تفسير-آية-إكمال-الدين

تفسير آية إكمال الدين

كمال الدين بولاية علي عليه الصلاة والسلام

تفسير الآية المباركة

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}[۱]

اتفق جمهور المفسرين أن الآية المباركة نزلت في يوم غدير خم , عندما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين , بالولاية الكلية المطلقة لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام , بأمر من الله عز وجل.

ومعنى الآية , أن الله عز وجل يقول للمسلمين : أنه لا كمال للدين , ولا تمام لنعمة الإسلام , إلا بولاية علي بن أبي طالب , بحيث إن لم تبلغ إليكم كأصل أساس للإسلام , ولم تعترفوا بذلك , وتلتزموا به ,كان إسلامكم ناقصاً , ومرفوضاً , وغير مقبول عندي.

ونفهم من ذلك أن الذين نقضوا البيعة , ولم يقروا بولاية أمير المؤمنين بعد إبلاغهم ، وعهدهم ، وبيعتهم دنيهم ناقص , ولا نصيب لهم من النعمة الإلهية التي هي الولاية، ولا يرضى منهم دينهم . وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة , نورد منها :

۱٫ تفسير مجمع البيان : روي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قالا..: ” إنه إنما أنزلت بعد أن نصب النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه الصلاة والسلام علماً يوم (غدير خم ) , منصرفه عن حجة الوداع , قالا : وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى , ثم لم ينزل بعدها فريضة “[۲].

۲٫تفسير (مجمع البيان ) , و(تأويل الآيات ): يروي جمهور المفسرين , من الشيعة والسنة , عن أبي سعيد الخدري أنه قال : ” إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا الناس إلى علي يوم غدير خم , وأمر بقلع ما تحت الشجر من الشوك , وقام فدعا علياً عليه السلام , فأخذ بضبعيه حتى نظر الناس إلى إبطيه ، وقال :

” من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه , وعاد من عاداه , وانصر من نصره , واخذل من خذله. ثم لم يفترقا حتى أنزل الله , عز وجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }[۳] الآية فقال النبي صلى الله عليه وآله : الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة , ورضى الرب برسالتي , وبولاية علي من بعدي “[۴].

۳٫(أصول الكافي) و(تفسير الصافي ) : عن الباقر عليه الصلاة والسلام : ” كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض , فأنزل الله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[۵] , قال : لا أنزل بعد هذه الفريضة , قد أكملت لكم الفرائض … “[۶].

أقول : إن الذين آمنوا بالرسول بعد بعثته , وانتشار رسالته , إيمانا قلبياً وراسخاً , هم عدة قليلة , ومعدودون , ولكن البقية , والمستكبرين من قريش خاصة أمثال أبو سفيان , وأعراب البادية , لم يعتقدوا بالإسلام من قلوبهم , لأنهم وجدوا في الإسلام مانعاً , وسداً , يمنعهم من ميولهم , وشهواتهم النفسية , وسيطرتهم , ونزواتهم ، وكبريائهم.

إن الإسلام في نظامه السماوي , قطع أيدي الظلم والطغيان عن أرواح الناس وأموالهم , ونواميسهم , وأوجد نظاما على أساس العدل والتقوى , يقاوم كل أنواع السيطرة والاستعمار , مهما تطاولت أعناق متداوليها. ولذلك لم يتمكن طغاة الجاهلية من استدامة مواقعهم الاجتماعية , فراحوا يترصدون الفرص لهدم ما جاء به الإسلام , والعودة إلى ممارسة الوحشية التي استهدفت أموال وأرواح الناس المستضعفين. وبهذا يكون تظاهرهم بالإسلام إما طمعاً في الحصول على مآربهم , من خلال النظام الجديد. وإما خوفا من الذل والسقوط من مواقعهم . و لذلك يقول القرآن الكريم واصفاً إياهم { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ }[۷] ، وقال في موضع آخر {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[۸] , وقال عز من قائل { الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }[۹]، وقال تعالى في نفاقهم وتلونهم { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ }[۱۰].

وهكذا , وبعد التعمق في الآيات المذكورة , والآيات الكثيرة الأخرى من القرآن الكريم , يثبت أن إسلام أكثر المسلمين , لم يكن من قلب سليم , وعقيدة راسخة , وان هؤلاء هم المنافقون الذين كانوا يمثلون الأكثرية من المسلمين ذاك اليوم , ولم يلتزموا بالقوانين الإسلامية عمليا , ولم تكن عندهم رغبة وميول في تلك القوانين ، بل راحوا يفتشون عن الفرصة المناسبة , لطمسها , وسحقها , حتى انتهزوا حدث وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , لينثروا بذور النفاق بين المسلمين , ويسلبوا زمام أمور المسلمين من يد صاحب الولاية بنص القرآن .

إنها الفرصة الثمينة المناسبة التي وجدوها بعد أن كانوا يعدون لها الأيام. وفي قبالهم العدد القليل من المسلمين الذين رسخ الإسلام والإيمان في قلوبهم , وتشربوه في أفكارهم وأرواحهم , ولم تكن عندهم القدرة والنباهة في حفظ تفسير القرآن وأحكامه , ومفاهيمه , وإبلاغ ذلك إلى المسلمين القاطنين في البلاد الإسلامية الواسعة , والأجيال الصاعدة , فيمكنوهم من الوقوف أمام الاتجاه الفاسد والعنيد من الأعداء.

وعليه كان على الله سبحانه , ومن باب اللطف , وحرصاً منه على حفظ وحماية دينه , وحرصاً عليه من التحريف , أن يجعل على المسلمين إماماً وخليفةً ، معصوماً وقادراً . لأن يكون حافظاً وحارساً للدين من الإندراس , بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشارحاً للقرآن , مانعاً بذلك من حدوث الفتن , والبدع فيه.

وكذلك كان على الله عز وجل , أن يعين أوصياء لهذا الخليفة , ليكونوا الأمناء على الرسالة , وحاملي الراية , وحافظي الوحي والعلوم الإلهية , وهؤلاء الأوصياء حريصون على غرس الدين الإسلامي , وشريعته السمحاء , لوقوفهم أمام أصحاب البدع والأهواء , وأعداء الدين .

إن الله عز وجل كما عين أوصياء للأنبياء السابقين بنفسه, وعينهم بإرادته , ولم يشرك أحداً من الناس في قراره , ولم يترك الأمر للناس شورى ولا رأي ولا إجماع , وغير ذلك فعل في تعيين خليفة آخر الأنبياء ، وعينه بنفسه, ولم يشرك أحداً في قراره .

إن هذا الخليفة العظيم الذي كان في الواقع حافظ العلوم الإلهية , ومنفذ الأوامر والواجبات العظيمة , لزم عقلاً أن يكون عالماً وقادراً على ذلك , وأن يكون قوي البرهان , وقوي الإيمان , كما كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مهيئاً للتصدي وتحمل كل هذه المشاق والصعوبات .

فعندما نتصفح كتاب التاريخ نجد أن الشخصية العظيمة الوحيدة , الذي كان بمنزلة نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في خصائصه ومواصفاته هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب[۱۱] عليه الصلاة والسلام فقط, وأن هذا الرداء الملكوتي لا يمكن أن يرتديه أحد غيره , وهو الوحيد القادر على حفظ هذه الأمانة , وتحمل مسؤولية الدين الإسلامي الحنيف , بما كان يحتوي عليه من علم وتقوى , وفضائل خرجت من بين المؤالفين والمخالفين .

إن الله سبحانه ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , اختصا كرسي الولاية والخلافة بأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام , وأولاده الطاهرين صلوات الله عليهم لأن لا أحد سواهم يستحق ذاك الموقع والمكانة , ومن كان له أدنى معرفة بتاريخ الإسلام ، وتبصر بعين الحقيقة المجردة , يجد صحة هذا الكلام جلياً وواضحاً .

إن أعداء علي عليه الصلاة والسلام – فضلاً عن أحبائه – ومع كل العناد الذي كانوا يضمرونه له , لم يتمكنوا أن ينكروا فضله وموقعه , وراحوا يعترفون بمقامه الشامخ في الإسلام , وأن لا مثيل له ، ولا نظير , بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وها هي الكتب مشحونة بتصاريحهم بذلك , وسجلها التاريخ ، بحيث لا مجال لنا بذكرها في هذا المجال المختصر , ومن شاء التأكد من صحة ما نقول فليرجع إلى بطون الكتب , وهوامش المصنفات .

وهنا أرى من المناسب واللازم أن نذكر بعض تلك الأقوال والشهادات بأن علياً عليه الصلاة والسلام هو الذي ورث علم الرسول , واستحق بذلك المقام الرفيع , فأذكر بعض هذه النصوص من طرق أهل السنة من باب المجادلة[۱۲] { بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[۱۳].

(۱) (منتخب كنز العمال )[۱۴] : عن ابن عباس , عن جابر بن عبد الله الأنصاري : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” أنا مدينة العلم وعلي بابها , فمن أراد العلم فليأت الباب “[۱۵].

(۲) عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” قسمت الحكمة عشرة أجزاء, فأعطي علي تسعة أجزاء, والناس جزءاً واحداً, وعلي أعلم بالواحد منهم “[۱۶].

(۳) عن علي عليه الصلاة والسلام قال : أحاج الناس يوم القيامة بتسع : بإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر , والعدل في الرعية , والقسم بالسوية , والجهاد في سبيل الله ، وإقامة الحدود وأشباهها “[۱۷].

(۴) أخرج الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين ) قال : عن ابن عباس , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” أنا مدينة العلم وعلي بابها , فمن أراد المدينة فليأت الباب ”.

وهذا الحديث ذكره السيوطي[۱۸] في كتابه ( الجامع الصغير : ص ۱۰۷ ) , وألف الإمام أحمد بن محمد الصديق المغربي المصري ( ت ۱۳۸۰ هـ)[۱۹] ، كتاباً صحح فيه هذا الحديث وأسماه < فتح الملك العلي بصحة باب مدينة العلم علي >.وطبع في المطبعة الإسلامية بأزهر مصر عام ( ۱۳۵۴هـ )[۲۰].

(۵) (كنز العمال ): عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ” علي باب علمي , ومبين علمي , ومبين من بعدي لأمتي ما أرسلت به حبه إيمان , وبغضه نفاق “[۲۱].

(۶) (مناقب ابن المغازلي الشافعي ): ” عن ابن عباس , قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ” علي مني مثل رأسي من بدني “[۲۲].

(۷) (الصواعق المحرقة ) لابن حجر: ” عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ” علي مني بمنزلتي من ربي “[۲۳].

(۸) (مستدرك الحاكم النيسابوري ) : عن أنس بن مالك , عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه الصلاة والسلام : ” يا علي أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي”[۲۴].

يقول صاحب كتاب ( المراجعات ) في ذيل هذا الحديث:” من تدبر في هذا الحديث وأمثاله يعلم أن علياً من رسول الله بمنزلة رسول الله من الله عز وجل , يقول الله تبارك وتعالى مخاطباً نبيه { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[۲۵], والرسول يقول لعلي:” يا علي ! أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي “.

(۹) (كنز العمال ): عن أبي بكر, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” كفي وكف علي في العدل سواء “[۲۶].

(۱۰) (كنز العمال ) : روى الديلمي , عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال :” أنا المنذر وعلي الهادي , وبك يا علي يهتدي المهتدون “[۲۷].

(۱۱) (ميزان الاعتدال ) : عن ابن عباس , قال : قال النبي صلى الله عليه وآله :” من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه , وإلى نوح في حكمته , وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى علي عليه الصلاة والسلام “[۲۸].

(۱۲) ونرغب هنا في هذا المجال أن ننقل لكم مجموعة من الأحاديث المختلفة والمتفرقة التي تتناول أمير المؤمنين بفضائله ومآثره, فنقول :

(أ) روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ” أما بعد : فإني أمرت بسد هذه الأبواب , غير باب علي , فقال فيه قائلكم , واني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته , ولكني أمرت بشيء فاتبعته”.

(ب) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه , عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ” يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد , غيري وغيرك “.

(ج) عن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي, ولا أنا تركته, ولكن الله أخرجكم وتركه, إنما أنا عبد مأمور, ما أمرت به فعلت, إن أتبع إلا ما يوحى إلي “.

(د) عن علي عليه السلام قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” يا علي لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق “.

(هـ) ابن منده , عن رابع مولى عائشة مرفوعاً : ” عادى الله من عادى علياً ” .

(و) عن أنس مرفوعاً:” عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب “.

(ز) عن عمرو بن شأس مرفوعاً : ” من آذى عليا فقد آذاني “.

(ح) عن سلمان رضي الله عنه مرفوعاً : ” من أحب عليا فقد أحبني , ومن أبغض عليا فقد أبغضني “.

(ط) عن أم سلمة مرفوعاً :” من سب علياً فقد سبني , ومن سبني فقد سب الله “.

(ي) عن جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعاً : ” علي إمام البررة , وقاتل الفجرة ، منصور من نصره , مخذول من خذله “.

(ك) عن ابن عباس مرفوعاً: ” علي باب حطة, من دخل منه كان مؤمنا, ومن خرج منه كان كافراً “.

(ل) عن ابن عمر مرفوعاً: ” أنت أخي في الدنيا والآخرة ” قاله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه الصلاة والسلام.

(م) عن البراء بن عازب مرفوعاً :” أنت مني وأنا منك ” قاله لعلي عليه الصلاة والسلام.

(ن) عن عمران بن حصين مرفوعاً:” ما تريدون من علي, إن علياً مني وأنا منه, وهو ولي كل مؤمن بعدي “.

(س) عن البراء , عن بريدة مرفوعاً :” من كنت مولاه فعلي مولاه “.

(ع) عن بريدة مرفوعاً :” من كنت وليه فعلي وليه “.

(ف) عن حبشي بن جنادة مرفوعاً :” علي مني وأنا من علي , ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي “.

(ص) عن أم سلمة مرفوعاً :” علي مع القرآن , والقرآن مع علي ، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض “.

(ق) عن ابن عمر مرفوعاً :” ألا أرضيك يا علي ! أنت أخي , ووزيري , تقضي ديني , وتنجز موعدي , وتبرئ ذمتي , فمن أحبك في حياة مني ، فقد قضى نحبه , ومن أحبك في حياة منك بعدي , ختم الله له بالأمن والإيمان ,ومن أحبك بعدي , ولم يرك , ختم الله له بالأمن والإيمان , وآمنه يوم الفزع , ومن مات وهو يبغضك , يا علي , مات ميتة جاهلية , يحاسبه الله بما عمل في الإسلام “[۲۹].

(۱۳) ( ينابيع المودة )[۳۰] بالإسناد إلى علي بن الحسن , عن علي الرضا , عن أبيه , عن آبائه , عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , في حديث له إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام وفي آخر الحديث يقول الرسول لعلي عليه الصلاة والسلام : ” يا علي ! من قتلك فقد قتلني , ومن أبغضك فقد أبغضني , ومن سبك فقد سبني , لأنك مني كنفسي , روحك من روحي , وطينتك من طينتي , وإن الله تبارك وتعالى , خلقني وخلقك من نوره , واصطفاني واصطفاك , فاختارني للنبوة , واختارك للإمامة ,فمن أنكر إمامتك , فقد أنكر نبوتي . يا علي ! أنت وصيي, ووارثي ، وأبو ولدي , وزوج ابنتي , أمرك أمري , ونهيك نهيي , أقسم بالله الذي بعثني بالنبوة ، وجعلني خير البرية , إنك لحجة الله على خلقه , وأمينه على سره , وخليفة الله على عباده …”[۳۱].

بعد نقل هذه الأحاديث التي مرت عليك ، والتي كلها عبارة عن جزء من آلاف الأحاديث المعتبرة , المنقولة عن أكابر علماء أهل السنة , لم يبق مجال للشك , أو الإنكار , بأن علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام هو الشخص الوحيد الذي يحق له إحراز مقام الولاية والخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , ونظن بأن هذا المقدار من الأحاديث التي أثبتناها وغيرها من الأحاديث التي تجدها في مظانها من كتب المناقب يكفي لإثبات ذلك , ولا يصر بعد هذا على إنكار أحقية علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام بالولاية والخلافة ,إلا المعاند الجاهل .

وهناك أمر آخر يجب أن يهتم به, ولأجل الإيضاح نذكره هنا :

بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , ثبت بالاعتماد على كثير من الروايات والأحاديث المعتبرة, أن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, وفي أيام الخلفاء الثلاثة , كان يصحح كثيراً من الفتاوى والأحكام , والقضاء منها على وجه الخصوص , التي كانوا يصدرونها خطأ في غالب الأحيان , والتي كانت خلاف الشرع , حتى إن الخليفة الثاني ذكر مراراً ، وجهاراً : ( لولا علي لهلك عمر ) قال عمر : ” عجزت النساء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب , ولولا علي لهلك عمر “[۳۲].

ولكن في عهد خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام, أو في موارد أخرى, كان الإمام يحكم , ويقضي , في القضية المعترضة, أو الحادثة , وما كان يحتاج إلى مشورة أحد , وما كان يسمح لأحد أن يتدخل في ذلك.

وبعد مرور أربعة عشر قرناً , على زمان علي عليه الصلاة والسلام, لا زالت أحكام القضاء والفتاوى العادلة , والخطب الرنانة البليغة , التي كان يلقيها على المسلمين ، وكلماته التي كانت جميعها مملوءة بالحكمة والموعظة , كلها منبعا لمفكري العال ، وملهما لآثارهم النفيسة , التي تركها نوابغ العلم والأدب , إلى عصرنا الحاضر.

وبناء على ما تقدم , يثبت أن خليفة الرسول الأعظم , خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقي , ووارث علومه ودرجاته , لم يكن غير مولى المتقين علي عليه الصلاة والسلام, بشهادة واعتراف الخلفاء الثلاثة , وعلماء ومفكري العالم , وإن علياً عليه الصلاة والسلام وأولاده الأطهار عليهم الصلاة والسلام هم خلفاء الرسول من بعده أقدر من غيرهم على حمل الرسالة الإسلامية المقدسة , وأدائها.

وعليه إن إكمال الدين , وإتمام النعمة , لا يكون مطلقاً, إلا بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, و الإسلام من دون الولاية لعلي عليه الصلاة والسلام , وأولاده الأئمة الأطهار, إسلام ناقص, بالموازين الإلهية, وتوصيات وقرارات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وليس لهذا الإسلام الناقص أي وزن.

—————–

[۱] سورة المائدة ، الآية : ۳

[۲] مجمع البيان : ۲/ ۱۵۹ . وعنه البرهان : ۱/ ۴۵۳ . وعنه تفسير الصافي : ۲/ ۱۰

[۳] سورة المائدة ، الآية : ۳

[۴] تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة : ۱/ ۱۴۵- وأورده الخوارزمي في مناقبه : ص ۸۰ وفي مقتله : ص ۴۷ تفسير فرات : ص ۱۹ – وفي فرائد السمطين : ۱/ ۷۲ – راجع إحقاق الحق : ۶/ ۳۵۵

[۵] سورة المائدة ، الآية : ۳

[۶] تفسير الصافي : ۲/ ۱۰

[۷] سورة الحجرات ، الآية : ۱۴

[۸] سورة التوبة ، الآية : ۹۸

[۹] سورة التوبة ، الآية : ۹۷

[۱۰] سورة التوبة ، الآية : ۱۰۱

[۱۱] في حديث آية المباهلة { وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } دليل على ما يقول سماحة المؤلف (حفظه المولى) . وروى الخوارزمي في مناقبه : ص ۹۰: ” قالت عائشة : من خير الناس بعدك يا رسول الله ؟ قال علي بن أبي طالب هو نفسي , وأنا نفسه “.

[۱۲] إشارة إلى قوله { تعالى ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل۱۲۵

[۱۳] سورة النحل ، الآية : ۱۲۵٫

[۱۴] على هامش مسند أحمد بن حنبل.

[۱۵] منتخب : ۵/ ۳۰٫

[۱۶] المصدر نفسه : ۵/ ۳۳٫

[۱۷] المصدر نفسه : ۵/ ۵۴ .

[۱۸] الحافظ جلال الدين , أبو الفضل , عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد , ابن أبي بكر , بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن همام الدين الخضيري السيوطي المتوفي ۹۱۰/۹۱۱هـ . عالم مشارك في أنواع العلوم , صنف في مختلف المواضيع , وقد استقصى الداودي مؤلفاته فتجاوزت عدتها الخمسمائة مؤلف , وقد أخذ عن غالب عصره , وبلغ شيوخه نحو ثلاثمائة شيخ , ومن أهم مؤلفاته رسالة في الحديث أسماها : ( كشف اللبس عن حديث رد الشمس ) ( راجع كشف الظنون ۲/ ۱۴۹۴ والغدير : ۳/ ۱۲۸ , ومقدمة كتاب ( فتح الملك العلي : ص ۱۸ ) .

[۱۹] أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الحسني المغربي المتوفي ( ۱۳۸۰ هـ) : محدث حافظ من أهل المغرب الأقصى , اشتغل بالحديث والتفقه فيه , وانصرف إلى دراسته وتدريسه وأصبح حافظا ومحدثا . له مؤلفات وكتابات كثيرة منها : ( فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ) وطبع في المرة الأولى في القاهرة عام ( ۱۳۵۴ هـ ) ويحتوي على ( ۱۰۲صفحة ) , ( سبل السعادة وأبوابها ، بصحة حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ذكره في كتابه فتح الملك العلي ( ۱۰۲) ط.الأولى , و( إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ) , و( المعجم الوجيز للمستجيز) راجع معجم المؤلفين : ۱۳/۳۶۸, ومقدمة كتاب (فتح الملك العلي :ص ۹-۱۰).

[۲۰] الكتاب صور في بيروت بتحقيق محمد هادي الأميني / توزيع دار الكتاب الإسلامي.

[۲۱] كنز العمال : ۶/ ۱۵۶

[۲۲] المناقب : ص ۹۲ , ومناقب الخوارزمي : ص ۸۹و۹۱ ، والصواعق المحرقة : ص ۷۵ , ومنتخب كنز العمال : ۱/۳۰ ورواه القندوزي في ( ينابيع المودة ) من طريق ابن المغازلي

[۲۳] الصواعق: المقصد الخامس من مقاصد الآية (۱۴) من آيات الباب (۱۱)

[۲۴] المستدرك ۳/ ۱۲۲ و( كنز العمال ۶/۱۵۶ )

[۲۵] سورة النحل ، الآية : ۶۴

[۲۶] كنز العمال: حديث ۲۵۳۹ ص ۱۵۳, ج۶٫ وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه : ۵/ ۳۷ والخوارزمي في مناقبه: ص۲۳۵

[۲۷] كنز العمال: ۶/ ۱۵۷ حديث ۲۶۳۱٫

[۲۸] ميزان الاعتدال لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي(ت۷۴۸هـ ) . تحقيق علي محمد البجاري : ۴/۹۹٫ وفي الباب حديث أبي الحمراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه , وإلى نوح في فهمه , وإلى يحيى بن زكريا في زهده , وإلى موسى بن عمران في بطشه , فلينظر إلى علي بن أبي طالب” أخرجه أخطب خوارزم في مناقبه : ۴۹ , و ۲۴۵ , والمحب الطبري في الرياض النضرة: ۲/ ۲۱۷ وذخائر العقبى : ص ۹۳ , ورواه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج : ۲/ ۲۲۹ وقال : ورواه أحمد في المسند , ورواه البيهقي في صحيحه ( راجع البداية والنهاية : ۷/۳۵۶ , لسان الميزان : ۶/ ۲۴ – مناقب ابن المغازلي : ص ۲۱۲ , وهامشه أيضاً ).

[۲۹] سماحة المؤلف – حفظه المولى سبحانه – أتحف القراء الأعزاء بمجموعة من الأحاديث استلها من كتاب ( منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ) على هامش ( مسند أحمد بن حنبل – ط . دار الفكر بيروت: ۵/ ۲۹ وما بعدها ).

[۳۰] ينابيع المودة : سجل عظيم للأحاديث النبوية في مناقب الإمام علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) , وهو من تأليف وتصنيف العلامة السند شيخ سليمان ابن إبراهيم المعروف ب(خواجة كلان ) ابن شيخ محمد معروف المشتهر به باب خواجه الحسيني البلخي القندوزي الحنفي ( ت ۱۲۷۰ هـ ).

[۳۱] ينابيع المودة : ۱/ ۵۱ .

[۳۲] ( فرائد السمطين : ۱/ ۳۵۱) . قال عمر :” أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن – يعني عليا بن أبي طالب عليه السلام( فرائد السمطين : ۱/ ۲۴۵ ) . وقال : ” اللهم لا تنزلن بي شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي ” فرائد السمطين : ۱/ ۳۴۳ ) وقال : ” اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب حياً ” ( فرائد السمطين : ۱/ ۳۴۸ ) وقال :” أعوذ بالله من معضلة لا علي لها ” ( فرائد السمطين :۱/ ۳۴۸ ) .

وأخذ عمر برأس علي, وقبل بين عينيه ثم قال :” بأبي أنتم ! بكم هدانا الله , وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور !” ( فرائد السمطي ۱/ ۳۴۹) وكان عمر بن الخطاب يقول لعلي عليه السلام – فيما كان يسأله عنه فيفرج عنه -: ” لا أبقاني الله بعدك يا علي !” ( فرائد السمطين :۱/ ۳۴۹ ) .وقال عمر : ” كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب “( أخرجه الكنجي الشافعي في ) كفاية الطالب : ص ۹۶), ( ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة : ص ۱۸ ) و( راجع الغدير في السنة والأدب : ۶/ ۹۳ وما بعدها ).

الكاتب: الميرزا عبد الرسول الحائري