المذهب الشیعي » حول الشیعة »

تاريخ التشيع في العراق

ان التاريخ ليس ترفا فكريا يتسلى به المترفون بل مدرسة كبرى يتعلم فيها الناس ويستنيرون واليوم اضحى التاريخ علما وللكتابة فيه افكار وغايات ومقاصد سامية تهتدي وتعلم بعد ان كان عند السابقين مجرد حوادث ووقائع تكتب وتدون .

وعند الغور في عمق الحوادث التاريخية نلاحظ في الغالب الاعم دونت بقلم المدح للحاكم والاشادة بمنهجه وافعاله ومثالية بطولاته ولم نجد قلما دون للأمم والشعوب وذكر قدراتها واستنهاض حقوقها المضيعة واذا ما بادر احد من المؤرخين فكان ذلك على خوف واستحياء وقد ضاعت بين هذين النهجين حقوق الكثير من الشعوب والقوميات واخفيت اصواتهم وسحقت كراماتهم ولعل اكثر من ظلمهم التاريخ والمؤرخون هم الشيعة لاسيما في العراق الذي يعتبر في الحقيقة والواقع مهد التشيع وبيضته ومدرسته الكبيرة  .

وتعود بدايات التشيع في العراق الى ما قبل هجرة الامام امير المؤمنين علي عليه السلام الى الكوفة اي الى زمن هجرة قبيلة همدان وبني النخع من جنوب جزيرة العرب الى العراق وكان هؤلاء قد عرفوا الامام عليه السلام في السنوات الاخيرة من عمر النبي الاكرم صلى الله عليه واله واسلموا على يده حين بعثه النبي صلى الله عليه واله الى بلاد اليمن .

وعلى اي حال فقد انتشر التشيع وزادت رقعته بمجيء الامام علي عليه السلام الى الكوفة واتخاذها اياها عاصمة لحكمه وقد تنعم اهل العراق في ظل حكومته العادلة والكريمة ما يقارب من خمس سنوات وكان خلال ذلك يعظهم ويرشدهم فاثمر في انتشار الفكر والخط الاسلامي الاصيل على ايدي اتباع هذا الامام الهمام عليه افضل الصلاة والسلام وقد عبر امير المؤمنين عن حبه للكوفة في مناسبات مختلفة فوصفها بانها ” تربة تحبنا ونحبها “.

فصارت الكوفة معقل الشيعة والتشيع ولما قضي الامام علي عليه السلام نحبه حاولت السلطات الاموية وعمالها استئصال التشيع منها بأبشع صورة صورة مستخدمة في ذلك ابشع الاساليب الاجرامية الرهيبة من دون اي وازع من ضمير .

وكان لشيعة العراق ادوار هامة وحساسة في صياغة التاريخ الاسلامي فقد جاءوا سنة ٣٥ هجرية الى المدينة للاحتجاج على عثمان وطالبوه بالعودة الى سنة رسول الله صلى الله عليه واله والكف عن سياسة تفضيل بني امية وتحكمهم في رقاب المسلمين وكان لحركتهم هذه الاثر الفعال والقوي في اعداد الارضية والمناخ المناسب لحكومة الامام عليه السلام .

وعلى الرغم من العراق ونخص منه الكوفة كان علوي النزعة هاشمي الولاء الا ان الامام الحسين بن علي عليهما السلام استشهد في هذا البلد وبسيوف من كان يحسب على اهل هذه المدينة الولائية لان الشيعة الحقيقين كانوا بين مسجون في زنزانات الامويين او ملاحق ومطلوب او ناصر التحق بركب سيد الشهداء عليه السلام في احلك الظروف .

واما الذين شاركوا في قتل الامام فلم يكونوا من الشيعة ابدا بل كانوا من اتباع بني امية والمنضوين تحت رايتهم فلما قتل الحسين عليه السلام اثار قتله شجون الشيعة وبقوا يتحينون الفرص للانقضاض على الحكم الاموي الفاسد واتباعه حتى حانت الفرصة للمختار وخروجه من السجن فالتفوا حوله في ثورة عظيمة .

لقد تبلور التشيع بعد حادثة الطف الاليمة بقليل وصار العراق مركز الثقل الاكبر له وكانت القوافل من العراق ومن سائر البلدان الاسلامية تتراى وتؤم قبر سيد الشهداء عليه السلام واهل بيته واصحابه الميامين فصارت مشاهد اهل البيت عليهم السلام معمورة بالزائرين والمجاورين واتخذت الشيعة تلك المشاهد المقدسة حوزات علمية ومعاهد فكرية فازدهر العراق بعمالقة الفكر واساتذة الفقه واساطين الكلام . وبطبيعة الحال فان نشوء دول وامارات شيعية في القرن الرابع ساعد كثيرا في نشر التشيع ونموه في العراق .

وكذلك فقد كان لمجيء الدولة البويهية الشيعية في بغداد ووجود علماء اجلاء من امثال الشيخ المفيد والشريف الرضي والشريف المرتضى ومن بعدهم الشيخ الطوسي الدور المؤثر في نشر مذهب الحق في ربوع العراق .

وينبغي الاشارة الى ان اضمحلال الدولة العباسية المتعصبة اقترن برواج التسامح المذهبي وتقليل الضغوط على الشيعة مما مهد لازدهار التشيع وبسط مساحته في هذا البلد الى حد عجزت معه الدولة العثمانية والتي سيطرت على اسيا الصغرى والبلاد العربية ومصر عن وضع حد لانتشار التشيع وتقليه على الرغم من القدرة التي امتلكتها هذه الدولة .

وقد انتمت الكثير من القبائل العربية خلال القرنين الماضين الى المذهب الشيعي ومن هذه القبائل خزاعل وقبيلة زبيد وقبيلة كعب وقبيلة ربيعة .

ويشكلون الشيعة في العراق النسبة الاكبر من بين سكانه وهاهم يتمتعون بحرية اكبر وسلطة لم يشهد لها التاريخ مثيل فهل ياترى قادرين بالفعل على استغلال هذه الفرصة المتاحة وبالتالي العمل على نشر مباديء وقيم وتعاليم اهل البيت عليهم السلام الى العالم والتمهيد لحكومة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف الكريمة والعادلة

جواب متروك للزمن القادم .

الكاتب: ضياء الزهاوي