تاتانيا-فاليريفنا-–-اوكرانيا

تاتانيا فاليريفنا – اوكرانيا – مسيحي

ولدت عام ۱۳۸۹هـ (۱۹۷۰م) في “كييف” عاصمة أوكرانيا، ونشأت في أسرة تعتنق المذهب الأرثوذكسي، ثمّ توفّرت لها فرصة التعرّف على الحقّ المتمثّل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق زوجها الشيعي الذي كان من أهل لبنان وكان يسكن في منطقة “الشياح” (جنوبي بيروت)، فاستسلمت لنداء الحقّ واستبصرت.
وفيما يلي تبيّن “تاتانيا” بعض وجهات نظرها بعد الإستبصار في اللقاء الصحفي الذي أجرته معها مجلّة نور الإسلام:

س ـ نرجوا إعطائنا أولاً فكرة عن محيطك ونشأتك قبل اعتناقك الإسلام.

ج ـ أرحّب بكم وبمجلة (نور الإسلام) أوّلاً، وأجيب على سؤالكم الكريم بأنّني أدعى تاتانيا فاليريفنا جابر، ولدت في أسرة ذات مستوى ثقافي جيّد، فقد كان أبي يعمل مسؤولاً في مصنع لقطع السيارات، وكانت أمّي تعمل محاسبة في شركة للحاسبات الإلكترونية، والدي من روسيا البيضاء، ووالدتي أوكرانيّة، وجدّي يوغسلافي، وجدّتي بولونية، وقد جمعت بذلك بين أصول مختلفة، وقد ولدت في (كييف) عاصمة أوكرانيا سنة ۱۳۸۹هـ (۱۹۷۰م)، وأنا البنت الكبرى لعائلة من ثلاثة أولاد، وكانت علاقتي بأسرتي حميمة، وكنّا نعيش كأيّ أسرة شرقية، تعتنق المذهب الارثوذكسي كدين تقليدي، حيث يذهب أكثر الناس هناك إلى الكنيسة انسجاما فقط مع التقاليد والعادات، وليس بسبب الإيمان بتلك الشعائر والطقوس; لأنّ المفاهيم الماركسية كانت قد أوجدت جوّاً معادياً لأيّة عقيدة دينية!
وبموجب تلك الأنظمة التي كانت سائدة، كان يحظر على الطلاب المسيحيين من الشبيبة الروسية أن يذهبوا إلى الكنيسة لغرض العبادة، بل كان يسمح لهم بذلك على اعتبار أنّ الكنائس هي كالمتاحف، أماكن للزيارة والاستطلاع وليست للصلاة.

س ـ وماذا عن المجتمع الذي نشأت فيه ونظرته للدين؟

ج ـ إنّ المجتمع الذي نشات فيه كان مجتمعاً ماركسياً ـ لينينياً، تقوم النظرة فيه على دكتاتورية البروليتاريا، وكان الحزب الشيوعي يوجّه الشبيبة (الكومسومول) توجيهاً خاصّاً يصنع منهم ماركسيين فيما بعد.
وقد ساد هذا الطابع وشمل كلّ جوانب الفكر والمجتمع حتّى الفن، وكانت التربية تقوم على الإلحاد وكنت واحدة من بين آلاف الأعضاء المنتمين إلى حركة الشبيبة (الكومسومول)، وكنت أعمل على نشر المبادئ السائدة آنذاك لدى النظام قبل تعرّفي على الإسلام.
وقد كانت الثقافة التعليمية في المدارس تستخدم الآيديولوجية القائمة على أساس الإلحاد، ولم أكن أعرف إلاّ هذه التعاليم التي تدور حول ماركس ولينين والنظام الشيوعي الذي كان يتحتّم علينا الإخلاص له. وكنّا نتلقّى بعض المعلومات الدينية التي تنظر إلى الدين كحركة اجتماعية مرّت وعبرت، كشكل من أشكال الوعي الاجتماعي، هذه نقطة أساسية أولى. والنقطة الثانية تقوم
على اعتبار أنّ المادّة في في المقام الأوّل، ثمّ يأتي الوعي الذي هو في نظرهم، شكل من أشكال المادة .
وكانت الشبيبة الروسية تعيش في غمرة الانبهار والإنجازات التي حققتها الشيوعية في مدى نصف قرن من عمر الثورة البولشيفية، التي حدثت سنة ۱۳۳۵هـ (۱۹۱۷م) في بداية هذا القرن، والتي بدأت معها الدولة منذ الستينات تسير نحو الصدارة لتصبح دولة كبرى في مقابل الغرب، كان لها أثر كبير في محيطها وفي غيره.
وهي اليوم تشهد انحساراً نتيجة لظروف موضوعية تتعلّق بمصداقية المبادىء التي قامت عليها، والتي ثبت أنّها لم تكن إلاّ شعارات مؤقتة وزائفة، قامت في ظروف تعتبر الأسوء في العالم المعاصر، ممّا أتاح لها أن تحقّق ذلك النجاح والازدهار، وبعد انكشاف زيف تلك الحضارة المادية والخدعة الشيوعية كان السقوط المدوي الذي نعيش آثاره وتجربته الجديدة، وقد ترافق ذلك مع تنامي الصحوة الإسلامية التي مازالت تمتدّ وتتوسّع إلى محيط أبعد، وقد حلّت اليوم بنظري النظرية الإسلامية محلّ النظرية الماركسية في مواجهة الغرب ورأسماليته.

س ـ هل نستطيع ان نعرف الدوافع والظروف التي قادتك لاعتناق الإسلام؟

ج ـ نعم، كنت أشعر منذ البداية في ظلّ النظام الماركسي بثغرات على مستوى الفكر والعقيدة، وكانت هناك بضعة أسئلة فطرية تلحّ عليّ باصرار، ولا أجد لها جواباً، وبالإضافة إلى دوافع الفطرة التي هيّأتني إلى دخول الجّو الجديد، كان تعرّفي على نموذج جديد في الفكر من خلال تعارفي مع زوجي، وقد ساعدني ذلك على الخروج من واقعي الحائر، فكان اللقاء معه نقطة بداية للدخول إلى أجواء الإسلام، وكانت هذه الفرصة مهمّة، كونها ساعدتني على مراجعة آرائي السابقة وتمحيص الثقافة والأفكار التي تربّيت عليها.
وبداية كان التساؤل عن أصل الإنسان (النظرية الداروينية) عن النشوء والارتقاء، مسيطراً عليّ، والسؤال المحور كان هل المادة أوّلاً أم الوعي، وأيّهما ينتج عن الآخر؟ وذلك يدور في إطار نظرية أصل الأشياء، أو مبدأ الخلق والتكوين، وذلك بحثاً عن العلّة الأولى الخالقة للكون، أهي المادة وتناقضاتها، أم أنّ هناك قوّة فوق المادة؟ من هنا بدأت رحلتي مع الإيمان والعقيدة، حيث وصلت إلى قناعات كافية وإيمان راسخ عن طريق الإجابات المقنعة التي يقدّمها الإسلام في هذا المجال وسواه.

س ـ ما كان موقف أسرتك وأصدقائك من تحوّلك هذا؟

ج ـ أوّل الأمر كانت ردود الفعل سلبية لدى أهلي، نتيجة الدعاية السلبية الموجّهة عن الإسلام في آسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد السوفياتي، وكذلك ما تعرضه الأفلام عن المرأة الشرقية المسلمة على أنّها سلعة للبيع، وهي صورة قديمة غير صحيحة، يتداولها الإعلام الشيوعي، ولكن بعدما استطعت توضيح الصورة في أذهان أهلي وتبديد هذه الدعايات، تفهّموا دوافعي ورحبّوا بفكرة الزواج من رجل مسلم.
أمّا أصدقائي وأقربائي فقد بقوا على دهشتهم وتعجّبهم من تحوّلي إلى الإسلام، ومن اختياري أن أعيش في مجتمع وطريقة مختلفين عمّا نشأت فيه وترعرعت عليه، ولكنّي آمل في يوم ما، أن يعوا ويتوصّلوا إلى ما توصّلت إليه.

س ـ ما هي المتغيّرات الإيجابية التي تمت في حياتك بعد اعتناقك الإسلام .

ج ـ بعد اعتناقي الإسلام شعرت براحة نفسية عظيمة، خصوصاً أنّني بدأت أمارس الصلاة، وكذلك الصوم الذي فهمته كباعث ديني اجتماعي للتعاطف مع الفقراء، وقد وفّرت لي هذه العبادات شعوراً بالاطمئنان، ودفعتني نحو التكامل الروحي والإنساني.
وبعد أن عرفت أنّ للحياة هدفاً، وأنّ للكون خالقاً ومدبّراً، تخلّصت من حيرتي، ولم يعد هناك فراغ في حياتي على مستوى الفكر والعقيدة.

س ـ على ضوء تجربتك هل تقترحين وسائل جديدة للدعوة إلى الله؟

ج ـ يجب أن ندعو الناس إلى حوار فكري وعقيدي مهما كانت عقيدتهم ونظرتهم للحياة، على قاعدة الاقتناع والبحث عن الحقيقة للوصول إلى قواسم مشتركة، خاصّة مع أتباع الديانات السماوية الأخرى، وذلك مصداقاً للآية الكريمة: (قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَينَنَا وَبَينَكُم أَلاَّ نَعبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشرِكَ بِهِ شَيئاً) (آل عمران:۶۴).
كما علينا أن نستفيد بشكل واضح وذكي من وسائل الإعلام الحديثة، كي نعرض أفكار الإسلام ومفاهيمه على أكبر مجموعات ممكنة من مختلف القوميات والشعوب.

س ـ ما هي نظرتك إلى واقع المسلمين اليوم؟

ج ـ أرى أنّ أكثر المسلمين يعيشون القشور في حياتهم، ويتركون جوهر الإسلام، وهناك الكثير ممن اكتفوا بالنظرية وتركوا التطبيق، ولم يحوّلوا ما أخذوه إلى واقع علمي وإيجابي، بالإضافة إلى أسباب وعوامل خارجية أخرى، تؤدّي إلى ضعف التزام قطّاعات كبيرة من المسلمين بدينهم، غير أنّ ذلك يجب أن لا يمنع الواعين من العمل الدؤوب لتحسين واقع المسلمين، وتقوية الدين في نفوسهم، كذلك أشير إلى ضعف وحدة المسلمين، هذه الوحدة ضرورية لا من أجل خوض الحروب، بل من أجل لعب دور حضاري وفكري واسع ومؤثّر، فالإسلام لم يقم على الحروب كما يدّعي الغربيون، بل كانت تلك وسيلة للدفاع عن الرسالة وكيان الأمّة.

س ـ وما هي رؤيتك إلى واقع المرأة المسلمة اليوم؟
ج ـ يجب على المرأة المسلمة أن لا تنغلق على نفسها، وهي حينما ترتدي الحجاب إنّما تستعيد حرّيتها الحقيقية، فهي إذا فهمت الإسلام أصبحت عصيّة على المحاولات الخبيثة العاملة على انحرافها وضياعها، وبالتالي على إضعاف الأمّة والمجتمعات الإسلامية، ولذلك يجب العمل بكل جهد لصيانة الجيل المسلم وخصوصاً الفتيات والمرأة بشكل عام، إنّ المشكلة الرئيسية هي مع المسلمات قبل غيرهن، وإنّي أدعوهن للعودة إلى الينابيع الإسلامية الأصيلة، كي يشاركن بشكل فعّال في رقي مجتمعاتهن، وإنّني أثمّن نشاط الحركات النسائية الإسلامية الفعّالة، وأطلب دعمهن ليتمكّن من تحقيق أهدافهن العزيزة.

س ـ هل من كلمة توجيهينها عبر المجلة؟

ج ـ أشكر مجلّة (نور الإسلام) التي أتاحت لي الفرصة، وفسحت لي المجال، ولكل من يريد أن يتحدّث عن تجربته الشخصية في طريقه للهداية، وإنّني أدعو المسلمات المهتديات ـ خصوصاً ـ كي يتحّدثن عن تجربتهن في الاهتداء إلى الإسلام، من أجل إغناء أسلوب الدعوة وإيضاح الطريق أمام الأخريات.
كما أدعو الرجل المسلم إلى أن يعطي المرأة فرصة التعلّم والثقافة الصحيحة; كي تنفتح عليّ المجتمع وتتمكّن من التعرّف على نقاط الوعي; لأنّ المرأة هي دعامة المجتمع، وعلى عاتقها تقع مسؤولية التربية والإعداد.
كما أدعو علماء الدين والهيئات الدينية الإسلامية كي يحوّلوا الدين من مجرّد دعوة جامدّة إلى دين حي يغتني بالفكر والواقع ويغنيهما، وأدعوهم إلى أن يرتفعوا إلى مستوى الرسالة الحضارية الإنسانية التي جاء بها الإسلام، والعمل على إزالة الخلافات فيما بينهم; لأنّها تؤثّر على حركة التبليغ وسمعة الإسلام وهم يتحمّلون بذلك مسؤولية شرعية كبيرة(۱).

 (۱) مجلّة نور الإسلام: العدد (۶۷ـ۶۸)، السنة السادسة ۱۴۱۶هـ ـ ص ۸۸ .