النص-الجلي-من-السنة

النص الجلي من السنة

فقوله لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليهما : أنت الخليفة من بعدي .

وفي مقام : أنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي والخليفة من بعدي .

وأمره لأصحابه في غير مقام بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين .

وفي مقامات : أنت الصديق الأكبر والفاروق الأعظم وذو النورين الأزهر ويعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة .

وهذه الأقوال بصريحها مفيدة استخلافه عليا عليه السلام على أمته ودالة على إمامته ، فيجب القطع لما على صحة ما نذهب إليه .

إن قيل : لو دلوا على صحة هذه الأخبار ليتم لكم المقصود منها .

قيل : فيما ذكرناه من الأخبار ما تواتر بنقله الخاصة والعامة ، ومنها ما تواترت به الشيعة وضامها على نقله بعض أصحاب الحديث .

فالأول : خبر الدار وهو جمع النبي عليه السلام لبني هاشم أربعين رجلا ، فيهم من يأكل الجذعة ويشرب الفرق ، ويصنع لهم فخذ شاة بمد من قمح وصاع من لبن ، فأكلوا بأجمعهم وشربوا والطعام والشراب بحاله .

ثم خطبهم فقال بعد حمد الله والثناء عليه : إن إلى تعالى أرسلني إليكم يا بني هاشم خاصة وإلى الناس عامة ، فأيكم يوازرني على هذا الأمر وينصرني يكن أخي ووصيي ووزيري ووارثي والخليفة من بعدي ؟ فأمسك القوم ، وقام علي عليه السلام فقال : أنا أوازرك يا رسول الله على هذا الأمر ، فقال : أجلس ، فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي والخليفة من وقد أطبى الناقلون بن الفريقين على هذا كنقلهم المعجزات ، إذ كان من جملتها إطعام الخلق الكثير باليسير من الطعام وهو هذا اليوم ، وكل من روى هذا المقام روى القصة كما شرحناها .

وأيضا فقد أجمع علماء القبلة على يوم الدار وطريق العلم به النقل ، وكل نقل ورد به منقول على ما ذكرناه من النص على علي عليه السلام بالأخوة والوصية والوزارة وشد الأزر والخلافة من بعده ، فلحق هذا التفصيل بتلك الجملة إذ جحده جحد لها .

ومن ذلك : أمره لأصحابه بالتسليم على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين في غير مقام ، وقد تناصر الخبر المتواتر بذلك من طريقي الشيعة وأصحاب الحديث ، من تأمل النقل وجد ذلك ظاهرا في العامة .

وقد قيل في ذلك أشعار معلوم إضافتها إلى قائليها ، كأشعار الشعراء في الجاهلية والاسلام .

فمنه : قول حسان بن ثابت يوم الراية : وكان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لم يحس مداويا إلى قوله :

( فأصفى بها دون البرية كلها عليا ) وسماه الوزير المواخيا والوزارة في عرف النبوة خلافة بغير إشكال ، بدليل قوله : ( واجعل لي وزيرا من أهلي ) ( 1 ) ، أي : خليفة وإماما باتفاق المفسرين .

ولأن اللفظ الذي تضمن الوزارة والأخوة هو اللفظ الذي تضمن الخلافة ، وإنما اقتصر على ذكر بعض المنطوق به اختصارا وتعويلا على علم السامع .

ومنه : قول بريدة الأسلمي : – وقد ركز رايته في بني أسلم وقال : لا أبايع إلا من أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أسلم عليه بإمرة المؤمنين – يا بيعة هدموا بها أسا وجل دعائم إلى قوله :

أمر النبي معاشرا هم أسوة ولازم أن يدخلوا فيسلموا تسليم من هو عالم إن الوصي هو الخليفة بعده والقائم وقال النابغة الجعدي : – وقد سمع أصوات الناس في السقيفة لقيس بن صرمة وعمران بن حصين – قولا لأصلع هاشم إن أنتما لاقيتما ( ه ) لقد حللت . . ..

إلى قوله : وعليك سلمت الغداة بإمرة للمؤمنين فما رعت تسليمهايا خير من حملته بعد محمد أنثى وأكرم هاشم وعظيمها نكثت بنو تيم بن مرة عهده فتبوأت نيرانها جحيمها وتخاصمت يوم السقيفة والذي فيه الخصام غدا يكون خصيمها وطريق العلم بهذه الأشعار كسائر أشعار الشعراء ، وهي دالة على ثبوت النص الجلي من وجهين :

أحدهما : أنه لا داعي لقائلها مع ظهور الكلمة لجحد النص وتولي الأمر من دون المنصوص عليه وإخافة الدائن به إلا الصدق.

الثاني : أنه لم يحفظ عن أحد من الأمة تكذيب لقائليها مع ارتفاع الأعذار كلها في ترك النكير .

والثاني : المختص بتواتر الشيعة الإمامية ، هو ما عدا خبر الدار والتسليم مما ذكرناه ومما لم نذكره .

وطريق العلم بتواترهم : أنا نعلم وكل مخالط وجود فرقة عظيمة من الطائفة الإمامية معروفة بنقل الحديث في كل زمان إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنقل خلف عن سلف حتى يتصلوا بمن شوفه ، بقوله عليه السلام لعلي عليه السلام في مقامات : أنت الخليفة من بعدي ، وأنت سيد المسلمين وإمام المتقين ، إلى غير ذلك من النص الصريح بالإمامة ، وبلوغ كل طبقة منهم الحد الذي يتعذر معه الكذب بتواطؤ أو اتفاق على ما تبناه في النبوات ، فليراع ذلك ، فكل شئ قدح به في نقل الشيعة عائد على نقل المسلمين ، وكل شئ صحح ذلك صحح هذا.

وتأمل ذلك يسقط ما يطالبون به من إثبات سلف للشيعة ، أو دعوى افتعال ، أو حصول كثرة بعد قلة ، أو سبب جامع ، إلى غير ذلك ، فليتأمل .

ووضعنا الاستدلال على الوجه الذي بيناه ليسقط ما لا يزالون يهذون به : من أن النص الجلي لو كان حقا لم يقف نقله على الشيعة ، أو لو كان حقا لكان شائعا ويعم العلم به ، يجري مجرى الصلاة والصوم ونص أبي بكر على عمر .

لأن تواتر العامة بخبر الدار وخبر التسليم يسقط معظم هذا الاعتراض ، وتواتر الفريقين به يقتضي شياعه وسقوط دعوى كتمانه ، وثبوت الحجة بنقله يقتضي عموم تكليفه ، ووقوف العلم على الناظر دون المعرض المحجوج بالتعريف الفاقد للعلم بتقصيره ، إذ ليس من شرط التكليف أن يعلم وجوبه أو قبحه ضرورة ، بل ذلك موقوف على ما يعلمه تعالى من الصلاح للمكلف ، وهذا أصل مقرر بين أهل العدل ، لولا ثبوته يسقط تكليف المعارف العقلية وما يبتني عليها من الشرعيات الموقوف عليها على الاكتساب .

وخالف حال النص ( على ) علي عليه السلام لنص أبي بكر على عمر والنص على الصلاة .

لأنه لا صارف عن نقل نص أبي بكر لمخالف ولا مؤالف ، هذا يتدين به وذلك لا يرتفع بثبوته ، ولا خوف ديني ولا دنيوي في نقله ، وكذلك حكم الصلاة والزكاة ، وحال النص في علي عليه السلام على خلاف ذلك .

على أنا نعلم وهم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على صلاة سادسة ولا على سلمان ، ونقطع جميعا على بهت من ادعى ذلك وكذبه ، وليست هذه حالنا في دعوى النص على علي عليه السلام ، فإذا جاز أن يفقد النص على شيئين يختلف حال العلم بإثباتهما .

على أنا نورد طرقا من نقل أصحاب الحديث لهذا الضرب من النص ( ترد ) هذا الاعتراض :

فمن ذلك : ما رووه عن أبي سعيد الخدري وعن ابن عباس وعن زيد بن أرقم وعن بريدة الأسلمي جميعا ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من كنت وليه فعلي وليه .

ورووا من طرق عن بريدة الأسلمي ومحمد بن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : علي وليكم من بعدي .

ورووا عن عمران بن حصين وابن عباس وبريدة الأسلمي وجابر بن عبد الله الأنصاري ، كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : علي مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن من بعدي .

ورووا عن عبد الله بن الحارث قال : دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده عائشة ، فجلس بينهما ، فقالت : ما وجدت لاستك موضعا إلا فخذي أو فخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

مهلا ، ولا تؤذيني في أخي ، فإنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وأمير الغر المحجلين يوم القيامة ، يقعده الله على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار .

ورووا عن عبد الله بن أسعد بن زرارة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله ، عليه وآله وسلم : لما أسري بي إلى السماء أوحي إلي في علي عليه السلام : أنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين .

ورووا عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اسكب لي وضوءا ، فتوضأ ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أنس يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين .

قلت : اللهم اجعله رجلا من الأنصار إذ جاء علي عليه السلام ، فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي ، فقام مستبشرا واعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهة علي عليه السلام .

فقال علي عليه السلام : لقد رأيتك صنعت اليوم في شيئا ما صنعته بي قط .

قال : وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم الذي اختلفوا فيه بعدي .

ورووا عن رافع مولى عائشة قال : جاءت جارية بإناء مغطى فوضعته بين يدي عائشة ، فوضعته عائشة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمد يده فأكل ، ثم قال : ليت أمير المؤمنين وسيد المسلمين يأكل معي .

فقالت عائشة : ومن أمير المؤمنين ؟ فسكت .

ثم جاء جاء فدق الباب ، فخرجت إليه فإذا علي بن أبي طالب عليه السلام ، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته ، فقال : أدخليه ، فدخل .

فقال : مرحبا وأهلا ، والله لقد تمنيتك حتى لو أبطأت علي لسألت الله عز وجل أن يجيئني بك ، إجلس فكل ، فجلس فأكل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قاتل الله من قاتلك ، عادى الله من عاداك ، الحديث .

ورووا عن جابر بن سمرة قال : كان علي عليه السلام يقول : أرأيتم لو أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض من كان يكون أمير المؤمنين إلا أنا .

وربما قيل له : يا أمير المؤمنين ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليه ويتبسم .

ورووا عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعدا مع أصحابه ، فرأى عليا عليه السلام ، فقال : هذا أمير المؤمنين وسيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين .

ورووا عن زكريا بن ميسرة ، عن أبي إسحاق ، عن محمد بن علي عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عرج بي ، فانتهو بي إلى السماء السابعة ، فأوحى الله إلي في علي عليه السلام ثلاث : سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين .

ورووا عن بريدة الأسلمي من عدة طرق أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين .

ومن طرق أنه قال عليه السلام لأبي بكر وعمر : إذهبا فسلما على أمير المؤمنين .

قالا : يا رسول الله وأنت حي ؟ ، قال عليه السلام : وأنا حي .

وفي رواية أخرى : إن عمر قال : يا رسول الله أمن الله أم من رسوله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

بل من الله ورسوله .

ورووا عن المسعودي ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي ، عن أبيه ، عن جده قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته حوله أصحابه من المهاجرين والأنصار وعائشة إلى جنبه ، وذلك قبل أن يضرب الحجاب عليهن .

فجاء علي عليه السلام فلم ير مجلسا ، فجلس بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة ، فقالت عائشة : يا بن أبي طالب ما وجدت مجلسا إلا فخذي ، في هذا اليوم تحول بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما هذا بأول ما لقيت منك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فضرب كتفها ، فقال .

يا حميراء لا تؤذيني في أخي وسيد المسلمين بعدي وأولى الناس بالناس بعدي ، والله ليقعدنه الله على الصراط فليقسمن النار فيقول : هذا لي وهذا لك ، فيدخلن الله وليه الجنة ، وليدخلن عدوه النار ورووا عن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن سلمان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يا معشر المهاجرين والأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا بعدي ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هذا علي أخي ووزيري ووارثي وخليفتي إمامكم فأحبوه لحبي ، وأكرموه لكرامتي ، فإن جبرئيل عليه السلام أمرني أن أقوله لكم .

ورووا عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلكم على ما إن استدللتم عليه لم تهلكوا ولم تضلوا ، إن إمامكم ووليكم علي بن أبي طالب عليه السلام فوازروه وناصحوه وصدقوه ، إن جبرئيل عليه السلام أمرني بذلك .

ورووا عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه عليهما السلام ، عن علي عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة عليها السلام : يا بنية إن الله عز وجل أشرف على أهل الدنيا فاختار أباك على رجال العالمين ، فاصطفاني بالنبوة وجعل أمتي خير الأمم ، ثم أشرف ربي الثانية فاختار زوجك علي بن أبي طالب على رجال العالمين ، فجعله أخي ووزيري وخليفتي في أهلي ، الحديث .

ورووا عن مطر بن خالد قال : سمعت أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أخي ووصيي وخير من أترك بعدي علي بن أبي طالب عليه السلام .

ورووا عن أنس قال : كنت خادما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبينا أنا أوضيه ، إذ قال : يدخل واحد هو أمير المؤمنين وسيد المسلمين وخير الوصيين وأولى الناس بالناس وأمير الغر المحجلين .

قلت : اللهم اجعله رجلا من الأنصار حتى قرع الباب ، فإذا علي عليه السلام ، فلما دخل عرق وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرقا شديدا ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجهه بوجه علي عليه السلام .

فقال علي عليه السلام : ما لي يا رسول الله أنزل في شئ ؟ فقال : أنت مني تؤذي عني وتبرئ ذمتي وتبلغ رسالتي.

فقال : يا رسول الله : أو لم تبلغ الرسالة ؟ قال : بلى ، ولكن تعلم الناس من بعدي تأويل القرآن ما لم يعلموا أو تخبرهم .

ورووا عن عمرو المسلي قال : سمعت جابر الجعفي يقول : أخبرني وصي الأوصياء قال : دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده عائشة ، فجلس قريبا منها ، فقال :

يا عائشة لا تؤذيني في أمير المؤمنين وسيد المسلمين ، يقعد غدا يوم القيامة على الصراط ، فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار .

ورووا عن أبي المنذر الهمداني ، عن أبي داود ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : كنا إذا سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان علي عليه السلام صاحب متاعه ، فإن رأى شيئا يرمه رمه ، وإن كانت نعل خصفها ، فنزلا منزلا ، فأقبل علي عليه السلام يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ودخل أبو بكر فسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

إذهب فسلم على أمير المؤمنين ، قال : يا رسول الله وأنت حي ! قال : وأنا حي .

قال : ومن ذلكم ؟ قال ؟ خاصف النعل .

ثم جاء عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

اذهب فسلم على أمير المؤمنين .

قال بريدة : وكنت أنا فيمن دخل معهم ، فأمرني أن أسلم على علي عليه السلام ، فسلمت عليه كما سلموا .

ورووا عن حبيب بن يسار وعثمان بن نسيطة مثله .

وعن أبي بريده مثله .

ورووا عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام :

يا علي من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله .

ورووا عن أبي هارون العبدي ، عن زاذان ، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة فقال :

أيها الناس إن الله باهى بكم اليوم ليغفر لكم عامة ويغفر لعلي عليه السلام خاصة .

فقال : ادن مني يا علي ، فدنا ، فأخذ بيده ثم قال : إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أطاعك وتولاك من بعدي ، وإن الشق كل الشقي حق الشقي من عصاك ونصب لك العداوة من بعد .

ورووا عن أبي أيوب مثله ، إلا أنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :

يا إيها الناس إن الله باهى بكم في هذا اليوم فغفر لكم عامة وغفر لعلي عليه السلام خاصة ، فأما العامة ففيهم من يحدث بعدي أحداثا ، وهو قول الله عز وجل : ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ( 2 ) وأما الخاصة فطاعته طاعتي ومن عصاه فقد عصاني .

ورووا عن أبي عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام :

يا علي من خالفك فقد خالفني ومن خالفني فقد خالف الله عز وجل .

ورووا عن ابن أبي ليلى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

ما من رجل مسلم إلا وقد وصل ودي إلى قلبه ، وما وصل ودي إلى قلب أحد إلا وصل من ود علي عليه السلام إلى قلبه .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كذب يا علي من زعم أنه يبغضك ويحبني ، حتى قالها ثلاثا .

وهذه نصوص صريحة على فرض طاعة علي كالنبي عليهما الصلاة والسلام ، وذلك مقتض لإمامته ، لأنه لا أحد يثبت طاعته كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من يثبت إمامته ، وعلى كونه خليفة من بعده ، وولي أمره ، وأولى الخلق بأمته ، وسيد المسلمين وأمير المؤمنين .

قد نقلها من ذكرنا وأضعافهم من رجال العامة ، كل منها مقتض بصريحه النص عليه بالإمامة .

وأما النص المعلوم مراده منه صلوات صلى عليه بالاستدلال : فخبرا تبوك والغدير ، وطريق العلم بهما كبدر وأحد وحنين وغزا تبوك وحجة الوداع وصفين والجمل .

لأن كل ناقل لغزاة تبوك ناقل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .

وكل من نقل حجة الوداع نقل نزول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم ، وجمع الناس به ، وقيامه فيهم خطيبا ، وتقريره الأمة علي فرض طاعته ، وقوله بعد الاقرار منهم : من كنت مولاه فعلي مولاه .

كما أن كل من روى بدرا روى مبارزة علي وحمزة وأبي عبيدة لشيبة وعتبة والوليد وقتل الثلاثة .

وكل من روى أحدا روى قتل وحشي حمزة بن عبد المطلب عليه السلام .

وكل من روى الجمل روى قتل طلحة والزبير ، وعقر الجمل ، وهزيمة أنصاره .

وكل من روى صفين نقل قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه ذي الكلاع الحميري لعنه الله ، ورفع المصاحف .

وحصول العلم بهذا التفصيل لكل مخالط متأمل للسير والآثار كالجمل .

وإذا كان العلم بخبري تبوك والغدير جاريا مجرى ما ذكرناه من الوقائع المعلومة على وجه يقبح الخلاف فيه ، لم يحتج إلى استدلال على إثباتهما ، كما لم يحتج إليه في شئ من الوقائع – وما ذكرناه من تفصيل الحادث فيها .

هذا مع علمنا وكل متأمل للروايات بثبوت ذين الخبرين في نقل من لم يرو المغازي ممن تقوم الحجة بنقله من الخاصة والعامة ، فشاركا لعامة الوقائع في النقل ، واستبدا بنقل متواتر من الشيعة وأصحاب الحديث ، فيجب الحكم بتساوي الطريق إلى العلم بالجميع إن لم يحكم لما ذكرناه بالزيادة لما بينا من المزية على الوقائع .

وليس لأحد أن يقول : إن الأمر لو كان كذلك لاشترك في العلم به العامي والخاص .

لأن العلم به ليس من كمال العقل فيجب القول بعمومه ، وإنما يحصل للمخالط المتأمل للآثار على الوجه الذي ذكرناه ، دون البعيد عنهما ، كأمثاله من المعلومات التي يعلم العلم بها من خالط العلماء وتأمل النقل ، ولا يحصل للمعرض ، كتفصيل ما جرى في بدر وأحد والجمل وصفين وتبوك وحجة الوداع ، وكون الركوع والسجود والطواف والوقوف بعرفة من أركان الصلاة والحج ، وتعلق فرض الزكاة بأنواع التسعة ، وإيجاب تعمد الأكل والشرب والجماع في الصوم بالقضاء والكفارة ، إلى باقي أحكام هذه العبادات ، وما ثبت تحريمه من المأكل والمشارب والمناكح والمعايش وأحكام البيوع والشهادات والقصاص والمواريث ، والمعلوم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله وسلم وجوبها ، مع وجود أكثر العامة وقطان البدو والسواد جاهلين بجميعها أو معظمها ، لتشاغلهم بما بينهم من المعايش والأغراض الدنيوية .

فإن كان جهل العامي المعرض عن سماع النقل بخبري الغدير وتبوك قادحا في عموم علمهما لكل مخالط متأمل للآثار فكجهل من ذكرناه من العوام وأهل البدو والسواد والجند والأكراد بما يعم العلم به من تفاصيل الحروب الدينية والأحكام الشرعية قادح فيما أجمع عليها المسلمون منها وعم العلم به للأكل مخالط متأمل ، وهذا ما لا يطلقه أحد من العلماء ، لعظيم ما فيه .

وإن كان جهل هؤلاء الحاصل فيهم لتشاغلهم عن مخالطة العلماء وإعراضهم عن سماع النقل والفتيا غير قادح في عموم العلم بها اتفق العلماء عليه وعلم من دينه صلى الله عليه وآله من الشرعيات ، لم يقدح جهل العوام وطغام الناس بخبري تبوك والغدير في ثبوتهما وعموم العلم بهما .

ولذلك لا نجد أحدا من علماء القبلة قديما وحديثا ينكرهما ولا يقف في صحتهما ، كما لا يشك في شئ من الأحكام المجمع عليها ، وإن خالف في المراد بهما .

ولا يقدح في هذا ما حكاه الطبري عن ابن أبي داود السجستاني من إنكار خبر الغدير .

بل ذلك يؤكده ، لأنه لا شبهة في عموم العلم بما انقضت الأعصار خالية من منكر له ، مع ثبوت الاحتجاج به على أكثر أهلها ، ووقوف دعوى إنكاره على واحد لا ثاني له ، قد سبقه إجماع أهل الأعصار وتأخر عنه ، إذ بهذا تميزت المعلومات العامة من غيرها ، ولم يقدح فيها – بعد استقرارها وانقراض العصر بفتيا صحتها واتفاق العلماء على عموم الحجة بها – حدوث مخالف فيها ، بل أطرح الكل قوله ، لولا ذلك لبطلت الشريعة جملة ، إذ لا معلوم منها إلا وقد حدث من يخالف فيه .

على أن المضاف إلى السجستاني من ذلك موقوف على حكاية الطبري ، مع ما بينها من الملاحاة والشنآن ، وقد أكذب الطبري في حكايته عنه ، وصرح بأنه لم ينكر الخبر ، وإنما أنكر أن يكون المسجد بغدير خم متقدما ، وصنف كتابا معروفا يعتذر فيه مما قرفه به الطبري ويتبرأ منه .

وما يجري حاله في الثبوت هذا المجرى الذي لا يمكن دعوى مخالف فيه إلا واحد ( اجتمع) عليه العلماء بخلافه ، ويعتذر هو مما أضيف إليه ، ويكذب الحاكي عنه الذاهب إليه مستغن عن إقامة حجة على صحته .

وليس لأحد أن يقول : فإذا كان العلم بخبري تبوك والغدير عاما ، فلم فزع أكثر سلفكم إلى إيراد الأسانيد بهما وإثبات طريق النقل لهما ؟ وأي حاجة فيما عم العلم به كبدر وحنين إلى ترتيب نقل ؟

لأن العلماء من سلفنا وخلفنا – رضي الله عنهم – لم يعولوا في إثبات ذين الخبرين إلا على ما ذكرناه ، وإنما نبهوا في الاستدلال على الطريق وصفة التواتر تأكيدا للحجة وتنبيها للمعرض على الطريق التي يعم العلم بتأملها .

وجروا في ذلك مجرى من يسأل بيان العلم بصفة حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل هي قران أو إفراد أو تمتع ؟ وأعيان المخلفين عن غزاة تبوك ؟

وهل كانت ذات حرب أم لا ؟ وبقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم أحد دون غيره ؟ وبقتل عتبة وشيبة والوليد ببدر ؟

في فزعه إلى الإشارة إلى كتب أصحاب السيرة وطرق الناقلين لذلك لا يجد مندوحة عنه ، إذ هو الطريق الذي منه لحق التفصيل بالجمل في عموم العلم ، ولذلك يجد كل من لم يخالط العلماء ويسمع الأخبار ويتأمل الآثار من العوام وأهل السواد والأعراب وأشباههم لا يعلم شيئا من ذلك ، ولا يكون التنبيه لهم على طريق العلم بما نقله الرواة وأصحاب السير من تفاصيل ما جرى قادحا في عموم العلم بها لكل متأمل للآثار .

كذلك حال المنبه من شيوخنا – رضي الله عنهم – على طرق الناقلين والمشير إلى صفات المتواترين بخبري تبوك والغدير للمعرض عن سماع ذلك ليس بقادح فيما بيناه من عموم العلم بهما للمتأملين .

على أن بإيراد ما نقله أصحاب الحديث من الخاصة والعامة حصل للسامع العلم بهما ، كما ينقل الرواة للمغازي حصل العلم بها لكل سامع ، وكيف يكون التنبيه على طريق عموم العلم بالمنقول قادحا فيه لولا الغفلة .

وإذا كانت الحجة ثابتة بهما على الوجه الذي ذكرناه تعين فرض النظر فيهما ليعلم المراد بهما ، ومتى فعل هذا الواجب دل فاعله على كون كل منهما دالا على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من وجوه .

أما خبر تبوك ، فإنه صلوات الله عليه دل به على أن عليا عليه السلام منه بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة في الحال التي استثنى فيها ما لم يرد ثبوته لعلي عليه السلام من النبوة ، وذلك يقتضي ثبوت ما عداها من منازل هارون لعلي عليه السلام بعد وفاته ، ودال على استخلافه له بهذا القول من وجوه :

منها : أن من جملة منازل هارون عليه السلام كونه خليفة لموسى عليه السلام على بني إسرائيل ، وقد نطق بذلك القرآن في قوله سبحانه : ( وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ) ( 3 ) الآية ، وأجمع عليه المسلمون ، فيجب كون علي من رسول الله صلى الله عليه وآله وعليهما كذلك ، إذ لا فرق بين أن يقول فيه : أنت الخليفة من بعدي ، وبين أن يقول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، مع علم المخاطب بكون هارون خليفة لموسى ، كما لا فرق بين قول الملك الحكيم لمن يريد استيزاره : أنت وزيري ، أو : أنت مني بمنزلة فلان من فلان المعلوم كونه وزيرا له .

ومنها : أن من جملة منازل هارون كونه مفترض الطاعة على كافة بني إسرائيل ، فيجب كون علي عليه السلام كذلك ، وذلك يوجب إمامته ، إذ لا فرق بين أن يقول عليه السلام : أنت الخليفة من بعدي أو إمام أمتي أو المفترض الطاعة عليهم ، أو أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، مع علم السامع والناظر بكون هارون مفترض الطاعة على كافة بني إسرائيل .

ومنها : أن من جملة منازل هارون كونه مستحقا لمقام موسى عليه السلام باتفاق ، فيجب أن يكون علي عليه السلام كذلك ، إذ لا فرق بين أن يقول عليه السلام : أنت مستحق لمقامي ، أو أنت مني بمنزلة هارون المعلوم استحقاقه لمقام موسى عليه السلام .

وليس لأحد أن يقدح فيما ذكرناه : بأن الاستحقان وفرض الطاعة والاستخلاف كان لهارون بالنبوة ، وقد استثناها النبي ملى الله عليه وآله وسلم ، فيجب أن يلحق بها في النفي ما هو موجب عنها .

لأنا نعلم ( عدم ) وقوف الاستخلاف وفرض الطاعة على النبوة ، لصحة استحقاق ذلك من دونها ، والمعلوم ثبوت الاستحقاق والاستخلاف وفرض الطاعة لهارون عليه السلام ، ولا سبيل إلى العلم بوجهه .

على أنه لو سلم لهم ذلك لم يضرنا ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع في الاستحقاق ، فيجب الحكم بمشاركتهما فيه ، وإن اختلفت جهتاه ، إذ كان اختلاف جهات الاستحقاق لا يمنع من المشاركة فيه بغير إشكال .

وإنما كان يكون في كلامهم شبهة لو كان فرض الطاعة والخلافة لا يثبتان إلا لنبي ، ليكون استثناء النبوة استثناء لهما ، والمعلوم خلاف ذلك ، فليس استثناؤها يقتضي استثناء المنازل الثابتة بها ، ( وإلا ) لم يكن في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فائدة ، لأنه لا يبقى شئ من منازل هارون يصح إثباته لعلي عليه السلام حسب ما تضمنه لفظ النبي ودل منه على مراده ، وذلك مما لا يصح وصفه به .

فلم يبق إلا القول بثبوت منازل هارون له بعد النبوة أو بها ، وليس في استثنائها استثناء المنازل ، ليصح مقصود النبي صلى آله عليه وآله وسلم .

وليس لأحد أن يقول : المحبة والنصرة غير موجبين عن النبوة كالخلافة وفرض الطاعة الثابتين عنها ، فإذا استثناها باستثناء مقتضيهما بقيت المحبة والنصرة ، فتخصص مراده بهما ، وذلك يخرج كلامه عليه السلام عن العبث .

لأن المحبة والنصرة كالخلافة وفرض الطاعة في صحة كونهما موجبين عن النبوة ، كصحة كون الخلافة وفرض الطاعة ثابتين بغير النبوة ، إذا كانت هذه القضية واجبة فمطلق قوله صلى الله عليه وآله وسلم يتناول جميع المنازل الهارونية ، إلا ما استثناه من النبوة التي لا يدل استثناوها على استثناء بعض المنازل دون بعض ، لصحة استحقاق الكل بها ، وخروج ثبوت الجميع عن مقتضاها ، فلو أراد بعض ما عدا المستثنى لوجب عليه بيانه ، وفي إطلاقه صلى الله عليه وآله وإمساكه عن الإبانة بتخصيص مراده ببعض المنازل دليلا على إرادته الجميع .

وأيضا فإن المحبة والنصرة معلوم ضرورة لكل سامع مقبر بالنبوة ومنكر لها ثبوتها لعلي من النبي صلوات الله عليهما ، فلا فائدة أيضا إذا في إعلام ما لا يدخل في معلومه شبهة .

على أن ذلك لو صح أن يكون مرادا – مع بعده – وقصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لنص عليه خاصة ، ولم يحتج إلى إطلاق لفظ موهم له ولغيره مع عدم الإبانة .

ولا يجوز أن يقال : على هذا لو أراد الخلافة لنص عليها بعينها ، ولم يحتج إلى قول يحتملها وغيرها .

لأنه عليه السلام أراد بما قاله الخلافة وما عداها من المنازل الهارونية عدا النبوة ، ولو نص على الخلافة أيضا لا يستفد من نصه غيرها ، فافترق الأمران ، ( و ) المنة لله .

وليس لهم أن يقولوا : لو أفاد الخبر فرض الطاعة والاستخلاف لكان ثابتا في حياته كثبوت ذلك لهارون من موسى عليهما السلام ، والاجماع بخلاف ذلك .

لأن الخبر إذا كان مفيدا للاستخلاف بما أوضحناه وجب حمله على عرف الاستخلاف ، وقد علمنا أنه لا يفهم من قول الملك لغيره : أنت خليفتي والقائم مقامي ، إلا بعد وفاته .

وأيضا فإن الخبر إذا وجبت به إمامته عليه السلام على كل حال ، فمنع الإجماع من ثبوتها في حال الحياة ، بقيت أحوال بعد الوفاة .

وبعد ، فإنا قد أوضحنا أنه عليه السلام قد أفصح في كلامه بمراده ، فأغنى الناظر عن هذا القدح بقوله : إلا أنه لا نبي بعدي ، فنفى النبوة بعده ، فاقتضى ذلك أن يكون ما عدا المستثنى ثابتا في الحال التي نفى فيها ما لم يرده من المنازل ، فناب ذلك مناب قوله صلى الله عليه وآله : أنت مني بعد وفاتي بمنزلة هارون من موسى في حياته ، لأن إطلاق الاستحقاق وفرض الطاعة يتناول زماني الحياة الوفاة ، فإذا استثنى ما لم يرده من المنازل التي لولا الاستثناء لكانت ثابتة في حال بعد الوفاة ، اختص مراده صلى الله عليه وآله بها دون حال الحياة ، لأنه لا فرق بين قول القائل لصاحبه : اضرب غلماني يوم الخميس إلا زيدا ، وبين قوله :

اضرب غلماني إلا زيدا يوم الخميس ، في تخصيص أمره بإيقاع الضرب بالمأمور بهم بيوم الخميس .

ولا يجوز حمل قوله عليه السلام : بعدي ، على بعد نبوتي ، لأنه رجوع عن الظاهر الذي لا يفهم من إطلاقه إلا بعد الوفاة ، كقوله صلى الله عليه وآله :

لا ترجعوا بعدي كفارا .

أو كقوله لعلي عليه السلام : ستغدر بك الأمة بعدي .

وقوله : تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين .

في إفادة ذلك أجمع بعد الوفاة بغير إشكال .

ولأن الخبر قد أفاد فرض الطاعة والإمامة ، فمنع ذلك من حمله على ما قالوه .

ولأنه لا أحد قال إن الخبر يفيد الإمامة إلا قال بثبوتها بعد وفاته عليه السلام ، وقد دللنا على اختصاص إفادته لذلك .

ولو سلم ما قالوه لاقتضى استحقاق علي عليه السلام الإمامة وفرض الطاعة في كل حال ، انتفت فيه النبوة من بعد ثبوتها له ، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع عليه المسلمون .

ولا يعترضنا قولهم : إن لفظ : منزلة لفظ توحيد ، وأنتم تحملونها على جملة منازل .

لأن القائل قد يعبر عمن له عدة منازل من السلطان فيقول : منزلة فلان من السلطان جليلة ، وهو يريد الجميع ، ويوضح ذلك ثبوت الاستثناء مع قبح دخوله في لفظ الواحد ، إذ كان من حقه أن يخرج من الجملة ما تعلق به ويبقى ما عداه .

وإذا ثبت أن لفظ : منزلة متناول لعدة منازل ، بدليل دخول الاستثناء الذي لا يدخل إلا على الجمل ، فكل من قال بذلك قال إن الخبر مفيد للإمامة .

وليس لأحد أن يقول : إنه عليه السلام لو أراد الخلافة لشبهه بيوشع .

لأنا قد بينا دلالة الخبر على الخلافة مع تشبيهه بهارون ، فاقتضى ذلك سقوط السؤال ، إذ كان الاقتراح في الأدلة باطل .

على أن لعدوله صلى الله عليه وآله بتشبيهه بهارون عن يوشع وجهين :

أحدها : أن خلافة هارون منطوق بها في القرآن ومجمع عليها ، وخلافة يوشع مقصورة على دعوى اليهود العرية من حجة .

الثاني : أنه عليه السلام قصد مع إرادة النص على علي عليه السلام بالإمامة إيجاب باقي المنازل الهارونية من موسى له منه : من النصرة وشدة الأزر والمحبة والاخلاص في النصيحة والتأدية عنه ، ولو شبهه بيوشع لم يفهم منه إلا الخلافة ، فلذلك عدل إلى تشبيهه بهارون عليه السلام .

وأما خبر الغدير ، فدال على إمامته عليه السلام من وجهين :

أحدهما : أنه صلوات الله عليه قرر المخاطبين بما له عليهم من فرض الطاعة بقوله : ألست أولى بكم منكم بأنفسكم ، فلا أقروا قال عاطفا من غير فصل بحرف التعقيب : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، وذلك يقتضي كون علي عليه السلام مشاركا له صلوات الله عليه وآله في كونه أولى بالخلق من أنفسهم ، وذلك مقتض لفرض طاعته عليهم ، وثبوتها على هذا الوجه يفيد إمامته بغير شبهة .

إن قيل : دلوا على أن من جملة أقسام مولى أولى ، وأنها في الخبر مختصة به ، وأن أولى يفيد الإمامة .

قيل : أما كون أولى من جملة أقسام مولى فظاهر في العربية ظهورا لا يدخل فيه شبهة على أحد عرفها ، لثبوتها من جملة أقسامها ، وحصول النص منهم عليها ، كالمالك والمملوك ، ونص أهلها على كونها من جملة الأقسام كهما ، وقد نطق القرآن بذلك في قوله تعالى : ( مأواكم النار هي مولاكم ) ( 4 ) ، يريد : أولى بكم ، وقوله سبحانه : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) ( 5 ) ، يريد : أولى بالميراث بغير خلاف بين علماء التأويل ، ولأنه لا تحتمل لفظة مولى في الآيتين إلا الأولى .

على أن اشتقاق أقسام مولى يرجع إلى الأولى على ما بينته ، وذلك يوجب حملها عليه ، لكونها حقيقة في الأولى دون سائر الأقسام .

وأما كونها مقصودة في الخبر دون سائر الأقسام ، فمن وجهين :

أحدهما : أنها الأصل لسائر أقسام مولى ، فيجب حمل مطلقها عليها ، كخطاب سائر الحكماء .

الثاني : اتفاق العلماء بالخطاب على أن تقديم البيان على المجمل ، وطريق المخاطبين على المراد به أبلغ في الإفهام من تأخيره .

يوضح ذلك : أن مواضعة المكلف سبحانه على معنى صلاة وزكاة قبل الخطاب بهما أبلغ قي البيان من تأخير ذلك عليه ، وأن قول القائل لمن يريد إفهامه : ألست عارفا بأخي زيد الفقيه ، وداري الظاهرة بمحلة كذا ؟ فإذا قال :

بلى ، قال : فإن أخي ارتد وداري احترقت ، أبلغ في الإبانة عن مراده من تأخير هذا البيان عن قوله : ارتد أخي ، واحترقت داري ، لوقوع العلم بمقصوده مع الخطاب الأول في الحال ، وتراخيه مع الثاني ، ولاختلاف العلماء فيما يتأخر بيانه ، وهل هو بيان له أم لا ؟ واتفاقهم على كون ما تقدم بيانه مفيدا للعلم بالمراد حين يسمع المجمل .

وإذا تقرر هذا ، وكنا وخصومنا وكل عارف بأحكام الخطاب متفقين على أنه صلوات الله عليه وآله لو قال بعد قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه أردت بمولى أولى ، لم يحسن الشك في إرادته بلفظة مولى أولى ، ولم يستحق المخالف فيه جوابا إلا التنبيه على غفلته ، فتقديمه صلوات الله عليه وآله التقرير على الأولى وإتيانه بعده بالمجمل أبلغ في بيان مراده من التقرير الأول ، على ما أوضحناه من ذلك .

وليس لأحد عرف الخطاب أن يقول : دلوا على أن الكلام الثاني مبني على الأول ، وأن الأول بيان له .

لأن دخول الفاء المختصة بالتعقيب في الكلام الثاني يوجب تعلقه بالأول على أخص الوجوه ، وتعلقه به مع احتماله – لو انفرد – له ولغيره من المعاني دليل على كونه بيانا له ، لأن قوله صلى الله عليه وآله : فمن كنت مولاه ، متعلق بقوله :

ألست أولى بكم ، بمقتضى العطف وتعلقه به يقتضي إرادة مولى ، لترتبه عليه وكونه بيانا له ، وقوله عليه السلام إثر ذلك : فعلي مولاه جار هذا المجرى ، فيجب إلحاقه به ، والحكم له بمقتضاه .

وأما إفادة الأولى للإمامة فظاهر ، لأن حقيقة الأولى الأملك بالتصرف الأحق بالتدبير ، يقولون : فلان أولى بالدم وبالمرأة وباليتيم وبالأمر ، بمعنى الأحق الأملك ، فإذا حصل هذا المعنى بين شحص وجماعة اقتضى كونه مفترض الطاعة عليهم ، من حيث كان أولى بهم من أنفسهم في تقديم مراداته وإن كرهوا واجتناب مكروهاته . وإن أرادوا ، وعلى هذا خرج قوله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ( 6 ) ، وعليه قررهم صلى الله عليه وآله .

وإذا وجب مثله للمنصوص عليه به وجبت طاعته على الوجه الذي كان له عليه السلام ، ووجوبها على هذا الوجه يقتضي إمامته بغير نزاع .

وبهذا التحرير تسقط شبهة من يظن اختصاص أولى بشئ دون شئ ، أو بحال دون حال ، أو مكلف دون مكلف ، لأن ترتبها على ما قرره صلوات الله عليه وآله من فرض الطاعة الثابت عمومها للمكلفين والأحوال والأمور يوجب المشاركة له صلوات الله عليه وآله في جميع ذلك ، ولأنه لا أحد قال إن مراده بمولى أولى إلا قال بإيجاب طاعته عليه السلام على الجميع ، وعمومها للأحوال والأمور .

والوجه الثاني : من الاستدلال : أن مجرد قوله عليه السلام : من كنت مولاه فعلي مولاه يدل على أنه عليه السلام أراد الأولى المفيد للإمامة – لما قررناه – من وجوه ثلاثة :

منها : أن لفظ مولى حقيقة في الأولى ، لاستقلالها بنفسها ، ورجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها ، لأن المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه وبحمل جريرته ، والمملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه ، والمعتق والمعتق كذلك ، والناصر لكونه أولى بنصرة من نصره ، والحليف لكونه أولى بنصرة حليفه ، والجار لكونه ولى بنصرة جاره والذب عنه ، والصهر لكونه أولى بمصاهره ، والإمام والورا لكونه أولى بمن يليه ، وابن العم لكونه أولى بنصرة ابن عمه والعقل عنه ، والمحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبه ومواده .

وإذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر أقسامها ، كوجوب ذلك في سائر الخطاب الجاري هذا المجرى .

الثاني : أن لفظة مولى لو كانت مشتركة بين سائر الأقسام وغير مختصة .

ببعضها لوجب حمل خطابه صلوات الله عليه وآله بها على جميع محتملاتها إلا ما منع منه مانع ، كوجوب مثل ذلك في خطاب مشترك فقدت الدلالة من المخاطب به على تخصص مراده ببعض محتملاته .

الثالث : أنه عليه السلام جمع الخلق لهذا الأمر وأظهر من الاهتمام به ما لم يظهر منه في شئ مما أتى به ، ولا بد لذلك من غرض مثله ، لأن خلوه من غرض أو غرض مثله عبث وسفه ، ولا يجوز وصفه عليه السلام به .

ولا يجوز أن يريد عليه السلام المالك ، ولا المملوك ، ولا المعتق ، ولا المعتق ، ولا الحليف ، ولا الجار ولا الإمام ، ولا الورا ، ولا الصهر ، لحصول العلم الضروري بخلاف ذلك أجمع .

ولا يجوز أن يريد ابن العم ، لأنه لا فائدة فيه ، لحصول العلم به قبل خطابه .

ولا يجوز أن يريد ولاية المحبة والنصرة ، لوجوبهما على كافة المسلمين ، فلا وجه لتخصيصه عليا بها .

فلم يبق إلا الأولى الأحق بالتدبير الأملك بالتصرف .

وليس لأحد أن يحمل مراده عليه السلام بلفظة مولى على الموالاة على الظاهر والباطن – حسب ما وجب له عليه السلام على المخاطبين – من وجوه :

منها : أن طريقته المقدمة تمنع منه .

ومنها : كون مولى حقيقة في أولى يجب لها حمل المراد عليها حسب ما بيناه .

ومنها : وجوب حمل اللفظ المحتمل للأشياء على جميع محتملاته ، فلو كان ما ذكروه مما يحتمله لفظة مولى لوجب دخوله تحت المراد من غير منافاة لإرادة الأولى .

ومنها : أن الموالاة على الباطن ليست من أقسام مولى في لغة العرب المخاطبين بها ، فلا يجوز حمل خطابه عليه السلام على ما لا يفيد مطلقه من غير مواضعة تقدمت ولا بيان تأخر .

ومنها : أنه لو كانت هذه الولاية من جملة الأقسام لوجب – لو أرادها – أن يقول : من كان مولاي فهو مولى لعلي ، لأنه وعليا عليهما السلام هما المتوليان على الظاهر والباطن دون المخاطبين ، فلما خرج خطابه صلى الله عليه وآله بعكس ذلك استحال حمل مولى في الخبر على ولاية الباطن والظاهر لو كان ذلك شائعا في اللغة ، لأنه يقتضي كون النبي وعلي صلوات الله عليهما هما المتوليان للمخاطبين على الظاهر والباطن ، وهذا ظاهر الفساد .

على أن الحامل لمخالفينا على هذا التأويل المتعسف تخصيص علي عليه السلام بما لا يشركه فيه غيره حسب ما اقتضت الحال ، والولاية على الظاهر والباطن حاصلة لجماعة من الصحابة باتفاق ، فمنع ذلك من تخصيص علي عليه السلام بها لو كان الخطاب محتملا لها .

اللهم إلا أن يريدوا ولاية خاصة لا يشرك النبي صلى الله عليه وآله فيها غير علي عليه السلام ، فيكون ذلك تسليما منهم للإمامة بغير شبهة .

إن قيل : فطريقكم من هذا الخبر يوجب كون علي عليه السلام إماما في الحال ، والاجماع بخلاف ذلك .

قيل : هذا يسقط من وجوه :

أحدها : أنه جرى في استخلافه عليا صلوات الله عليهما على عادة المستخلفين الذين يطلقون إيجاب الاستخلاف في الحال ومرادهم بعد الوفاة ، ولا يفتقرون إلى بيان ، لعلم السامعين بهذا العرف المستقر .

وثانيها : أن الخبر إذا أفاد فرض طاعته وإمامته عليه السلام على العموم وخرج حال الحياة بالاجماع ، بقي ما عداه .

وليس لأحد أن يقول : على هذا الوجه فألحقوا بحال حياة النبي صلى الله عليه وآله أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام .

لأنا إنما أخبرنا حال الحياة من عموم الأحوال للدليل ، ( ولا دليل ) على إمامة المتقدمين ، وسنبين ذلك في ما بعد ، ولأن كل قائل بالنص قائل بإيجاب إمامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل ، فإذا كان دالا على النص بما أوضحنا سقط السؤال ، ووجب إلحاق الفرع بالأصل .

وثالثها : أنا نقول بموجبه من كونه عليه السلام مفترض الطاعة على كل مكلف وفي كل أمر وحال منذ النطق به وإلى أن قبضه الله تعالى إليه وإلى الآن ، وموسوما بذلك ، ولا يمنع منه إجماع ، لاختصاصه بالمنح من وجود إمامين ، وليس هو في حياة النبي صلى الله عليه وآله كذلك ، لكونه مرعيا للنبي صلوات الله عليهما وتحت يده ، وإذا كان مفترض الطاعة فقط لثبوته للأمراء ، وإنما كان كذلك لأنه لا يد فوق يده ، وهذا لم يحصل إلا بعد وفاته صلوات الله عليه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) طه 20 : 29 .

( 2 ) الفتح 48 : 10 .

( 3 ) الأعراف 7 : 142 .

( 4 ) الحديد 57 : 15 .

( 5 ) النساء 4 : 33 .

( 6 ) الأحزاب 33 : 6 .

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي