الهداية-والإضلال

الهداية والإضلال(3)

المبحث الرابع: معنى الإضلال

معنى الإضلال (1) :

1 ـ التغييب: يقال: أضللت الشيء إذا غيّبته .

وجاء في القرآن الكريم: { لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى }[طه: 52 ] أي: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء .

2- التضييع: يقال: أضللته إذا ضيّعته، ويقال: ضلّت ناقتي ، أي: ضاعت ناقتي وتاهت ، ويقال: ضللت الطريق ، أي: ضعت عن الطريق .

3- الهلاك: كقوله تعالى:{ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا }[الكهف: 104 ]أي: حبط سعيهم. وكقوله تعالى حكاية عن الدهريين: { وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَ إِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ }[السجدة: 100 ] أي: أَإِذا هلكنا في الأرض ومتنا وتفتّتت أجزاؤنا أ نُخلق خلقاً جديداً(2).

4- النسيان: كقوله تعالى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الأُخْرى }[ البقرة:  282 ] أي: إذا نسيت إحداهما ذكّرتها الأخرى .

5- وجده ضالاً: يقال: أضللت الشيء إذا وجدته ضالا، ومنه الحديث: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى قومه فأضلّهم ، أي: وجدهم ضلالا غير مهتدين إلى الحقّ .

6 ـ السبب للضلال والدخول فيه: كما جاء في القرآن الكريم حول الأصنام:

____________

1- وردت المعاني الستة المذكورة في بداية هذا القسم في: لسان العرب، ابن منظور: مادة (ضلل) .

2- انظر: تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: فصل: في الإرادة والمشيئة، ص52 .

الصفحة 358

{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ }[إبراهيم: 36 ] أي: ربّ إنّ الأصنام أصبحن سبباً لإضلال الكثير، مع العلم بأنّ الأصنام لا تعقل ولا تفعل شيئاً(1).

7-  إبطال العمل: كقوله تعالى: { وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ }[ محمّد: 4 ] أي: فلن يبطل اللّه أعمالهم ، وكقوله تعالى: { وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ }[ محمّد: 88 ] أي: أبطل أعمالهم لسوء نواياهم وتلبّسها بالرياء والنفاق(2).

____________

1- انظر: بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب7، ح48، ص208 .

2- انظر: كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث ، المسألة التاسعة ، ص436.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثالث، ص91 .

الصفحة 359

المبحث الخامس: نسبة إضلال العباد إلى اللّه تعالى

إنّ إضلال اللّه لبعض العباد عبارة عن خذلانهم وتركهم لشأنهم وإيكالهم إلى أنفسهم وسلب التوفيق والعناية والتسديد منهم ، وحرمانهم من الهداية الخاصة .

مستحقي هذا النوع من الإضلال :

إنّ إضلال اللّه لبعض العباد يكون وفق مشيئته تعالى ، وإنّ اللّه تعالى يضل من يشاء .

ولهذا ورد في القرآن الكريم :

1 ـ { إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ }[ الرعد: 27 ]

2 ـ { فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ }[إبراهيم: 4 ]

ولكن لا يخفى بأنّ اللّه تعالى حكيم ، وهو لا يشاء جزافاً أو عبثاً، وإنّما تكون مشيئته وفق حكمته وعدله ، وقد بيّن اللّه عزّ وجل في القرآن الكريم موازين مشيئته تعالى في إضلال بعض العباد وحرمانهم من الهداية الخاصة .

موازين مشيئته تعالى في إضلال العباد وحرمانهم من الهداية الخاصة :

أوّلاً : الكفر

قال تعالى :

1 ـ { كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ الْكافِرِينَ }[ غافر: 74 ]

2 ـ { وَإِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ }[ النحل: 107 ]

3 ـ { وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ }[ البقرة: 264 ]

4 ـ {إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ }[ الزمر: 3 ]

الصفحة 360

ثانياً : الظلم

قال تعالى :

1 ـ {وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ }[ إبراهيم: 27 ]

2 ـ { إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ }[ المائدة: 51 ]

3 ـ { وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ }[ البقرة: 258 ]

ثالثاً: الفسق

قال تعالى :

1 ـ { وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ }[البقرة: 26 ]

2 ـ { وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ }[ المائدة: 108 ]

رابعاً : الإسراف والارتياب

قال تعالى: { كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ } [ غافر: 34 ]

خامساً : الانحراف عن الحقّ

قال تعالى: { فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ }[ الصف: 5 ]

سادساً : الاستكبار

قال تعالى: { كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبّار } [ غافر: 35 ]

الصفحة 361

معاني الإضلال التي لا يصح نسبتها إلى اللّه تعالى

المعنى الأوّل: الإغواء والتوجيه نحو الباطل(1) .

الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا المعنى من الإضلال :

1 ـ { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى }[ طه: 79 ]

2 ـ { وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ }[ طه: 85 ]

3 ـ { وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ }[ الشعراء: 99 ]

4 ـ { رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ }[ الأحزاب: 67 ]

5-{ وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ }[آل عمران: 69 ]

6- { وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً }[ النساء: 27 ]

7 ـ { وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً }[ النساء: 60 ]

8 ـ { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً}[ يس: 62 ]

9-{ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدى }[الأنعام: 71 ]

10- {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطان مَرِيد * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ}[ الحجّ: 3 ـ 4 ]

أي: إنّ من يتّبع الشيطان فإنّه يضلّه ، أي: يغويه ويصوّر له الباطل بصورة الحقّ ، ويزيّن له الانحراف عن المنهج المستقيم، ويزيّنه له ويوصله إلى عذاب السعير عن طريق ما يوسوس له .

____________

1- انظر: كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة التاسعة ، ص435 .

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في الهدى والضلال ، ص189 .

الصفحة 362

أدلة عدم صحة نسبة هذا المعنى من الإضلال إلى اللّه تعالى :

1- إنّ هذا المعنى من الإضلال قبيح ، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح(1) .

2- إنّ اللّه تعالى ـ كما جاء في الآيات القرآنية التي ذكرت آنفاً ـ ذم إبليس وفرعون والسامري والمجرمين والطغاة على إضلالهم الناس ، فكيف يصح أن يكون مضلاًّ للعباد بهذا المعنى الذي ذمّ به هؤلاء ؟

3- إنّ من يتصف تارة بالإضلال ويتصف تارة أُخرى بالهدى لا يمكن الوثوق بأمره ونهيه ، فتبطل بذلك الشرائع الإلهية، ولهذا ينبغي تنزيه اللّه تعالى عن الإضلال بمعنى الإغواء والتوجيه نحو الباطل .

4- إنّ هذا المعنى من الإضلال يتنافى مع هداية اللّه التكوينية والتشريعية للعباد، لأنّ اللّه تعالى منح العباد العقول وأرسل إليهم الأنبياء وأنزل لهم الكتب السماوية، وكان غرضه تعالى من ذلك هداية العباد إلى الحقّ ، فكيف يصح أن يكون مغوياً لهم بعد ذلك وهو الذي أراد هدايتهم بإرادته التشريعية ؟

قال تعالى: {وَما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ }[التوبة: 115 ]

5- إنّ اللّه تعالى نسب الضلال إلى العبد في العديد من آيات كتابه العزيز ، وبيّن بأنّ العبد لا يضل (أي: لا يتّجه نحو الباطل) إلاّ نتيجة تمسّكه بأسباب الضلال وفعله الاختيارى لما يوجب وقوعه في الضلال .

ومن هذه الآيات القرآنية:

1- { مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها }[الإسراء: 15 ]

2 ـ { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي }[ سبأ: 50 ]

3 ـ { وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً

____________

1- انظر: المصدر السابق: كشف المراد، ص436، المنقذ من التقليد: ص190 .

الصفحة 363

بَعِيداً }[ النساء: 136 ]

4- { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً }[ النساء: 167 ]

5 ـ { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً }[ النساء: 116 ]

6 ـ { وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ }[ الممتحنة: 1 ]

أي: ومن يتّخذ عدو اللّه ولياً فقد ضلَّ سواء السبيل .

المعنى الثاني للإضلال الذي لا يصح نسبته إلى اللّه تعالى:

إجبار الإنسان على الضلال:

وقد ناقشنا أدلة القول بالجبر والردّ عليها فيما سبق(1) .

النتيجة :

يجد المتأمّل في آيات القرآن الكريم الواردة حول الهداية والإضلال بأنّ هذه الآيات تنقسم إلى قسمين :

1- آيات تبيّن بأنّ المشيئة الإلهية مطلقة في الهداية والإضلال ، وأنّه تعالى لا سلطان ولا نفوذ لأحد عليه ، وأنّه تعالى يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء. كقوله تعالى: { فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ } [ فاطر: 8 ]

2- آيات تبيّن بأنّ المشيئة الإلهية ـ التي لا سلطان لأحد عليها ـ مشيئة عادلة وأنّ هدايته تعالى وإضلاله لا تتمّ إلاّ حسب موازين تنسجم مع صفاته الكمالية ، وأنّه تعالى لا يضلّ إلاّ من استحق الضلال ، ولا يهدي أحداً بهدايته الخاصة إلاّ من استحق هذه الهداية .

وجه الجمع بين هذه الآيات :

لا يوجد أي تعارض بين هذين القسمين من الآيات ، ومنتهى القول :

____________

1- راجع: الفصل السابع، المبحث الرابع والخامس من هذا الكتاب .

الصفحة 364

تبيّن آيات القسم الأوّل بأنّ مشيئة اللّه تعالى مطلقة ولا سلطان لأحد عليها .

وتبيّن آيات القسم الثاني بأنّ مشيئة اللّه تعالى المطلقة مشيئة عادلة وحكيمة .

المنهج الصحيح لتفسير هذه الآيات:

إنّ المنهج الصحيح لتفسير الآيات القرآنية الواردة حول الهداية والإضلال هو التفسير الموضوعي الذي يتم عن طريقه النظر إلى مجموع النصوص القرآنية الواردة في هذا المجال، وربط الآيات بعضها ببعض، وجعل بعضها قرينة للاُخرى، والتنسيق بين معانيها من أجل التعرّف على مقصود القرآن الكريم.

وأما الاقتصار على بعض الآيات وإهمال البعض الآخر، فإنّه لا ينتج سوى الفهم الخاطئ والابتعاد عن العقيدة التوحيدية النقية.

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون