي التي اوجبت أنْ يتكلم اليهم من خلال التوقيع بواسطة السفير، وهذا المقطع النوراني يمكن ان نستفيد منه فوائد متعددة، وحيث انّ حديثنا عن الفتنة نقتصر في الاستفادة منه على ذلك ونرجيء الحديث في الفوائد الاخرى إلى مناسبة ثانية.

والذي أريد أنْ اقوله هنا إنّ هناك مناهج للنجاة من الفتنة يضعها المفكرون، يضعها الصلحاء، يضعها العلماء، يضعها الاولياء، فعلينا أنْ ننتقي أي المناهج هي الاسلم وايها هي الايسر علينا وايها هي الاقرب للوصول.

ولا شك ان المنهج الذي يضعه المعصوم هو حامل لهذه الصفات فهو يضع المتيسر لكل الناس ولا يضع شيئاً لا يوصلهم إلى بر الامان، لأنّ فعل ذلك منه عليه السلام خلاف المنة وخلاف الرحمة منه، وخلاف الشفقة منه علينا.

إذن المنهج الذي يجب أنْ نتبعه للنجاة من الفتنة هو منهج الإمام، وأوَّل مفردة من مفردات هذا المنهج هي أنْ نتمسك به هو، وبعد ذلك نتقدم خطوة أُخرى وهي أنْ نلتزم بفريضة الدعاء ونطلب من الله سبحانه وتعالى أنْ ينجينا من الفتنة، ثم بعد ذلك نتقدم خطوة أُخرى وهي أنْ نلاحظ الإمام وكأنه رقيب علينا، فكل مورد نحسُّ فيه باقتراب الفتنة نلجأ اليه عليه السلام وكأننا نتحدث معه عليه السلام مباشرة ونستفتيه، ولا شك اننا سنكون من خلال هذا الطريق على المنهج وعلى المحجة الواضحة، ثم تأتي بعد ذلك خطوة اخرى وهي التزام المنهج الذي وضعه اهل البيت عليهم السلام سواء في العبادات أو في الافكار والمعتقدات، وهكذا نخطو خطوة بعد خطوة ونستمر في التخطي والقفز على الفتنة من خلال التمسك بما وضعه أهل البيت عليهم السلام من منهج للنجاة منها إلى أنْ تكون عاقبتنا هي الفوز والامان والنجاة من الامتحان.

الكاتب: الشيخ حميد الوائلي