بقعة ضوء نقد القراءة التاريخية

للتاريخ مكانته في الحياة الانسانية لما يكتنزه من اسرار وذكريات مليئة بالقصص والعبر التي تكشف لنا عن ماض وترسم لنا حاضرا، فهو كالبحر يزخر بالجواهر، كما تسكنه الاموات والنفايات.وللتاريخ قراءات عديدة اطلعنا عليها المؤرخون، اتسم بعضها بالموضوعية والحيادية، واغلبها كانت تهيمن عليه القراءات المذهبية والطائفية، وتعكس لنا الصراعات السياسية والمصالح الشخصية خاصة في العالم الاسلامي، الذي كان يقود الحياة في تلك الفترة ويهيمن في احداثه على كل التفاصيل اليومية للحياة الانسانية لما شكله الاسلام من حضارة كانت شامخة تزخر بالفن والعلم والجمال.ووقفتنا اليوم مع القراءة الراهنة للتاريخ، وما لمسناه من هيمنة تراثية مذهبية طائفية مقدسة وغير قابلة للنقد في القراءات التاريخية، اضافة الى النزوع الى الشخصانية والابتعاد عن القراءة المقاصدية والغائية. وما اعنيه هو هيمنة الاشخاص التاريخية وما مر من احداث عليها، على طريقة التفكير والاستلهام التاريخي بطريقة ابتعدت فيها القراءات الراهنة بأغلبها عن الموضوعية واعادة النظر وجنحت بطريقة او بأخرى الى القراءات غير المنصفة التي تملأها الاهواء المذهبية والطائفية اكثر مما يملأها الحرص على بناء حاضر مزدهر من ماض زاخر بالاحداث بطريقة نستشف من خلالها مقاصدية واهداف الحراك عند تلك الشخصيات المهمة تاريخيا والمؤثرة في عقيدتنا واخلاقنا لنعرف غايات حراكها ونرسم لانفسنا طريقا يحقق الغايات نفسها التي تصب في المصلحة الانسانية العامة، وتدعم مسيرة الحضارة الانسانية الاسلامية.

بيد اننا -وللأسف الشديد- ما زلنا اسرى الماضي بكل تفاصيله واسرى احداثه ننقلها كما هي، وكل ينقل من بحر التاريخ ما يريد ويصب في تعزيز مواقفه المذهبية والطائفية بطريقة تجزيئية غير متكاملة، مما ادى الى حدوث شرخ كبير في حراك الامة، ورغم ان القرآن الكريم في ذكره كثيرا من القصص القرآنية كان يعلل ذلك بأنه يريد منا ان نتفكر ونتدبر في مسيرة الماضين ونأخذ العبر منها.الا اننا تدبرنا وتفكرنا في الشخصيات وانغمسنا فيها وحولناها الى اصنام تعبد، لا الى شخصيات تدعو لعبادة الخالق وترسم بحراكها طريقا معرفيا للوصول الى تحقيق هذه الغاية السامية.ان القراءة التاريخية المنصفة هي القراءة التي تبتعد عن اي اهواء طائفية ومذهبية وتدرس حراك الشخصيات التاريخية المهمة والمعصومة على انه حراك هادف لتحقيق غايات عليا، اهمها رضا الله تعالى وتوحيده على الارض، واقامة العدل ورفع الظلم عن المظلومين مهما كانت مذاهبهم ومرجعياتهم الفكرية، لان الظلم ومواجهته لا يختصان بإنسان دون انسان، وصريح القرآن يخاطب رسول الله قائلا: «وما أرسلناك الا رحمة للعالمين» وتوحيد الجبهات في وجه الظالمين والمستكبرين مهما كانت هوياتهم وانتماءاتهم، لان الظلم والاستكبار لا يخصان جهة دون جهة وفئة دون فئة.

ونحن هنا لا ننكر نقل الاحداث التاريخية، ولكن ننكر تقديس هذه الاحداث والوقوف عندها بطريقة تبث الفتنة والفرقة وتضرب وحدة الصف، بدل ان تحقق اهداف هذه الاحداث وغاياتها وعللها.

فالقراءة المقاصدية والغائية المنصفة للتاريخ والبعيدة عن الأسر والاهواء والمنطلقات الشخصانية والمذهبية والطائفية هي الكفيلة بان تجعل من تاريخنا كتابا زاخرا نبني منه مستقبلا مشرقا وحضارة بنّاءة ونخرج من اسر الاموات الى سماء الاحياء لنرسم لهم الحاضر بأصالة الماضي وثقافة الحاضر.

الكاتب: إيمان شمس الدين