امواج الثورة قبليات وبعديات

قال الشعب كلمته منتصرًا على حيوانية القمع والاستبداد واطئًا بأقدامه عُنُقَ مِصْدَاقٍ من مصاديقِ القهر والظلم، وهذا ما لم تحققه شعوب الشرق الإسلامي على مر عقود بل قرون من الزمن بهذه الكمية والكيفية التي تكلم بها المصريون في بضع أيام أخضع فيها حسني مبارك لحمية إجبارية فقد فيها الكثير من الكيلوجرامات، وهذا قد يفيده صحيًا فيما تبقى من عمره الكئيب..!
هذه هي واجهة الحدث الأهم في العقود الأخيرة، ولا ينبغي بنا التوقف عندها إلى حد الذهول عن الأكثر أهمية وهو ما فيه وما وراءه وما قد يكون معه من أحداث وأحداث محتملة.
عندما نفكر في أي أمر من أمور الدنيا فإننا في حاجة أولًا إلى تحديد منطلقاتنا في الفكر والنظر..
هل نحن وطنيون فقط؟ هل نحن ليبراليون فقط؟ هل نحن اشتراكيون فقط؟ هل نحن ديموقراطيون فقط؟ هل نحن (ثوريون) فقط؟
أم أننا عندما نفكر ونُعْمِل النظر فمنطلقنا دائمًا وأبدًا منطلقًا إسلاميًا واعيًا لكل هذه التسميات والمسميات، متنبهًا للوقائع وما فيها؟
إن كنَّا ندعي وعيًا إسلاميًا من المفترض أن نقرأ الأحداث على نحو خاص نبحث فيه عن الإسلام في كل حركة كانت أو تكون، وهذا ما يدعونا لطرح سؤالين محوريين:
لماذا لم تتمكن أو ربما عجزت القيادات الدينية عن استنقاذ الشعوب من بطش الظالمين على مدى قرون من الزمن؟
هل أن القيادات الدينية حجر عثرة في طريق تحرر الناس من قيود الجائرين واستبدادهم؟
واجهة الأحداث تصرخ مصرحة بعجز جامعة الأزهر الدينية عن انتشال ملايين المصريين من أوحال القهر الملكي ومن بعده الحزبي الجمهوري، والذي نجح في تحقيق ما عجزت عنه (العمائم) هم شباب ذابوا في بعضهم البعض رامين الانتماءات وراء ظهورهم، فلا فرق بين مسلم وقبطي، ولا بين شيوعي وكتابي؛ لأن الحاكم في (الثورة) المصرية هو الانتماء (الوطني)، وبالتالي فالتغيير من أجل مصر والروح المصرية وفقط، وأكرر بأن هذا هو الثابت اليوم بعد فشل القيادات الدينية بتعدد أطيافها في تلبية الحاجات الفطرية للناس وعلى رأسها حاجة الحرية والتخلص من الأغلال الفكرية والطاغوتية، هذا والقرآن يقول:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
ما هي الفكرة التي تتشكل في وعي الناس فضلًا عن لا وعيهم؟
إما أن يكون القرآن كتابًا من وضع البشر لا مصداقية له، وإما أن العَالَم من بعد المعصوم (عليه السلام) يفتقر جدًا إلى قيادة ربانية قادرة على القيام بما قام به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فإن كان الأول كان الطعن في أصل الدين، وإن كان الثاني فلسان الناس يهتف: (تبًّا) للعمائم ومن يدعون الامتداد لخط العصمة من علماء ومن حواشي علماء، وفي الحالتين يكون الانفصال الثقافي عن روح التدين ليبقى التعلق ببعض القشريات التي لا تغني ولا تسمن..!!
يقال: نحن نؤمن بالإسلام ونؤمن بالقرآن ونؤمن بالمعصومين (عليهم السلام) ولكننا نكفر بعلماء تركونا تحت أقدام الظالمين مع إصرار منهم على تتوهينا في دنيا المثاليات والسماويات التي زدنا معهم تهالكًا وضعفًا، واليوم ليس كالأمس الذي كان فيه الناس في حاجة ملحة لعالم الدين الذي يعلمهم الحلال من الحرام، أما اليوم فسبل اكتساب المعارف مشرعة لا يفصل الناس عنها غير ضغطة زر على لوحة المفاتيح في جهاز الكمبيوتر.
وبذلك تحول الدين الإسلامي إلى مجموعة مسائل في الحيض والطهارة..، وترسخ إضلالًا وتضليلًا عجزه عن استيعاب الآخرين من غير اتباعه.. وكان الله غفورًا رحيمًا..
هذا وقد كرس الإعلام العربي جهده منذ الخمسينات وإلى اليوم في تطبيع الميوعة الاجتماعية والتربوية اقترانًا مع إظهار الدين في لون الإرهاب والوحشية والتخلف فقط، حتى أصبح التدين شبهة وتهمة قد تقود يومًا إلى جوانتينامو..
إن هذا البناء الخلفي مع تلألؤ النجم الغربي بحلاوة الانقطاع للدنيا وشهواتها وحضارية الصداقات الشبابية بين الجنسين والفهم التكنولوجي المتقدم جدًا، حُصِرَ الدين في المساجد للصلوات اليومية وفي شهر رمضان للأكل والزيارات العائلية ودعاء الافتتاح عند الشيعة وصلاة التراويح عند السنة، أما الحياة الكريمة وطلبها فلا مسؤولية للدين فيها، بل أن تدخل العمائم في الحياة يكبل الحريات ويقيد عجلات التقدم والرقي.
هذه واقعيات لا أتمكن من إنكارها أو التغافل عنها في ظل المقدمات التي أفهمها وأعيها، وقد لا تظهر الكارثة اليوم، ولكنها حتمية في الغد عندما تكون الإفاقة من (سكرة) الإنجاز، لتداهم القلوب فِكَرٌ ليست في الحسبان..
ولكن.. من له مصلحة في فصل الحياة عن الدين؟
سكت بل وخطط وأعان الغرب وعلى رأسه العقرب الأمريكي الحكومات في الشرق (المتخلف) في:
۱- قمع الشعوب والاستبداد بالحكم والتحكم بمقدرات العباد والبلاد حتى أصبحت العبودية والرقية مهنة تمتهنها ثقافات الأمم وتبدع في تبريرها وإلباسها ثوب الحكمة والتعقل.
۲- التأسيس الممنهج للتحلل الأخلاقي وإباحة المحظور بعنوان التحضر والتقدم والانفتاح.
۳- إظهار الدين في صورة الإرهاب والوحشية.
۴- إظهار المتدينين في صورة التخلف والرجعية.
عندما تحقق النجاح في هذه المحاور، جاء الدور على مرحلة أخرى وهي مرحلة الصعق المباشر بما يطلق عليه عندهم (ديموقراطية)، وبها كان الحال كالجسم البارد المتجمد عندما تصب عليه ماءً حارًا يغلي، فإنه يتكسر ويفقد روح التماسك بين جزيئاته.
وبعد أن فقدت الشعوب صوابية الفكرة التأصيلية كان الناتج الطبيعي أنها تجنح لاقتلاع الظالم على اعتبار أنه الضد الأكبر لثقافة تلبور وجودها عليها.
هذه هي الصورة التي أفهمها من الأحداث الدائرة وما ورائياتها في تونس ومصر.. وإلى لا أدري أين من بعدها..
أقول: تلتقي هذه (الثورات) مع النهضة الإسلامية (المفترضة) في نقطة التغيير التي حصلت في تونس ومصر، ولكنها تختلف بل وتفترق عنها في القبليات والبعديات، ولأن موجة الحدث عالية جدًا فإن الآذان الصاغية للتنظير قد طُمَّتْ، وحقها أن تُطَّمَ بعد فسحة نّفّسِ في عَقِبِ عقود من الاختناق، ولكنني للأيام أقولها:
الضرورة اليوم في (نهضة) على الداخل نعيد من خلالها بناءنا التديني بتحويله من زاوية الجمود إلى فضاء المنهج والحياة، وهذا التغيير في جوهر الفكر يكفل حتمًا طرد الظالمين واقتلاع أصولهم من النفوس والثقافات حتى تكون المعركة معركة مقدسة عينها على دولة الحق المهدوية، لا على إنجازات هنا وأخرى هناك تعقبها نكسات هنا وهناك!!
ثم أقول: قبل التفكير في اقتلاع الظالم من على كرسيه، ينبغي لنا التفكير أولًا في اقتلاع ثقافته من نفوسنا وقلوبنا وعقولنا، فالغفاري والمحمدي والأشتر وابن ياسر وابن أعين وابن يقطين وابن أبي عمير وغيرهم كانوا أحرارًا في دولة الظلم، وغيرهم كانوا عبيدًا في دولة العدل والحرية.. فلنتأمل جيدًا قبل أن تأخذنا أصوات الطبول عاليًا وتهوي بنا من بعد ذلك إلى حيث ما تأباه الکرامة..

الكاتب: محمد علي العلوي