الهداية-والإضلال

الهداية والإضلال(1)

المبحث الأوّل: معنى الهداية

معنى الهداية (في اللغة) :

الهداية: الدلالة والإرشاد وبيان الطريق(1).

معنى الهداية (في الاصطلاح العقائدي) :

إنّ للهداية ـ في دائرة الاصطلاح العقائدي ـ العديد من المعاني التي سنذكرها خلال البحث مع بيان المعاني التي تصح نسبتها إلى اللّه تعالى والمعاني التي لا تصح نسبتها إليه تعالى .

____________

1- انظر: لسان العرب ، ابن منظور : مادة (هَدَيَ) .

الصفحة 344

المبحث الثاني: الهداية الإلهية العامة

أقسام الهداية الإلهية :

1 ـ الهداية الإلهية العامة .

2 ـ الهداية الإلهية الخاصة .

خصائص الهداية الإلهية العامة :

1- تشمل الهداية الإلهية العامة كلّ الموجودات ، وتعمّ جميع الكائنات من دون تبعيض أو تمييز .

2- تتجسّد الهداية الإلهية العامة لكلّ موجود بما يتناسب ويتلاءم مع الغاية التي من أجلها خلقه اللّه تعالى .

أقسام الهداية الإلهية العامة :

1 ـ الهداية التكوينية .

2 ـ الهداية التشريعية .

الهداية التكوينية :

أودع اللّه تعالى في ذات كلّ موجود ما يهديه إلى الغاية التي خلقه من أجلها ، وتسمّى هذه الهداية بالهداية التكوينية(1).

____________

1- انظر: مفاهيم القرآن، جعفر السبحاني: ج6، يبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه، ص 501 .

الصفحة 345

خصائص الهداية التكوينية(1) :

1- تتمّ الهداية التكوينية عن طريق القوى التي يخلقها اللّه تعالى في كلّ موجود لتهديه إلى الغايات التي خُلق لأجلها .

2- تتحقّق الهداية التكوينية في كلّ موجود بصورة خاصة تتناسب وتنسجم مع ذلك الموجود .

بعض الآيات القرآنية الدالة على الهداية التكوينية :

1 ـ { رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى }[ طه: 50 ]

2-{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى }[الأعلى: 1 – 3 ] أي: كلّ ما يخلقه اللّه تعالى إنّما يخلقه بتقدير خاص تتبعه الهداية التكوينية العامة .

أمثلة الهداية التكوينية :

أوّلاً ـ الهداية التكوينية في الإنسان :

خلق اللّه تعالى الإنسان مختاراً ليصل عن طريق عبادته للّه تعالى(2) وكدحه في سبيل اللّه عزّ وجلّ(3) إلى ما يستحق به الرحمة الإلهية(4) فيبلغ بذلك أعلى درجات الكمال من خلال تقرّبه إلى اللّه تعالى .

وقد أعدّ اللّه تعالى للإنسان كلّ ما يحتاجه في هذا السبيل من أجل وصوله إلى الغاية التي خلقه لأجلها، وهذا ما يسمّى بالهداية الإلهية التكوينية العامة للإنسان.

قال تعالى:

{ وَنَفْس وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها }[الشمس: 7 ـ 8 ]

{ أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ }[ البلد: 8 ـ

____________

1- المصدر السابق .

2- قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) . [ الذاريات: 56 ]

3- قال تعالى: (يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) . [ الإنشقاق: 6 ]

4- قال تعالى: (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) . [ هود: 118 ـ 119 ]

الصفحة 346

10 ]

نماذج من قوى الهداية التكوينية في الإنسان :

إنّ من القوى التي خلقها اللّه تعالى في الإنسان ليهتدي بها إلى غاية خلقه :

1 ـ قوى نمو النطفة والجسم :

جعل اللّه تعالى في النطفة قوى تهديها وترشدها عند توفّر الشروط المطلوبة إلى النمو بصورة صحيحة من أجل تكوين الإنسان بالشكل المطلوب . كما أنّ جسم الإنسان مليء بالأجهزة التي تهديه إلى حفظ حالة التوازن فيه .

2 ـ العقل :

إنّ العقل هو الجهاز الذي يرشد الإنسان إلى الخير والصلاح ، وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود هذه الهداية العامة في جميع المكلَّفين ، وحثّ الباري عزّ وجلّ الإنسان على التعقّل والتفكّر والتدبّر لينتفع من هذه الهداية العامة في حياته .

ملاحظة :

إنّ الذين يهملون عقولهم ولا ينتفعون بها عن طريق التفكّر والتدّبر والتأمّل ، فإنّهم ـ في الواقع ـ يحرمون أنفسهم من هذه الهداية الإلهية العامة، وإنّهم سيتحمّلون بأنفسهم مسؤولية عدم انتفاعهم من هذه الهداية(1) .

3 ـ الفطرة :

جعل اللّه تعالى الذات البشرية بصورة تنسجم مع التشريعات الإلهية . وعرّف اللّه تعالى النفس البشرية طريق الفجور وطريق التقوى ، بحيث جعلها قادرة على التمييز بين الخير والشر بصورة فطرية . وهذا ما يعدّ من أنواع الهداية التكوينية الإلهية للعباد .

قال تعالى:

{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها }[ الروم: 30 ]

____________

1- انظر: مفاهيم القرآن ، جعفر السبحاني: ج6، يبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه، ص502 .

الصفحة 347

{ وَنَفْس وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها }[ الشمس: 7 ـ 8 ]

تنبيه :

إنّ الفطرة عامة عند جميع الناس ، ولكنها ربّما تضعف أو يزول تأثيرها بسبب إعراض الإنسان عنها وتلبّسه بصفات سلبية تمنعه من إجابة ندائها، كالهوى والشهوات والغفلة والجهل والتعصّب والعناد واللجاج وما يشبه ذلك(1).

ثانياً: الهداية التكوينية في الحيوانات :

خلق اللّه تعالى الحيوانات لغايات معيّنة، ثمّ هدى كلّ صنف منها إلى نظام وجودها وحياتها الطبيعية لتحقّق الغاية التي خُلقت من أجلها .

وقد سمّى اللّه تعالى هذه الهداية التكوينية في بعض الموارد باسم “الوحي” فقال تعالى:

{ وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ }[النحل: 68 ـ69 ]

وهذه الهداية عامة لجميع أفراد النحل بلا استثناء .

نماذج من الهداية التكوينية في الحيوانات :

إنّ اللّه تعالى هدى الحيوان إلى توفير أسباب العيش لنفسه ، من قبيل: الأكل والشرب، والبحث عن القوت ، والبناء أو البحث عن مأوى لنفسه ، والهروب من كلّ ما يضرّه أو يؤلمه ، والاتّجاه نحو كلّ ما يحفظ له وجوده ويحقّق له غاية حياته .

ثالثاً: الهداية التكوينية في النباتات :

جهّز اللّه تعالى النباتات بقوى تهديها إلى كمالها المطلوب .

مثال :

____________

1- انظر: حديث حول الجبر والتفويض ، عبد اللّه الموسوي البحراني: مفهوم الجبر والاختيار ، ص37 .

الصفحة 348

جهّز اللّه تعالى الحبّة بأدق القوى التي تدفعها عند توفّر الظروف الخاصة إلى الازدهار، فالحبّة عندما توضع تحت التراب ، وتتوفّر لها شروط النمو، ترعاها هذه القوى الكامنة فيها للانتفاع من العوامل الخارجية كالماء والنور إلى أن تصبح شجرة مثمرة(1) .

رابعاً: الهداية التكوينية في الجمادات :

جهّز اللّه تعالى كلّ ذرة من الجمادات بأجهزة تسيّرها وفق قانون طبيعي منظّم يمنحها التماسك والتفاعل مع المؤثّرات الخارجية.

الهداية التشريعية :

إنّ الهداية التشريعية عبارة عن إرشاد اللّه العباد إلى الحقّ(2) عن طريق إرسال الرسل والأنبياء  وإنزال الكتب السماوية، ليتعرّف كلّ إنسان على ربّه وعلى كيفية عبادته وعلى المنهج الصحيح الذي ينبغي أن يتّبعه في هذه الحياة ليصل به إلى الكمال المنشود .

خصائص الهداية التشريعية :

1- تكون الهداية التشريعية من قبيل “إراءة الطريق”، ويقوم الأنبياء بهذه الهداية عن طريق إرشاد الناس إلى التشريعات الإلهية وإيضاح سبيل الخير والسعادة لهم وتحذيرهم من سلوك سبيل الشر والغواية .

2- تشمل الهداية التشريعية جميع المكلَّفين(3)، وهي لا تختص بفرد أو جماعة دون غيرها، ولا بطائفة دون طائفة، ولا بجيل دون جيل ، بل هي عامة شاملة، ويكون بوسع كلّ إنسان أن يهتدي بهداها .

3- إنّ عمومية الهداية التشريعية لكلّ مكلَّف تنفي الجبر وتثبت الاختيار في الإنسان; لأ نّها تبيّن بأنّ كلّ إنسان مختار في الاهتداء بهداية الأنبياء والرسل والكتب السماوية ، وهو غير مجبور في هذا السبيل، وله أن يهتدي أو يضل وفق

____________

1- انظر: الانصاف ، جعفر السبحاني: 3/84 .

2- انظر: بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب7، ص171 .

3- انظر: بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب7، ص171 .

الصفحة 349

إرادته واختياره .

4- تعتبر الهداية التشريعية من شروط ومستلزمات التكليف ، بحيث لا يصح التكليف من دونها ، لأنّ الإنسان غير قادر على طاعة اللّه تعالى ما لم يهديه اللّه تعالى ويرشده إلى المنهج الديني الذي ينبغي السير على ضوئه .

بعض الآيات القرآنية الدالة على الهداية التشريعية :

1- { رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَـلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }[النساء: 165 ]

2 ـ { وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا }[ الأنبياء: 73 ]

3 ـ { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ }[ الفتح: 28 ]

4 ـ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراط مُسْتَقِيم }[ الشورى: 52 ]

5 ـ { وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى }[ فصّلت: 17 ]

6 ـ { وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى }[النجم: 23 ]

7 ـ { إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }[الإسراء: 9 ]

8 ـ { … الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ }[ البقرة: 185 ]

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون