المواطنة من نظر الفكر السياسي الإسلامي

التعريف

المواطنة (۱) في الاصطلاح الحديث عبارة عن ( العضوية في الأمة ) فالمواطن المسلم هو الشخص الذي ينتمي الى الإسلام ويعتبر نفسه عضوا في الأمة الإسلامية ، وهكذا حينما يكون الحديث عن المواطن العربي ، أو المواطن الفرنسي ، وما شاكل ذلك الا ان الأمة قد تكون ذات استقلال سياسي ولها دولة تحكمها وقد لا تكون كما هو شان الشعب الفلسطيني ، بل كما هو شان الشعب الإسلامي الممتد في الوطن الإسلامي العريض من دون ان تكون له دولة تمثل هويته الإسلامية باستثناء الشعب المسلم في إيران حيث تحكمه دولة إسلامية ومهما يكن الحال في ذلك فان أبناء الشعب الفلسطيني هم مواطنون فلسطينيون وان سلب منهم الحكم والسيادة وكذا الشعب المسلم في البلاد ذات الحكومات القومية والعلمانية ، ثم ان الأفراد داخل حدود الوطن ينقسمون الى مواطنين ، وأجانب والمواطنون هم الذين يحسبون أعضاء في تلك الأمة ، والأجانب هم الذين لا يحملون صفة العضوية .

واذا كانت المواطنة تعني العضوية فان هناك امتيازات وواجبات بالنسبة للمواطن ، الذي يحمل صفة العضوية .

كما ان المواطنة ليست قرارا فرديا يتخذ ، فقد وضعت الدول الحديثة ، شروطا وضوابط للفرد المواطن للتمييز بينه وبين الأجنبي .

ويجب ان يكون معلوما في البدء ونحن ندرس المواطنة شروطها وواجباتها والامتيازات المترتبة عليها ان هذا الاصطلاح غير موجود في القاموس الإسلامي ، ومن هنا فقد يبدو الحديث عن المواطنة في الإسلام أمرا غريبا .

الا ان الحقيقة هي ان فكرة المواطنة بمعنى العضوية في الأمة موجودة في الفكر السياسي الإسلامي ، وان لم يكن هذا الاصطلاح مستعملا ، وعلى ذلك فان الحديث عن المواطنة في الاسلام ليس تحميلا على المفاهيم الإسلامية ولا عناية فيها كما سنرى .

الواجبات والحقوق

الحديث عن واجبات المواطن وحقوقه هو حديث عن واجبات الفرد في الدولة ومسؤولية الدولة تجاهه ، ومن الطبيعي ان نؤجل بحث هذا الموضوع بشكله التفصيلي الى محله .

اما هنا فلنأخذ فكرة عامة عن واجبات وحقوق المواطن في الدول الحديثة ثم نقارن بينها وبين ما يماثلها في الإسلام .

يكتب ( اوستن رني ) عن هذا الموضوع قائلا : ( الواجب الأساس في المواطنة في الدول الحديثة هو الإخلاص والولاء للأمة ، فالمنتظر من كل مواطن ان يضع مصالح أمته وسعادتها فوق مصالح أية امة أخرى وسعادتها .

وان اهم واجبات المواطن التي تنبعث من هذا الواجب الأساس تتمثل في عدة أمور منها : إطاعة قوانين الأمة ، ودفع الضرائب ، والخدمة في القوات المسلحة عندما يدعى لذلك )

ثم يتحدث عن امتيازات المواطن وحقوقه فيقول : للمواطن امتيازان أساسيان :

أولهما : أهليته اذا ما وصل الى سن الرشد الذي تحدده الدولة للمساهمة في عمليات اتخاذ القرارات التي تحدد سياسة الدولة وذلك عن طريق بعض الوسائل مثل حق التصويت وحق تولي الوظائف .

وثانيهما : حقه في ان تقوم الدولة في الداخل وفي الخارج في حماية نفسه وملكه ) (۲) .

شروط المواطنة

متى يصبح الفرد مواطنا ؟ وما هي الشروط الموضوعة لاكتساب صفة المواطنة ؟ .

قد تختلف فى ذلك الدول الحديثة ، الا ان هناك اتفاقا عاما على ان المواطنة تكتسب عن احد طريقين :

الاول : التولد ، وهو يمثل عضوية قهرية في الأمة .

الثاني : التجنس ، وهو يمثل عضوية نابعة من اختيار الفرد ورغبته بعد موافقة الدولة .

وفي داخل هذين الطريقين ، يوجد خلاف بين القوانين التي تتبعها الدول الحديثة نعرض عنه فعلا ، لكن من المناسب ان نشير الى الشروط التي تشترطها معظم الدول لإعطاء الفرد الجنسية الخاصة بتلك الأمة :

۱ـ الاقامة .

۲ـ معرفة لغة البلاد .

۳ـ حسن السلوك .

۴ـ تفهم النظم السياسية للدولة .

۵ـ عدم تاييد المنظمات المعارضة للحكومة .

۶ـ لديه الولاء والإخلاص (۳) .

المواطنة في المفهوم الإسلامي

اذا كانت المواطنة بمعنى العضوية في الأمة ، فالمواطنة في المفهوم الإسلامي تكون أوسع من الحدود الجغرافية للوطن الإسلامي .

ان كل فرد مسلم يعتبر مواطنا بهذا المعنى لانه عضو في الأمة الإسلامية له كل الحقوق والامتيازات ، كما عليه كل الواجبات والمسؤوليات .

ان الانتماء الى الاسلام هو أساس هذه العضوية ، وكل الحدود الاخرى داخل إطار العقيدة الواحدة لا تفصل المسلمين ولا تجعل منهم امتين ، كما لا تجعل واحدا منهم فاقدا لعضويته في الأمة الإسلامية ، فقد ورد في الحديث الشريف عنه ( صلى الله عليه واله ) ( كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ) .

كما ان الموقع الذي أعطي للامة الإسلامية يشترك فيه كل أفراد الأمة ، انه موقع القيادة والشهادة على العالمين ، كما في قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهدا على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (۴) .

ان كل مسلم شهيد على قومه حيثما كان وأينما كان وسواء في داخل حدود الوطن الإسلامي او في خارج حدوده .

ومعنى ذلك ان عضويته في الأمة الإسلامية التي تحمله مجموعة مسؤوليات كما تفرض له مجموعة حقوق ، هذه العضوية قائمة على أساس عقيدي فقط لا أساس جغرافي ، او قومي ، وستكون نتيجة ذلك ان مسؤولية الدولة الإسلامية تستوعب كل المسلمين في العالم لانهم جميعا رعايا لهذه الدولة مهما باعدت بينهم الحدود الطبيعية .

والدولة الإسلامية لا تنظر فقط الى رعاياها الذين يعيشون داخل حدودها الاقليمية ، انما تهتم بشؤون كل المنتسبين الى الأمة الإسلامية وهم المسلمون في كل مكان .

واذا كانت حماية الدولة للمواطنين هي ابرز حقوقهم فيجب ان يكون واضحا ان الدولة الإسلامية تتحمل حسب قدراتها مسؤولية حماية كل المسلمين في العالم ، حمايتهم بأوسع معانيها ، السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية والثقافية يتحدث القرآن الكريم : ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) (۵) .

الاية تفيد ان على ذمة الدولة الإسلامية والمسلمين القاطنين فيها مسؤولية انقاذ كل المسلمين الذين يطلبون الانقاذ ، بل كل المستضعفين الذين لا يجدون لأنفسهم خلاصا من أيدي الظالمين .

فطالما كانت الأمة الإسلامية شاهدة على العالم الانساني ، وموجهة له ، وتتحمل مسؤولية هدايته ، فان احقاق كلمة الله في الأرض ، والدفاع عن الحق والعدالة في كل أصقاع الأرض هو من صميم واجبات الأمة والدولة الإسلامية .

وفي هذا الضوء نستطيع ان نقرر الحقائق الاتية :

أولا : ان الدفاع عن الحق والعدالة ، وتنفيذ ارادة الله في الارض ، وانقاذ المظلومين والمستضعفين ، وحماية كل المحرومين هي من مسؤولية الأمة والدولة الإسلامية ، ولا يقتصر ذلك على المسلمين فقط ، بل يعم كل المحرومين ، انطلاقا من شهادة الأمة المسلمة على العالم كله ، وقيادتها ، وانطلاقا أيضا من مسؤولية الأمة المسلمة في إحقاق الحق ، ودمغ الباطل ، والانتصار لكلمة الله تعالى . وتسعى الأمة المسلمة في مهمتها هذه بالحدود التي تسمح بها قدراتها وقابلياتها (۶) .

ثانيا : على ان العضوية في الأمة الإسلامية خاصة بالمسلمين ، فرغم ان الدولة الإسلامية تتحمل مسؤولية تحرير وانقاذ العالم كله ، الا ان العضوية في الأمة غير مفتوحة الا للمسلمين فقط .

المسلمون هم الذين يمثلون أُمّة واحدة من دون الناس

والمسلمون هم الأخوة الأولياء بعضهم على بعض والمتوالون بعضهم مع البعض ، والمسلمون هم الذين يمثلون موقع الشهادة على العالم ، والإشراف على مسيرته الإنسانية .

وبالتالي فان الدولة الإسلامية مسؤولة عن حماية المسلمين قبل غيرهم لأنهم يرتبطون معها بأكثر من رابط .

اذن فالمواطنة بمعنى العضوية في الأمة خاصة بالمسلمين ، وان شملت مسؤولية الدولة الإسلامية غيرهم أيضا كما سيأتي في الحديث عن أهل الذمة .

شروط المواطن في الدولة الإسلامية

مما تقدم ظهر ان المواطنة تمنح الفرد المواطن حقين :

الأول : حق المساهمة في الحكم بالتصويت ، او الترشيح ، او التوظف في المناصب السياسية من أدنى حدودها الى أعلاها .

الثاني : حق الحماية له من قبل الدولة الإسلامية ، بأوسع معاني الحماية وبنحو لا تستطيع الدولة الإسلامية ان تتنكر وتتناسى وتلغي مسؤوليتها هذه ، مهما كانت ظروفها السياسية ، وقدراتها المعنوية والعسكرية وهنا سوف نواجه هذا السؤال :

هل يعتبر كل فرد مسلم في العالم مواطنا في الدولة الإسلامية ؟

وبكلمة اوضح هل يمنح كل فرد مسلم في العالم حق المساهمة في حكم الدولة الإسلامية ، ثم حق حمايته الإلزامية المطلقة التي لا يسع الدولة الإسلامية رفضها أو إهمالها بنحو من الأنحاء ؟

فالذين يعيشون خارج الحدود السياسية للدولة الإسلامية ، ولا يرتبطون مع أبناء هذه الدولة بصلة غير الإسلام ، هل يساوون في الحقوق ، المسلمين الذين يعيشون داخل الوطن ، وفي إطار الحدود السياسية له والذين يعتبرون من أبنائه بالولادة او باختيارهم ؟

كما أن أمامنا تساؤلا آخر :

هل يعتبر كل المسلمين المتواجدين في داخل الوطن ، والذين اتخذوا البقعة الإسلامية وطنا لهم مواطنين في الدولة بدون قيدا وشرط ، ولهم حق المساهمة في الحكم ، كما تتحمل الدولة مسؤولية حمايتهم ؟

الرأي الأول

هناك رأي يذهب الى ان المواطن في الدولة الإسلامية يشترط فيه أمران :

الاول : الإسلام .

الثاني : الهجرة الى دار الإسلام ، واتخاذها وطنا له اعتمادا في هذا على قوله تعالى : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا ) (۷) .

لقد تحدث الأستاذ المودودي عن هذه الآية قائلا :

( هذه الاية تبين أساسين للمواطنة : الإيمان ، وسكنى دار الإسلام أو الانتقال اليها ، فاذا كان المرء مؤمنا ولكنه ما ترك تابعية دار الكفر ، أي لم يهاجرها الى دار الإسلام ولم يتوطنها ، فلا يعد من أهل دار الإسلام ) (۸) .

الا إننا لا نتفق مع الأستاذ المودودي في هذا الرأي ، فالاية الكريمة لم تتحدث عن قانون عام لنستفيد منها شرطا عاما ودائميا في المواطنة ، انما تحدثت عن قضية خاصة ، اوجب الله تعالى فيها الهجرة على المؤمنين حسب الظروف السياسية التي كانت تحكمهم في مكة ، وحيث كانت الهجرة واجبة وإلزامية فقد سجل الشارع ان من يتخلف عنها تبرؤ منه ذمة المسلمين ، وتنقطع الصلة بينه وبينهم ، الا ان القرآن الكريم هنا لم يسجل قانونا مطردا ، وانما قانونا في حالة خاصة اوجب فيها الشارع الكريم الهجرة .

يؤيد ما نقول ان الاية الكريمة لا تفيد فقط ان الهجرة شرط في المواطنة وفي ولاية المسلمين للمهاجر ، وانما تفيد ان الهجرة الى دار الإسلام واجبة ولا يجوز لأحد ان يتخلف عنها ومن المعلوم إن هذا الحكم ليس عاما ، فلا احد يستطيع ان يقول اليوم مثلا ان على كل المسلمين في العالم الهجرة الى دار الإسلام واتخاذها وطنا لهم .

ودليل آخر على ما نقول ان الاية الكريمة لا تفيد مجرد توقف المواطنة على الهجرة وسكنى دار الاسلام ، انما تفيد قطع كل الروابط مع الذين لا يهاجرون حتى روابط الولاء والولاية ، وبالتأكيد فان هذا الحكم لا يقبله احد كقانون عام يحكم المسلمين في كل زمان ومكان ، ومهما كانت الظروف فهل يقبل ان المسلم الذي لا يهاجر الى دار الإسلام في زماننا مثلا ، او حتى أيام الدولة الإسلامية ما عدا العهد الاول من هجرة رسول الله ( صلى الله عليه واله ) الى المدينة حيث كانت الهجرة واجبة تنقطع معه كل الروابط حتى روابط الود والولاء والتعاطف ؟ .

الحقيقة ان الاية الكريمة افادت حكما خاصا في ظروف وحالات خاصة ، حكمت فيها بما يلي : وجوب الهجرة اولا وسقوط المواطنة عن غير المهاجرين ثانيا ، وبالقطيعة التامة بينهم وبين المسلمين ثالثا .

وهذه الأحكام الثلاثة لا يمكن الالتزام بها كقاعدة عامة ، ولم يدع بها احد في غير زمن الهجرة في عهد رسول الله ( صلى الله عليه واله ) .

الرأي الثاني

اما نحن فنستطيع ان نبدي وجهة النظر الآتية : (۹) .

ان شروطا ثلاثة معتبرة في المواطن :

الاول : الاسلام ، فمن لم يكن مسلما فهو اجنبي لا يستحق حقوق المواطن .

الثاني : بالنسبة للمسلمين خارج حدود الدولة الإسلامية ، والذين لا يعتبر البلد الإسلامي وطنا لهم لا فعلا ولا بالاصل ، يشترط من اجل ان يكونوا مواطنين في الدولة الإسلامية ولهم حق المساهمة في الحكم ، مثلما لهم حق الحماية اللازمة المطلقة ، ان تقبلهم الدولة الإسلامية وتمنحهم صفة المواطنة .

ومعنى ذلك ان المواطنة بالنسبة لهؤلاء الخارجين عن حدود الدولة الإسلامية تعتبر منحة من الدولة ، تستطيع ان تعطيها وان لا تعطيها .

فالذين هاجروا الى الدولة الإسلامية ، وهم من المسلمين أيضا ، امام الدولة الإسلامية خيار من احد خيارين : ان تقبلهم كمواطنين وتمنحهم صفة المواطنة ، ويكون لهم كل حقوق المواطنة وامتيازاتها ، وبإمكانها ان لا تقبلهم ، ولا تمنحهم صفة المواطنة ، وبالتالي فليس لهم حق المساهمة ولا حق الحماية المطلقة .

صحيح ان الدولة الإسلامية مسؤولة عن حماية جميع المسلمين ، بل جميع المظلومين في العالم ، الا ان الدولة الإسلامية تستطيع ان تعتذر عنها حينما لا يكون من مقدورها ذلك وحسب ظروف ومصالح واتفاقات سياسية الى غير المواطنين فقط ، فهي اذن ليست حماية مطلقة لازمة ، بخلاف الحماية التي يستحقها المواطنون ، فان الدولة الإسلامية ملزمة ، ولا تستطيع التنكر لها باتفاق سياسي او معاهدة ، مهما كانت الظروف ، ومهما كانت القدرات نعم اذا كانت عاجزة عن حمايتهم فان المسؤولية ستسقط عنها للعجز ، كما تسقط كل التكاليف والالزامات عند العجز .

ومن التاريخ الإسلامي في عهد رسول الله ( صلى الله عليه واله ) نملك شاهدا على هذا الشرط في الاتفاق الذي جرى بينه ( صلى الله عليه واله ) ، وبين قريش في صلح الحديبية ، فقد ذكر في كتاب الصلح ( انه من اتى رسول الله ( صلى الله عليه واله ) من قريش بغير اذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله ( صلى الله عليه واله ) لم ترده عليه ) .

وفي الوقت الذي وقع الرسول ( صلى الله عليه واله ) على هذا الاتفاق ، قدم ( ابو جندل بن سهيل ) هاربا من أبيه الى رسول الله ( صلى الله عليه واله ) .

فلما رأى سهيل ( وكان هو طرف الاتفاق مع رسول الله ( صلى الله عليه واله )في الصلح ) ابا جندل ، قام اليه فضرب وجهه فقال :

يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل ان يأتيك هذا .

قال : صدقت .

فجعل ينتره بلببه ، ويجره ليرده الى قريش وجعل ابو جندل يصرخ ‌باعلى صوته : يا معشر المسلمين ، ارد الى المشركين يفتنوني في ديني .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : يا ابا جندل ، احتسب ، فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، انا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وانا لا نغدر بهم ) (۱۰) .

الثالث : بالنسبة للمسلمين داخل حدود الدولة الإسلامية ، يشترط فيهم من اجل ان تكون لهم حقوق المواطن إطاعة الإمام ، وعدم الخروج عليه اما الخارجون على إمام زمانهم فإنهم أجانب عن الدولة الإسلامية لا يتمتعون بشي من امتيازات المواطن ، بل تجب مطاردتهم ومحاربتهم وبهذا الصدد نتذكر ما كتبه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للخوارج في قوله : ( كونوا حيث شئتم ، وبيننا وبينكم ان لا تسكبوا دما حراما ، ولا تقطعوا سبيلا ، ولا تظلموا احدا فان فعلتم نبذت اليكم الحرب ) .

الواجبات والامتيازات

تجب على المواطن المسلم كل الواجبات في الاسلام ، بما في ذلك الولاء للدولة الإسلامية ، والدفاع عنها ، وبما في ذلك التكافل الاجتماعي ، والمساهمة في خدمة المجتمع الإسلامي .

وهذه الواجبات لا تخص المواطن المقيم على ارض الدولة الإسلامية فحسب ، بل انما تشمل كل مسلم في داخل البلد الإسلامي ام خارجه .

كما يتمتع المواطن بحق المساهمة في الحكم بمختلف الطرق والأشكال ولكن هل يستطيع المواطن المسلم في خارج الدولة الإسلامية ان يمارس هذا الحق ؟ .

نظريا يتمتع بكامل حقه فان الحقوق السياسية للمسلم لا تختص بالمقيم في البلد الإسلامي الا ان ممارسة هذا الحق من قبل المسلمين في خارج الدولة الإسلامية يخضع لطبيعة الأوضاع الحاكمة ومدى سماحها بممارسة هذا الحق .

وفيما عدا هذا الحق فان المواطن المسلم يتمتع بحماية الدولة الإسلامية له في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والصحي .

وهنا نود ان نشير الى اروع نص للامام علي ( عليه السلام ) يجمع باختصار حقوق المواطن وواجباته في عين الوقت .

قال الامام علي ( عليه السلام ) : ( أيها الناس ، ان لي عليكم حقا ، ولكم علي حقا : فاما حقكم علي : فالنصيحة لكم ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا .

واما حقي عليكم : فالوفاء بالبيعة ، والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين ادعوكم ، والطاعة حين آمركم ) (۱۱) .

ويتحدث الامام علي بن الحسين ( عليه السلام ) عن واجبات الفرد تجاه المجتمع فيقول : ( وأما حق اهل ملتك عامة ، فإضمار السلامة ، ونشر جناح الرحمة ، والرفق بسيئهم ، وتاليفهم ، واستصلاحهم ، وشكر محسنهم الى نفسه واليك .

فعمهم جميعا بدعوتك ، وانصرهم جميعا بنصرتك ، وأنزلهم جميعا من منازلهم ، كبيرهم بمنزلة الوالد ، وصغيرهم بمنزلة الولد ، وأوسطهم بمنزلة الأخ ، فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة ، وصل أخاك بما يجب للأخ ‌على اخيه ) (۱۲) .

رعايا غير مواطنين

رعايا الدولة الإسلامية ، الذين يعيشون داخل حدودها السياسية على قسمين :

رعايا مواطنين ، وهم المسلمون .

رعايا غير مواطنين وهم غير المسلمين من اهل الكتاب الذين يصطلح عليهم إسلاميا بأهل الذمة ، وهو اصطلاح يقصد به اهل الكتاب الذين تعاهدوا مع الدولة الإسلامية على ان يسكنوا داخل حدودها بالشروط التي يتفقون عليها هؤلاء المعاهدون هم رعايا تحتضنهم الدولة الإسلامية ، وتوفر لهم كامل حقوقهم ، الا انهم لا يساهمون في حكومة الدولة الإسلامية ، وبهذا يختلفون عن المسلمين المواطنين .

اما حماية الدولة الإسلامية فانها ثابتة لهم ، على السواء مع المواطنين المسلمين ، طالما كانت شروط الذمة التي تعاهدوا عليها محفوظة .

ان الدستور الذي وضعه الرسول الاكرم ( صلى الله عليه واله ) بين المهاجرين والانصار ، وعاهد فيه اليهود ، يفصح لنا عن انقسام رعايا الدولة الإسلامية الى قسمين : مواطنين ، وغير مواطنين ، القسم الاول هم المسلمون ، والقسم الثاني هم اهل الذمة .

فقد كتب ( صلى الله عليه واله ) ( هذا كتاب من محمد النبي ( صلى الله عليه واله ) ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم فلحق بهم ، وجاهد معهم ، أنهم امة واحدة من دون الناس ) .

( وان المؤمنين المتقين على من بغى منهم او ابتغى دسيسة ظلم ، او اثم أو عدوان ، او فساد بين المؤمنين ، وان أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد احدهم ) .

( وان ذمة الله واحدة ، يجير عليهم ادناهم ، وان المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ) .

يفيد هذا التصريح ان كل فرد مسلم في الأمة الإسلامية هو عضو فيها وحسب الاصطلاح الحديث هو واحد من مواطنيها ، له كل حقوق المواطن ، كما عليه واجباته .

ثم يتعرض الرسول ( صلى الله عليه واله ) الى القسم الثاني من رعايا الدولة الإسلامية ، فيقول : ( وانه من تبعنا من يهود ، فان له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ) .

( وان على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ) .

( وان بينهم النصر على من حارب من اهل الصحيفة ، وان بينهم النصح ، والنصيحة ، والبر دون الاثم ) (۱۳) .

أحكام أهل الذمة : (۱۴)

يختص اهل الذمة بمجموعة أحكام نذكر منها ما يلي :

۱ـ لا يكون اهل الذمة الا من أهل الكتاب ، اما المشركون ، والكفرة فلا ذمة لهم مع الإسلام ففي الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ان رسول الله ( صلى الله عليه واله ) كتب الى اهل مكة :

( اسلموا والا نابذتكم بحرب ، فكتبوا الى النبي ( صلى الله عليه واله ) : ان خذ منا الجزية ، ودعنا على عبادة الأوثان فكتب إليهم النبي ( صلى الله عليه واله ) اني لست آخذ الجزية الا من أهل الكتاب ) (۱۵) .

وقد كان هذا الكتاب من رسول الله ( صلى الله عليه واله ) للسنة الاولى للهجرة .

۲ـ دفع الجزية قال تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ، ولا باليوم الاخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) (۱۶) وليس للجزية قدر محدد ، وانما الخيرة في تحديدها للامام ، ففي الحديث عن الامام الصادق ( عليه السلام ) حين سئل عن الجزية قال : ( ذلك الى الامام يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله ، وما يطيق ) (۱۷) .

۳ـ يبقى أهل الذمة على دينهم ، ويمارسون أعمالهم بحرية كاملة عدا ما يؤثر منها على البيئة الإسلامية .

ومن هنا فانهم يمنعون عن التبشير لدينهم ، وتحريف عقيدة المسلمين رغم انهم يمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية وعلن كما انهم يمنعون من المجاهرة بالمحرمات التي تلوث البيئة الإسلامية .

وفي الحديث عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : ( ان رسول الله ( صلى الله عليه واله ) قبل الجزية من اهل الذمة على ان لا يأكلوا الربا ، ولا ياكلوا لحم الخنزير ، ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ، ولا بنات الاخت ، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ( صلى الله عليه واله ) .

وفي حديث آخر عنه ( عليه السلام ) أيضا : ( إنما أعطى رسول الله ( صلى الله عليه واله ) الذمة ، وقبل الجزية عن رؤوس أولئك بأعيانهم على ان لا يهودوا أولادهم ، ولا ينصروا ) (۱۸) .

۴ـ موافقة الدولة الإسلامية :

وأخيرا يشترط في اعتبار الكتابي داخلا في ذمة المسلمين موافقة الدولة الإسلامية وقبولها له ، وهي حرة في القبول والرفض حسب ما تراه من الصالح العام ومعنى ذلك وفي ضوء الفقه الإسلامي ان الدولة الإسلامية يحق لها إجلاء غير المسلمين عن أرضها ، باعتبارهم أجانب وليسوا مواطنين .
ـــــــــ

۱ـ الوطن في اللغة غير ما هو في المصطلح السياسي ، فهو في اللغة بمعنى ( محل إقامة الإنسان ) وهو يخص البلدة التي يقيم فيها ، وتشمل مسقط الرأس ، وغيرها من البلاد التي يتخذها الإنسان مقرا لإقامته ، وقد استعملت الكلمة بنفس معناها اللغوي في الفقه الإسلامي ، بينما نجد ان الوطن في المصطلح السياسي يمتد فيشمل حدود الدولة التي يقيم الإنسان فيها .

۲ـ سياسة الحكم ۱ : ۲۲۰ ، ۲۲۱ .

۳ـ المصدر السابق .

۴ـ البقرة : ۱۴۳ .

۵ـ النساء : ۷۵ .

۶ـ والفتوحات الإسلامية كانت تعبيرا وانطلاقا من هذه المسؤولية ، واذ يؤمن الاسلام بالفتح فانه يهدف الى الانتصار للمظلومين ، وتحقيق كلمة الله .

۷ـ الأنفال : ۷۲ .

۸ـ تدوين الدستور الإسلامي : ۵۶ ، ۵۷ .

۹ـ ونلفت نظر القارئ الى انها لا تزيد على ان تكون وجهة نظر اجتهادية مستفادة من بعض النصوص الشرعية ، ولا نعتبرها حكما إسلاميا قاطعا .

۱۰ـ تاريخ الطبري ۲ : ۶۳۴ ۶۳۶ .

فالقصة واضحة في الدلالة على ان الدولة الإسلامية بالخيار في احتضان الوافدين اليها او عدم احتضانهم حسب ما يقدره ولي الأمر من مصالح سياسية وبطريق اولى تكون الدولة الإسلامية بنفس الخيار بالنسبة للمسلمين في خارج حدودها فهي مسؤولة عن حمايتهم وتامين معيشتهم الا انها تستطيع ان تعتذر عن ذلك مؤقتا حينما لا يتاح لها ذلك .

۱۱ـ نهج البلاغة ۱: الخطبة ۳۴ .

۱۲ـ حياة الإمام زين العابدين باقر القرشي ۲ : ۲۵۱ .

۱۳ـ السيرة النبوية لابن هشام والبداية والنهاية لابن كثير .

۱۴ـ تعرضت كتب الفقه الإسلامي الى هذا الموضوع ضمن ( كتاب الجهاد ) لدى الحديث عن أحكام أهل الذمة ، وقد ذكروا للذمة شروطا ستة :

الأول : قبول الجزية .

الثاني : ان لا يفعلوا ما ينافي الأمان .

الثالث : ان لا يؤذوا المسلمين .

الرابع : ان لا يتظاهروا بالمناكير .

الخامس : ان لا يحدثوا كنيسة .

السادس : ان يجرى عليهم أحكام المسلمين . شرائع الاسلام المحقق الحلي .

۱۵ـ وسائل الشيعة ۱۱ : الباب ۴۹ من أبواب الجهاد .

۱۶ـ التوبة : ۲۹ .

۱۷ـ وسائل الشيعة : باب ۶۸ من كتاب الجهاد .

۱۸ـ وسائل الشيعة : باب ۴۸ كتاب الجهاد .