الوجودية في الفلسفة والدين

ان ما جذبني للوجودية منذ صباي وخاصة لوجودية (كيركجارد)، بل وحتى سارتر، أنها تهتم بالمشكلة الخلقية قبل كل شيء.. وتطرح وراءها قيما إنسانية عالية، كالوحدة الإنسانية والحرية والمسؤولية.. كل ذلك مدروسا في نظام منهجي في غاية الدقة، والرغبة في تحرر الإنسان من الإنسان.. وإخضاعه لمسؤولية مستقلة تمام الاستقلال..

فالوجود بعيدا عن متاهات الفلسفة وتجريداتها.. هو مأوى الإنسان في سعادته ومأساته، وحين يواجه قدره ومصيره.. والإنسان بحاجة الى تفسير عن هذا الوجود، والأسئلة التي كثيرا ما يستفهم بها، عن ذاته وماهيته ومركزه، وعن الكون واصله ومصيره وعن الحياة ومنشئها وغايتها.. ان هي إلاّ تعبير أصيل عن هذه الحاجة، ولا يمكن الاستغناء عن هذا التفسير أبدا، وذلك لأنه مطلب ذاتي او حاجة فطرية، طبع عليها الإنسان بالخليقة والتكوين.. فالإنسان بلا تفسير عن هذا الوجود يؤمن به ويتفاعل معه، يحس وكأنه في هذا العالم مع أشباح والغاز، فتنتابه غربة قاتلة وعزلة موحشة، وعلى اثر ذلك لا يتعامل مع الأشياء والحوادث بهدوء وطمأنينة، إذ هو يسير في واد معتم ليس فيه بصيص من نور، بل ان الإنسان بغير تصور كوني، لا يعقل ان هناك مبررا طبيعيا لوجوده، ويشعر شعورا قويا بالعبث، العبث المطلق في كل شيء وكل حدث.

فالوجود فعل وليس حالا، واشتقاق كلمة (وجود) في الكثير من اللغات، يدل على أنها انطلاق.. ليضع الإنسان نفسه في المستوى الذي لم يكن عليه من قبل..

والوجود الحقيقي يعني الاختيار: أي ان يختار المرء بيده مصيره وسلوكه.. ولا يوجد في نظر (هايدغر) او سارتر، إلا من يختار لنفسه اختيارا حرا، ومن يضع نفسه ويكون ذاته، فالوجود هو الاختيار.. إلا انه لا يستطيع اختيار الطبقة الاجتماعية التي يولد فيها، ولا ديانته.. ولا يستطيع اختيار طول قامته، وحظه من الذكاء والعيش.. ولا يستطيع ان يتمكن او يتحكم في قدره.. فهو الذي يتخذ الموقف اللازم من هذه الحال التي يوجد عليها، قد يغير ظروفه بكد وكدح مضني، وظروف رفاقه في المهنة وظروف مجتمعة من الفاقة والفقر.. إلا انه لا يستطيع تغيير قدره.. واختيار مصيره.. رغم انه مسؤول عن كل شيء.. وان عليه ان يعمل ولا يستسلم حين يرى الطريق، متحملا كل مخاطره.. وهو ما يملك بيده إخلاصه وكرامته، ما دام يعتبر نفسه مسؤولا.. إلا ان السائر عليها كالسائر على صراط، وخاصة بما يتعلق بالرزق والعواطف والمشاعر، وهو يشقى ويتعذب ليلا نهارا.. والمسؤول الأول عن مصيره، وان يجعل لحياته معنى وان يخرجها من ركودها وسباتها.. وهذا لا يعني ان هذه الافكار بعيدة عن روح الأديان، بل أنها في بعض الأحيان تكون من صلبها، ولنا في ذلك أمثلة للكثير من الأنبياء والمتصوفة.. بل ان الكتب السماوية وتعاليم الخالق كلها تناقش مصير الإنسان والوجود.. ولهذا نجد عالم الإنسان عالما محدودا.. فالإنسان في الكثير من الأحيان يكون مسجونا في الوعي الإنساني من غير أخوة على الأرض او المناظر او الكون.. وتقيده في الكثير من الأحيان حتى الأمور العاطفية التي لا يستطيع تجاوزها حتى لو كان لا يرغب في ذلك..

فالحرية التي يتمتع بها الإنسان ويتجاوز في بعض الأحيان الحدود والموانع التي وضعت أمامه.. تتحول الى قدر ومصير مجهول، فيتجلى وهو في العقد الرابع او الخامس والسادس كئيبا الى طاولة مقهى او في باب داره.. او يسير وهو يتحدث مع نفسه، ولا يسمع عذاباته إلا هو.. وعندما يبوح بما في نفسه وعقله تخنق كلماته حتى من قريب او محب له.. وهذا لا يعني ان الحياة جامدة، بل هي عالم من التغيير والأخير دليل الحركة الخلاقة.. فالحياة في تغيير دائم ومستمر.. وعن هذه الحركة المتفاعلة مع كل حركات الوجود الأخرى يقول: (غالب حسن الشابندر) في كتابه الرائع (الوجود في القرآن) ان الحياة في القرآن الكريم حركة فعالة، وتبدو هذه الفعالية جلية واضحة ملموسة في هذا التنوع الهائل الممتع في الشكل والحجم والمضمون.. ويضرب مثالا لهذا التنوع والحركة بعدة آيات قرآنية {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شيء قدير}، {ألم تر ان الله انزل من السماء ماء فأخرجنا به من الثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد وبيض وحمر مختلف ألوانه..}، {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا خلالها العيون}، فالحياة والوجود في القرآن الكريم لها معنى واسع يضم كل مصاديق الخير والرحمة.. وإنها حركة ايجابية فعالة، ولم يكن ذلك على صعيد ضيق محدود، وإنما على جميع الأصعدة المادية والمعنوية والروحية.. (ص۱۲۱)، والوجودية تطالب الإنسان بالانطلاق من القوالب الجاهزة التي صاغها فيه المجتمع والعادات.. وترى انه بذلك سيكون حرا، وأمام مسؤولية بناء قيم جديدة.. وليس التشاؤم في النفوس وإثارة القلق الذي يدعو الى الجنون والانتحار كما صوره بعض الأدباء العرب الذين تأثروا بالوجودية.. فعل الحكومات والمجتمع ان يبذلا جهدهما في مساعدة كل فرد على تحقيق ذاته وذلك بان تسهل له رسالته لكي يتفاعل مع المبادئ والقيم، فتستفيد الحياة من كل عناصرها، وتستمر وترقى حتى تصل الى غاية بعيدة يظهر فيها سمو الفكر، وسمو الخلق حين يسود وسمر الضمير حين يحظى ويرقى.. فالفلسفة الوجودية فلسفة إنسانية تحرر الإنسان من العبودية للآخر.. وثورة على الصيغ البدائية المتخلفة.. بل انها تجعل الحياة الإنسانية ممكنة كما يقول سارتر.. ووضع الإنسان امام نفسه فاما يختار الماضي ويعيش دهاليزه وعصبياته.. وإما واقعية الحاضر والمستقبل.. والارتقاء بعقله وفكره.. وقد أجابت الأديان عن كل تساؤلات البشر وغربتهم في الوجود.. إلا ان الذين نظروا لهذه الفلسفة وتأثروا بها انقسموا الى ملحد ومؤمن.

الكاتب: حسين علاوي