النجف عاصمة الثقافة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

ليس المؤتمر الإسلامي السادس لوزراء الثقافة في منظمة الايسيسكو هو أول من وقعت أنظاره على النجف فقرر اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية فحسب ، بل إن سيد النجف وسيد العراق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد اختارها منذ أربعة عشر قرنا عاصمة للخلافة الإسلامية لم يسبقه ولم يلحق به احد في التوفيق لهذا الاختيار فأصبحت النجف منذ ذلك التاريخ قبلة المسلمين وعاصمة فقههم وثقافتهم وعلومهم ، إذ درس فيها الإمام أبو حنيفة على يد أئمة أهل البيت والذي أخذ منه العلوم والفقه أئمة المسلمين من بعد كالإمام الشافعي والإمام احمد بن حنبل … وتخرج منها علماء العلوم الأساسية كجابر بن حيان وغيره ..
لذا أعتبر شخصيا هذا الاختيار هو توفيق لوزراء ثقافة الدول الإسلامية ونجاح سيوثقه التاريخ بحروف من ذهب لمؤتمرهم السادس بل هو نجاح أكبر للمنظمة العالمية ” الايسيسكو” ..
ولابد أن نعلم أن النجف جغرافيا هي الكوفة إذ أن الكوفة والنجف مدينة واحدة وان وضعت الحكومات وضعا إداريا يجعل النجف هي المحافظة والكوفة قضاء تابع لها ، لكن الكوفة والنجف مدينة واحدة ممتدة سكانيا وعمرانيا وإداريا حتى لا يمكن الفصل بينهما ، بيت الإمام علي على أسوار الكوفة ومسجد الإمام علي هو مسجد الكوفة وعندما ارتقى الإمام لبارئه في ۲۱رمضان سنة ۴۰هـ شيع العراقيون سيدهم إلى ارض على حدود الكوفة حيث مرقده الشريف فعمرت المدينة المقدسة من حول المرقد المقدس فكانت النجف .. وهذا فقط للتوضيح أمام البعض لمعرفة الوضع الجغرافي للنجف والكوفة ..
إن ما نحتاجه اليوم إلى جعل هذا العام انطلاقة لنهضة ثقافية فكرية علمية مدروسة من قبل المواطن والحكومة معا ..
وان تصبح النجف كما عهدتها الأمة الإسلامية والعربية بمختلف دياناتها وطوائفها وقومياتها قبلة لملايين المثقفين والكتّاب والأدباء والباحثين في شؤون الثقافة والتراث الإسلامي من مختلف دول العالم،
لا بل يجب أن تتحول الاحتفالية إلى تثبيت هذا العنوان منذ ۲۰۱۲ والى القادم إن شاء الله” ولتختار منظمة الايسيسكو العالمية” عواصم أخرى للثقافة الإسلامية في دول العالم الإسلامي المتعددة ، ولكن النجف يجب أن تكون بهمّة العراقيين شعبا وحكومة والقيادة الثقافية متمثلة بوزارة الثقافة العراقية تكون عاصمة مستديمة للثقافة الإسلامية ويعاد الالق الروحي لهذه العاصمة التي كم هتف العراقيون بأعلى أصواتهم متحدين الطغاة والظلمة والمارقين في كل المناسبات الدينية والرسمية هتفوا ” النجف عاصمتنا ”
لا لأنهم مسلمين فقط أو موالين لأهل البيت بل إن قراءتهم التاريخية للنجف العاصمة جاءت منذ عام ۳۵ للهجرة حيث اختار خليفة المسلمين ووصي رسول الله أمير المؤمنين علي النجف عاصمة لخلافته الإسلامية دون سواها ولإيمانهم العميق برؤية الإمام ونظرته المستقبلية لحياة الأمة وللإنسانية اجمع واستقرار الحياة بتطبيق الشرائع السماوية على الأرض ليحق الحق ويزهق الباطل ويؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر ويُحافظ على حقوق الإنسان وتُحفظ كرامته وعزته فارتأى أن تنطلق كل هذه التطبيقات والأدوار الرسالية من عاصمة اختارها الله تعالى له منطلقا لتطبيق الشرائع السماوية ، فلابد أن تكون هناك جهات مختصة ومخلصة ومتطوعة تعمل على إبراز النجف في أبهى حللها ، لتظهر عراقة هذه المدينة وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ الإنساني والإسلامي وان تهيأ الظروف الكاملة والملائمة لبناء النجف عاصمة للثقافة الإسلامية الدائمة وليس لعام ۲۰۱۲ م فقط …
ولابد أن نشير هنا إلى انه أصبح واجباً شرعياً على الحكومة العراقية الحالية أن تودع سنواتها التي قضتها مشكورة في مواجهة الإرهاب وتأسيس الاعمار والبناء وأن تضع أسسا لمثل هذا المشروع الوطني الحضاري بوضع مراسيم تُكتب لها ذخرا وشرفا وفخرا وتُهيأ برنامجا بعيدا عن أية محاصصة حزبية أو فئوية أو طائفية ، فالعراقيون جميعا مدعوون إلى هذه التظاهرة الثقافية الجماهيرية الحضارية البناءة بكل طوائفهم وقومياتهم ودياناتهم والدعوة يجب أن تكون من حكومة جمهورية العراق رئاسة ووزارات أولا وبشكل رسمي …
ووزارة الثقافة العراقية معنية لا بالاحتفالية التي ستقضيها لعام ۲۰۱۲م فحسب بل لوضع برنامج مدروس من المخلصين والشرفاء وخاصة أولئك الذين بذلوا قصارى جهدهم من اجل إطلاق هذا الحدث الحضاري ، فهم اليوم معنيون بوضع برامج تأسيسية لجعل النجف عاصمة مستديمة للثقافة الإسلامية ..
فالعراقيون في المغترب كما هم في داخل العراق بدءوا بشكل طوعي لاحتضان هذا الحدث وهم في مغتربهم غير منتظرين ۲۰۱۲م ومنهم مؤسستنا مؤسسة بيت النجمة المحمدية التي تعمل في دمشق عاصمة السيدة زينب فهي تعلن استعدادها للتعاون مع كل الجهات المعنية في الإعداد لهذه التظاهرة الحضارية الثقافية التي هي أساس نشر السلم والأمن والاستقرار للشعوب كافة ولشعبنا العراقي بشكل خاص .
وأود أن أنوه إلى أن مؤسسة بيت النجمة المحمدية وعندما أعلن هنا في دمشق عام ۲۰۰۸م عاصمة للثقافة العربية أطلقت منفردة شعار مهرجانها السابع عشر ” ثقافة أهل البيت في عاصمة الثقافة العربية”
وقد حققت بفضل الله تعالى نجاحا ملحوظا من خلال الالتفاف الجماهيري الكبير من أبناء الشعب السوري الشقيق بكل شرائحه الثقافية والفكرية والروحية ومن كافة الطوائف والديانات لان الإنسان بمسيس الحاجة إلى الثقافة الجامعة والموحدة بعيدا عن شعارات براقة عرفها الناس وعرف مضمونها بأنها مكاسب دنيوية فئوية حزبية طائفية ، أما ثقافة أهل البيت فهي ثقافة تجمع الأرواح والأجساد معا فيحلق الناس حول مائدتهم الفكرية لينثر من خلالها بذور السلام والمحبة والمودة ونبذ العنف والاقتتال ونشر الأمن والاستقرار وهذا ما دعت إليه ثقافة الرسالات السماوية التي ورثها أهل البيت وحرصوا على نشرها وتثبيتها حماية لكرامة الإنسان وعزته وان حاربها الجاهلون فهي باقية والطغاة إلى زوال ، من هنا كان النجاح الكبير لهذه التظاهرة في وسط عاصمة الثقافة العربية “دمشق” بمشاركة نخب ثقافية من دول عربية وإسلامية شقيقة وحضور مسيحي مميز بالإضافة لسفراء كل من إيران وأرمينيا والعراق واندونيسيا بالإضافة للجالية العراقية و جاليات عربية وإسلامية مقيمة في سورية ..
فارتقى المنبر أكثر من ثلاثين مفكرا وأديبا ورجل دين ورجال دولة ..
هذا على مستوى مهرجان لمؤسسة واحدة وانفردت بنشاطاتها المختصة بأهل البيت فكيف لو اجتمعت كل المؤسسات العراقية والنخب الثقافية والكوادر الأكاديمية من ذوي الاختصاص في الداخل والخارج بحسن النوايا والإخلاص في العطاء مقرونة بحسها الوطني وانتمائها للعراق وبمؤازرة حكومية رسمية ، انه بالتأكيد ستخرج النجف عاصمة مستديمة للثقافة الإسلامية وليس لعام ۲۰۱۲ م فقط ..
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ” صدق الله العلي العظيم

الكاتب: الدكتور عصام عباس