الهداية-والإضلال

الهداية والإضلال(2)

المبحث الثالث: الهداية الإلهية الخاصة

إنّ الهداية الإلهية الخاصة عبارة عن التوفيق والمعونة والتسديد الإلهي للعباد ومنحهم المزيد من الثبات في طريق الحقّ .

مستحقي الهداية الإلهية الخاصة :

إنّ الهداية الإلهية الخاصة تكون وفق مشيئته تعالى ، وإنّ اللّه تعالى يهدي من يشاء بهدايته الخاصة .

ولهذا ورد في القرآن الكريم :

1 ـ { ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ }[ الزمر: 23 ]

2 ـ { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ }[ القصص: 56 ]

3 ـ { وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ }[ البقرة: 213 ]

ولكن لا يخفى بأنّ اللّه تعالى حكيم، وهو لا يشاء جُزافاً أو عبثاً، وإنّما تكون مشيئته وفق حكمته وعدله، وقد بيّن اللّه عزّ وجلّ في القرآن الكريم موازين مشيئته تعالى في هداية العباد بهدايته الخاصة .

موازين المشيئة الإلهية في هداية عباده بالهداية الخاصة :

أوّلاً ـ الإيمان باللّه والعمل الصالح (الانتفاع من الهداية التكوينية كالعقل والفطرة واتّباع الهداية التشريعية) ، ولهذا قال تعالى :

1 ـ { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ }[يونس: 9 ]

2 ـ { إِنَّ اللّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراط مُسْتَقِيم }[ الحجّ: 54 ]

الصفحة 351

3 ـ { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ }[ التغابن: 11 ]

4 ـ { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً }[ محمّد: 17 ]

5- {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً  وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ}[الكهف: 13 ـ 14 ]

6 ـ { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى }[طه: 123 ]

7-{ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ … }[ المائدة: 15 ـ 16 ]

ثانياً ـ المجاهدة في سبيل اللّه

قال تعالى: { وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا }[ العنكبوت: 69 ]

أي: إنّ الذين يجاهدون أهواءهم النفسية في سبيل اللّه تعالى، ويقفون بصلابة أمام التيارات المعاكسة للحق ، فإنّ اللّه تعالى وعدهم بالهداية الخاصة .

ثالثا ـ الإنابة

قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ … وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ }[الرعد: 27 ]

وقال تعالى: { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ }[ الشورى: 13 ]

أي: إنّ من ينيب إلى اللّه تعالى ويرجع إليه ويُقبل عليه ، فإنّ اللّه تعالى يهديه بهدايته الخاصة، فعلّق اللّه تعالى الهداية على من اتّصف بالإنابة والتوجّه إليه سبحانه وتعالى .

النتيجة :

تكون الهداية الإلهية الخاصة فقط للذين يجاهدون ليستضيئوا بنور الهداية التكوينية والتشريعية العامة، فهؤلاء هم المستحقون لهذه الهداية ، وهم الذين تشملهم العناية الربانية، فتعينهم في سيرهم على جادة الصواب، وتسدّد خطاهم في اتّباعهم للحق، وتثبّت أقدامهم على الصراط المستقيم .

الصفحة 352

الآيات القرآنية الدالة على عدم مشيئة اللّه إجبار العباد على الهداية :

1 ـ { وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْس هُداها }[ السجدة: 13 ]

2 ـ { وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ }[ النحل: 9 ]

3 ـ {وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى }[الأنعام: 35 ]

4- {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }[ يونس: 99 ]

5 ـ { وَلَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكُوا }[ الأنعام: 107 ]

تبيّن هذه الآيات بأنّ اللّه تعالى قادر على سلب اختيار الإنسان وإجباره على الهداية، ولو كان كذلك لآمن واهتدى كلّ من في الأرض ، ولكنه تعالى لم يشأ ذلك ، وإنّما شاء أن يجعل الإنسان مختاراً في سلوكه سبيل الهداية أو الضلال ، لأنّ قيمة الهداية تكمن في كونها مستندة إلى الاختيار لا إلى الجبر .

الرد الإلهي على المشركين الذين نسبوا شركهم إلى مشيئة اللّه تعالى:

قال تعالى :

1-{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ }[ الأنعام: 148]

2- { وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ }[النحل:  35 ]

توضيح :

إدّعاء المشركين: شاء اللّه تعالى لنا الإشراك به وشاء لنا عبادة غيره .

استنتاج المشركين: لذلك أشركنا باللّه في الصعيد العقائدي والعبادي .

الصفحة 353

احتجاج المشركين: {لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا } ، { لَوْ شاءَ اللّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ }

الموقف الإلهي إزاء هؤلاء المشركين :

1- كذّبهم اللّه في هذا الإدّعاء والاحتجاج ، وقال تعالى: { كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }.

2- أوعدهم اللّه بعذاب، فقال تعالى: {حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا } بسبب هذا الكذب الذي كذّبوه على اللّه تعالى .

3- طالبهم اللّه تعالى بالدليل على ما ادّعوه، فقال تعالى لنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم): {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ } .

أي: إنّ كان عندكم دليل أو برهان فاخرجوه، ولكنكم ـ في الواقع ـ لا تعتمدون في ادّعاءاتكم على مستند علمي، وإنّما تتبعون الظنون الكاذبة التي هي أوهام بعيدة عن الحقيقة .

4- ردّ اللّه تعالى على احتجاجهم بقوله: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ}[الأنعام: 1499 ] .

أي: شاء اللّه تعالى أن يمنحكم الاختيار ، ولو شاء اللّه إجباركم ، لأجبركم على الهداية، ولم يجبركم على الشرك به، وفي هذا حجّة تبلغ صميم الحقيقة، وللّه الحجّة البالغة(1).

الآيات القرآنية الدالة على حرّية مشيئة الإنسان في اختيار الإيمان أو الكفر:

1 ـ { قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ }[ الكهف: 29 ]

2 ـ { إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً }[ الإنسان: 29 ]

3 ـ { اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[ فصّلت: 40 ]

4-{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ

____________

1- انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حسن جنكه الميداني: ص780 ـ 781 .

الصفحة 354

لَكُمْ } [ الزمر: 7 ]

أي: إنّكم تمتلكون اختيار الإيمان أو الكفر بمحض إرادتكم، وإنّكم غير مسلوبي الإرادة في التلبّس بأيّهما شئتم .

فلو اخترتم الكفر وكفرتم باللّه، فإنّ اللّه غني عنكم، ولكن الكفر سيقودكم إلى الشرّ، واللّه يريد لكم الخير، فلهذا لا يرضى اللّه لعباده الكفر .

ولو اخترتم سبيل الشكر للّه تعالى، فإنّ اللّه أيضاً غني عنكم، ولكن هذا الشكر سيقودكم إلى الخير، واللّه يريد لكم الخير، فلهذا إن تشكروا يرضه لكم .

وهذا ما يدلّ بصراحة على امتلاك الإنسان الاختيار في سلوكه وتصرّفاته(1) .

معاني أُخرى للهداية الإلهية الخاصة

معاني الهداية التي يصح نسبتها إلى اللّه تعالى :

المعنى الأوّل: الإثابة(2)

1- قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ }[ يونس: 9 ]

فقوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ } أي: يثيبهم بإيمانهم ويهديهم طريق الجنة(3) .

2- قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ }[ محمّد: 4 ـ 5 ]

فقوله تعالى: { سَيَهْدِيهِمْ } أي: سيثيبهم(4) لأنّ الهداية التي تكون بعد قتلهم

____________

1- انظر: حديث حول الجبر والتفويض، عبد اللّه الموسوي البحراني: مفهوم الجبر والاختيار ، ص39 .

2- انظر: بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 7، تفسير الآيات ، ص172 .

3- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في الهدى والضلال، ص188 .

المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص91 .

4- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في الهدى والضلال، ص188 .

الصفحة 355

هي إثابتهم لا محالة(1) .

3- قال تعالى: { فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ }[الأنعام: 125 ]أي: من  يرد اللّه أن يثيبه بإيمانه وطاعته التي فعلها، فإنّ اللّه تعالى يشرح صدره ليطمئن قلبه بالإيمان ويثبت عليه، لأنّ المؤمن إذا انشرح صدره عند قيامه بعمل عبادي، فإنّ هذا الانشراح سيدفعه إلى مواصلة ذلك العمل والتثبّت عليه(2) .

4 ـ قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ }[البقرة: 272 ]أي: ليس عليك يا رسول اللّه إثابتهم ، ولكن اللّه يثيب من يشاء وفق موازين حكمته وعدله(3) .

5- قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ }[ القصص: 56 ]

أي: إنّك يا رسول اللّه لا تثيب من أحببت، ولكن الإثابة بيد اللّه تعالى، وأ نّه تعالى يثيب وفق مشيئته الحكيمة والعادلة(4) .

المعنى الثاني: إثبات الهداية والحكم بها

قد تعني عبارة “هدى اللّه هؤلاء” أ نّه تعالى أثبت أ نّهم مهتدون وحكم عليهم بهذا الوصف(5).

____________

1- انظر: بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب7، تفسير الآيات، ص172 .

2- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في الهدى والضلال، ص191 .

تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في الإرادة والمشيئة ، ص51 .

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، المسألة التاسعة، ص436 .

وقد ورد هذا المعنى في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) .

راجع: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 35: باب تفسير الهدى والضلالة، ح4، ص237 .

3- انظر: أصول الدين، محمّد حسن آل ياسين: العدل الإلهي، ص180 .

4- انظر: المصدر السابق .

5- انظر: بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 7: تفسير الآيات، ص172 .

الصفحة 356

المعنى الثالث: الإرشاد إلى الجنة

قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً }[الكهف: 17 ]

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول هذه الآية:

“إنّ اللّه تبارك وتعالى يضلّ الظالمين يوم القيامة عن دار كرامته، ويهدي أهل الإيمان والعمل الصالح إلى جنته، كما قال عزّ وجلّ: {وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ }[ إبراهيم: 27 ]

وقال عزّ وجلّ: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ }[ يونس: 9] …”(1) .

معاني الهداية التي لا يصح نسبتها إلى اللّه تعالى :

المعنى الأوّل: ايصال الإنسان إلى الهداية إجباراً

إنّ تفسير الهداية الإلهية بمعنى إجبار اللّه الإنسان على الهداية وحمله عليها بالقسر والغلبة يتنافي مع اختيار الإنسان في أفعاله ولا ينسجم مع مبدأ التكليف ومبدأ استحقاق الإنسان الثواب والعقاب(2).

المعنى الثاني: خلق الهداية في الإنسان

لا يصح القول بأنّ اللّه تعالى يخلق الهداية في الإنسان من غير أن يكون للإنسان القدرة على الامتناع وقد ناقشنا هذا الموضوع فيما سبق(3) .

____________

1- التوحيد ، الشيخ الصدوق: باب 35 ، ح1، ص236 .

2- للمزيد راجع الفصل السابع ، المبحث الرابع من هذا الكتاب .

3- راجع: الفصل السابع، المبحث السادس من هذا الكتاب .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون