تهديدات إسرائيل لسوريا حقيقة أم خوف من الحرب

حذرت وسائل إعلام إسرائيلية من وقوع “إسرائيل” أسيرة تهديداتها لسوريا وقيادة المنطقة نحو حرب شاملة. وحملت «هآرتس» هذا التحذير في افتتاحيتها الرئيسية يوم أمس، تحت عنوان «كفى استفزازاً للأسد». وأشار معلقون إسرائيليون إلى أن ارتفاع حدة التهديدات الإسرائيلية لسوريا تنبع أيضاً من إدراك لفشل روسيا في إيصال التحذيرات الإسرائيلية للقيادة السورية.

وأشارت افتتاحية «هآرتس» إلى أن التوتر بين “إسرائيل” وسوريا تزايد مؤخراً، لكنه لم يبلغ بعد نقطة الانفجار. ورأت أن السبب في ذلك لا يعود للرئيس السوري بشار الأسد «المنشغل بصراع بقاء، ولا مصلحة له في فتح جبهة إضافية».

وحمّلت الصحيفة الغارات المنسوبة لإسرائيل، وكذلك التهديدات الإسرائيلية العلنية مسؤولية تسخين الأجواء. واعتبرت أن عدم ردّ الرئيس السوري بشار الأسد على الغارات الإسرائيلية بإطلاق صواريخ على العمق الإسرائيلي، واكتفائه بنيران محدودة على دورية إسرائيلية يشهد على عدم رغبته في التصعيد.

وعموماً حذّرت الصحيفة من مغبة مهاجمة دولة مثل سوريا، ثم اعتبار ردها تصعيداً، مشيرة إلى أن الاستفزاز الكلامي يلهب الأجواء، وأن أي هجوم آخر في سوريا قد يقود إلى حرب لا ضرورة لها.

من جهتها، رأت «يديعوت أحرونوت» أن السيناريو الذي بات يتكرر على ألسنة القادة الإسرائيليين في ما يتعلق بالجبهة السورية يدلّ على مقدار التوتر والتخوف من تدهور الوضع إلى مواجهة شاملة. وقالت إن كلام قائد سلاح الجو الجنرال أمير إيشل، حول الحرب المباغتة التي قد تقع في أي لحظة، وكلام وزير الدفاع موشي يعلون أمس الأول عن «الواقع الذي قد ينقلب رأساً على عقب دفعة واحدة» يشهد على هذه الأجواء. وقد سبق هؤلاء رئيس الأركان الجنرال بني غانتس، الذي حذر الرئيس السوري بشار الأسد من أنه سيتحمل عواقب أي تسخين لجبهة الجولان. وقال إن «الجيش الإسرائيلي يواجه سيناريو حقيقياً لصدام متعدد الجبهات».

وحاول المعلق العسكري لـ«يديعوت» أليكس فيشمان ترجمة كلام إيشل والتصريحات الإسرائيلية الأخرى، فكتب أن هذا يعني أن «الجيش الإسرائيلي جاهز لحرب مباغتة مع سوريا وأن هناك خططاً عملياتية مقرّة يتدرب عليها».

وأكد أن هذا الكلام يعني «إيصال رسالة تهديد لسوريا. وهو لم يكن الوحيد. فهي تنضمّ إلى جملة رسائل تهديدية بدأت بتسريب المسؤول الكبير لصحيفة نيويورك تايمز عن أن الأسد لن يبقى إذا هاجم “إسرائيل”، مروراً بوزير الدفاع وانتهاء برئيس الاركان».

وبعدما عدّد فيشمان الموانع أمام التصعيد بما في ذلك القرار المتوقع في الأمم المتحدة بتمديد ولاية قوات الفصل الدولية في هضبة الجولان، يشير إلى محفزات التصعيد وبينها وصول أسلحة جديدة. عموماً، يعتبر فيشمان أن هذه التهديدات لا تصل إلى سوريا، لأنها وصلت منذ زمن ما يعني «أننا في واقع الأمر نسخّن أنفسنا».

وفي صحيفة «إسرائيل اليوم»، وتحت عنوان «طبول حرب لا يريدها أحد»، كتب أبرز الخبراء الإسرائيليين في الشأن السوري البروفيسور إيال زيسر عن التهديدات الإسرائيلية، قائلاً إنه «إزاء طوفان التهديدات هذا يبدو أن “إسرائيل” تشبه ذاك الذي يريد أن يأكل الكعكة ويبقيها كاملة. أجل إن “إسرائيل” مصمّمة على منع نقل سلاح الى حزب الله، لكنها تريد في الوقت ذاته أن تخفض قدر المستطاع لهب النار التي قد تشتعل إثر عملية اسرائيلية كهذه. وتريد إسرائيل أيضاً أن تُضعف الأسد، وأن تمنع مثلاً وصول سلاح روسي متقدّم إليه، لكنها معنية في الوقت ذاته بمنع نشوب حرب شاملة قد تفضي الى تدخل اسرائيلي عميق في ما يجري في سوريا، بل إلى سقوط النظام السوري».

عموماً من الواضح أن سوريا احتلت مكاناً مركزياً في مداولات وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس، مع القادة الإسرائيليين وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو. وكذلك لقاءات نتنياهو مع وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ.

ومن جهة أخرى، نقلت «نيويورك تايمز» عن مصادر أمنية إسرائيلية قولها إنها تقيم علاقات سرية مع سكان القرى الدرزية في الجانب السوري من هضبة الجولان. واعتبرت الصحيفة أن هذه العلاقة تنطوي على تدخل حتى لو كان لأغراض إنسانية، ولكنها أيضاً تشير إلى فعل استخباري مكثف. وشدّدت الصحيفة على أن الدروز ممن يقيمون هذه العلاقة مع إسرائيل ليسوا من أنصار الرئيس بشار الأسد، ولا ينتمون أيضاً إلى المعارضة.

ولكن رون بن يشاي في «موقع يديعوت» الإلكتروني رأى أن التهديدات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة ليست صدفة. وهي أيضاً ليست حملة ثرثرة مناوبة. بل أن تصريحات يعلون وغانتس وإيشل هي هجوم «ديبلوماسي علني إعلامي» أعدّ لمنع اندلاع الحرب جراء خطأ في التقدير، أو فهم العواقب من جانب الرئيس السوري.

وكتب بن يشاي أن جوهر الرسالة هو «لا تستفزنا. تسخين الجبهة في هضبة الجولان أو نقل أسلحة نوعية إلى حزب الله، أو نقل سلاح كيمائي إلى أيد أجنبية، سيُردّ عليه إسرائيلياً بهجوم سريع يلحق أضراراً شديدة، وربما قاتلة لك ولنظامك». ولتأكيد التهديد شدد الثلاثة على جاهزية الجيش لتنفيذ رد كهذا بإشعار قصير وبحجم كامل عند الضرورة.

واعتبر بن يشاي أن سبب التهديدات هو الإحساس بأن الرئيس الأسد لا يقرأ الوضع جيداً، وأنه يخطئ في تقدير نيات “إسرائيل”. وتعتقد مصادر استخبارية غربية أن المقربين من الأسد لا يضعونه في صورة الوضع، ويتركونه يظن أن لديه حرية عمل وقدرة بقاء أكبر من الواقع، وهو ما زاد من ثقة الأسد بنفسه. ورأى أن نصائح الإيرانيين و«حزب الله» وحتى الروس تفيد بأنه لا يخسر شيئاً من استفزاز “إسرائيل”.

ويخلص بن يشاي إلى القول إن شعور “إسرائيل” بعدم وجود ناصح أمين أو رسول مخلص يوصل الرسالة إلى الأسد، ولذلك قررت إيصال الرسائل بأشد الطرق علنية بعدما لم تؤد الرسائل التي أرسلت عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دورها.

الكاتب: حلمي موسى