الوجودية عند المعتزلة

يتركب الموجود في التصور الإعتزالي من ذات، وصفة ذات، وصفة مقتضاة عن صفة الذات، ومن ثم الوجود الذي يُظهر هذه الصفات. وإذا كان الوجود و “الذات” يتسمان بالشمولية فإن صفة الذات والصفات المقتضاة عنها هما اللتان تحددان تفرد الموجود أي فرادته، واختلافه بين موجود وآخر. وإذا كانت الجوهرية تحدد صفة الذات، فإن التحيّز أو الوجود في حيّز، هو صفة مقتضاة عنها، وهما الصفتان اللتان تحققان تفرد واختلاف الوجود.

فإننا نرى أن حرية الكون، في كليّة الكون، تبقى قائمة في علاقة الكينونة العامة، علاقة الكون الإنساني بالكون الطبيعي بالكون الإلهي.

وتميّز المعتزلة بين الوجود وصفات الذات. إذ تعتبر أن صفات الذات (صفات الأجناس) مثل الجوهرية واللونية لازمة للذات، غير أن الوجود ليس صفة ذات، على عكس الجوهرية. فالجوهرية صفة والوجود شرط تحقق الذات في الأعيان. ووجوب الوجود لا يثبت عند المعتزلة إلا للذات الإلهية. أما الصفات الأخرى فليست واجبة الوجود، ضرورة، إلا إذا كانت الشيئية والفعلية مُقومة لها. وعلاقة الذات بالوجود ليست علاقة عينية متطابقة. والشيئية لا تعني الوجود، وفي هذا تمييز بين الماهية والوجود، الأشياء والكلمات، الاسم والمسمى، الموجود والمعدوم.

وأبعد من هذا، ذهب أبو هاشم الجبائي في نظرية الأحوال المبتكرة إلى اعتبار الوجود صفة زائدة على التحيّز، باعتبار أن التحيّز والكون ليس الوجود عينه وفي هذا تأكيد على تفرّد الحال. واعتبار أن مسألة ما حالا هو إثبات تمييزه عن ما عداه، باعتباره أساس التمييز والتحيّز والتمييز والإختلاف. واعتبار الذات حالاً هو افتراض اختلاف الحال عن ملزومه أي الذات، وعن لازمه، أي صفة الوجود.

والوجودية عند المعتزلة قبل أي تحليل تكمن في طيات موقفها القدري وفي التأكيد على الاختيار القدري مقابل التواكل الجبري، على الوجود الفردي مقابل الوجود الكلي، على الزمانية مقابل الأبدية، على الإنسان كحامل للأمانة التي لم تحملها الجبال، الفاعل، القادر، المسؤول، الفريد، الحر. وبوضعها الكائن بصفته الزمانية في محور الكون فإنها ترجح الذاتية على الموضوعية، الجزئي على الكلي، الشخصاني على الجماعوي، وذلك هو المعنى العملي للوجودية والقدرية.

ومن البديهي أنه لو حكمنا على المعتزلة بمقياس الاختيار الإيجابي فإننا نلاحظ أن النظرة الأناسية في الاختيار تبقى محدودة بالأصول الخمسة العامة التي صاغتها المعتزلة ومنها الوعد والوعيد تلك النظرية التي تبقى دون مستوى نظرية الإرجاء التي تقدم الإيمان على العمل، والمحبة بالقلب على العقيدة، وربط الإيمان بمعيار العقل باعتبار أسبقية العقل على الشرع والمعرفة بالله على الرسالات مع أرجاء الحكم على “مرتكب الكبيرة” ورده لله تعالى.

والاختيار في الفلسفة الوجودية الحديثة ليس مناطه العقل أو الشرع وإنما الوجدان والبصيرة، وليس رهان باسكال أو “الخطيئة” الوجودية عند كيركغارد إلا أشكالاً من أشكال الاختيار السلبية (الإيمان أو عدم الإيمان). وإذا كانت الفلسفة تقابل الحرية بالضرورة، فعند سارتر على سبيل المثال الفعل والحرية والكائن الإنساني أقانيم لحقيقة واحدة، ألا وهي الاختيار السابق على الوجود حيث أصول الاختيار في ذاته وبذاته. وإذا كنا من جهتنا نرى أن الإنسان يختار شكل وجوده، أي اختياره، وليس وجوده، باعتباره كائناً مطروحاً في الوجود، فإننا نرى أن حرية الكون، في كليّة الكون، تبقى قائمة في علاقة الكينونة العامة، علاقة الكون الإنساني بالكون الطبيعي بالكون الإلهي.

العودة إلى المعتزلة، عودة إلى الفكر بجوانبه الدلالية اللامفكر فيها، والمصموت عنها، بغية كشف الطاقات الدلالية الشمولية، القابلة للتبني والتضمين في الفكر المعاصر وإعادة صياغة حرية الإنسان العربي في علاقة الآنية المتزامنة.

المصدر: المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)