ثقافة الارهاب هل هي من الإسلام أم من المتأسلمين

لن نملَّ من الحديث عن الارهاب وأشجانه، عوامله وأسبابه، منشأه وتكويناته، آثاره ونتائجه، رغم هذا الكم الكبير والضخم من الكتب والصحف والإذاعات والفضائيات والندوات والمؤتمرات، التي تتحدث كل يوم عن الارهاب. فالإرهاب أصبح جزءاً من الحياة العربية، نفطر به، ونتغدى ونتعشى. وكنا في رمضان نتسحّر به أيضاً. وأصبح الأطفال العرب يرضعونه مع حليب الأمهات أو مع الحليب الصناعي، ويأكلونه مع (السيريلاك). كما أصبح الارهاب هو الشاشة التليفزيونية العربية اليومية المعتادة الملطخة بالدماء. وأصبح الارهابيون في العالم العربي هم القاعدة، وغيرهم هم الاستثناء.

فمن أين جاءنا كل هذا الدفق الحميم “المبارك” من الارهاب، الذي نطلق عليه جهاداً حيناً، ومقاومة حيناً آخر، واستشهاداً حيناً ثالثاً؟

هل هو من الإسلام، كما يزعمون في الشرق والغرب على السواء؟

هل هو من العصبية القبلية التي تحدث عنها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة؟

هل هو من الوضع الاقتصادي السيء في مدن الصفيح، وفي مدن العيش المريح؟

هل هو بفعل المؤامرات الغربية الخارجية التي شجعت على الارهاب ونشّأته وربربته وسمّنته. فالدولة التي تجمع الشياطين، دون ان تعرف كيف تصرفهم بعد ذلك، عليها أن تتوقع كارثة ككارثة ۱۱ سبتمر ۲۰۰۱؟

في مقال اليوم، سوف نحاول أن نبين الأسباب الدينية، المتعلقة بالإسلامويين وليس بالإسلام، التي أدت إلى تنامي الارهاب في العالم العربي على هذا الشكل البشع غير المسبوق، الذي نراه كل يوم، وكل ساعة هنا وهناك. متابعين في المقالات القادمة بيان الأسباب الأخرى غير الدينية التي أدت إلى أن نتحول من أمة ابن سينا، وابن رشد، وابن خلدون، والفارابي، والكندي، والغزالي، إلى أمة ابن لادن، والظواهري، والزرقاوي، وأبو أيوب المصري.. الخ.

نستطيع أن نلخص الأسباب الدينية التي أنشأها، وفقهها المتأسلمون، وكان الإسلام بريئاً منها في التالي. بدليل إن الارهاب لم يظهر مع الإسلام وما بعد الإسلام، بقدر ما ظهر مع هذه الأسباب، وما بعد هذه الأسباب:

۱- تحوّل الصراع الديني في العالم العربي والإسلامي من صراع محلي إلى صراع عالمي. فلم يعد الموضوع الفكري والفقهي الإسلامي محل متابعة محلية، بل مدار اهتمام في الأوساط العالمية كلها، التي أصبح أمنها مربوطاً بجزئيات الفقه وتفاصيل العبادة وكليات الاعتقاد. كما قال وجيه قانصوه.

۲- الانحباس الذي يعاني منه العالم العربي بسبب انقسـام المجتمع العربي إلى معسكرين متنافرين ومتناحرين: حـداثي وسلفي. يرى الأول في النظام الغربي مصدر حياته. ويرى الثاني أن الاستعانة بالأولياء والقديسين والاحتماء بالنصوص المقدسة بطريقة متزمتة هو الحصن الأخير.

۳-بقاء الإسلام في دوائر الإعلام الغربية ذلك المجهول والغامض والبدائي والجامد. كما أن هناك حذراً من أي تغيرات تحصل في العالم الإسلامي، وسعياً دائماً من قبل الغرب إلى محاصرة التحولات والمتغيرات، مما يجعل العلاقة المعاصرة بين الإسلام والغرب علاقة أمنية.

۴- إن رؤيتنا للغرب كانت ولا تزال رؤية مزيفـة. لقد رأينا فيه الشــر ولم نرَ فيه التقدم. وبما أن فعل الشيطان جزء من إرادة الله كذلك، فإن قدرة الغرب على الشر لا راد لها، وليست حاصل تقدم يمكن أن نكتسبه إذا امتلكنا حساً نقدياً علمياً نستخدمه في سبيل تغيير أوضاعنا وإزاحة الغرب عن كواهلنا، كما قال فضل شلق.

۵- عدم انطلاق ونجاح فكرة الإصلاح الديني التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وغيرهم. كذلك، عدم وجود فقه ديني عصري جديد يضع العالم العربي والعالم الإسلامي في قلب العصر الذي نعيش فيه. وإغلاق باب الاجتهاد والعمل بمقولة “ما أغلقه السلف لا يفتحه الخلف”. وظل الفقه الديني الجديد المتمثل براشد الغنوشي وحسن الترابي ويوسف القرضاوي وعبد العزيز بن باز وعبد العزيز آل الشيخ وغيرهم متركزاً على معادة الغرب وتكفيره وإبراز مظاهر ظلمه وعدوانه، دون الخطو خطوة واحدة في اتجاه العصر.

۶- تحوّل الدين في النصف الثاني من القرن العشرين إلى ظاهرة سلطة، وظاهرة إستقواء وبطش بالآخرين. وخضوع الأنظمة العربية والشارع العربي لظاهرة “الإسلام الفأسي” (أي استخدام الفؤوس المقدسة لقتل الآخر) كما في الجزائر ومصر وأفغانستان والعراق مؤخراً وغيرها. واعتبار القتلة من “المجاهدين المقدسين”.

۷-إنشاء وظيفة “العالم الديني”، ثم إنشاء طبقـة من العلماء (علماء الدين) بيدها حقائق العلم الديني، فأرادت حفاظاً على هذه الميزة احتكـار العلم، فقامت بتكفير كل من خالفها، وباستئصال كل من عارضهـا إما مباشرة وإما باستعداء الحكام على المعارضين. وأصبحت الطاعة العمياء للسلطة السياسية مرادفةً لحرفية النصوص للسلطة الدينية. كما قال حسن حنفي في ( الجذور التاريخية لأزمة الحرية والديمقراطية في وجداننا المعاصر).

۸- تكفير المعارضة التي نصَّ القرآن الكريم على حريتها في التفكير من خلال آيات عدة منها: (إذ لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي( (البقرة: ۲۵۶) ، و)وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(الكهف:۲۹)، و)كل نفس بما كسبت رهينة( (المدثر: ۳۷) وغيرها. وجاء تكفير المعارضة هذه المرة من خلال الأحاديث المدسوسة التي انتشرت في العصر الأموي لأغراض سياسية معينة. فمعظم هذه الأحاديث وُضعت في العصر الأموي، لصالح السلطة القائمة، وذماً منها بالمعارضة:

“من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوا عنقه كائناً من كان”.

“اسمع لحاكمك وأطعه، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك”.

وهذا الحديث الذي رواه الحسن البصري:

” لا تعصوا أولي الأمر منكم، فان عدلوا فلهم الأجر وعليكم الشكر، وإن بغوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، فهو امتحان من الله يبتلي به من يشاء من عباده، فعليكم أن تتقبلوا امتحان الله بالصبر والأناة لا بالثورة والغيظ”.

“من غلب على المسلمين بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً باراً كان، أو فاجراً”.

القدرية مجوس هذه الأمة

وهذا الحديث موجه ضد المعتزلة، علماً بأن القدرية أو المعتزلة لم تكن موجودة في عهد الرسول حتى يقال عنها هذا الحديث. وقد انتشرت هذه الأحاديث، وتم التركيز عليها وترديدها باستمرار، من قبل المؤسسة الدينية في العهد العثماني خاصة.

۹-تشابُه السياقين العقائديين اللذين كانـا سائدين في القرن التاسع عشـر ومطلع القرن العشرين وهما: السياق العقائدي السلفي، والسياق القومي العصري. وهذان السياقان في تصورهمـا لمفهوم الحرية “يتشابهان فيما يعانيانه من تناقض فاضح بين المبدأ والحقيقة، والجوهر والوجود، والفكر والواقع، والشكل والحياة. كما أنهما يتلاقيان في تخلفهما المريع عن التغلب على معضلات العربي الفكرية والحياتية. فالله بكماله هو المثل الأعلى للسلفيين ولكن أين سلوكهم في أي جزء من الوطن العربي من تحديات هذا المثل الأعلى الإنساني، والعصري الذي شاء أن يوفق بين وحدانيته وانفتاحيته على ما عند الآخرين من خير ليس الآن على هدى، لا من وحدانيته، ولا من خير الغير”. كما قال حسن صعب في (نزعات التحرر في المجتمع العربي).

۱۰- أدى ضيق هامش التسامح الديني وهامش الحرية الفكريـة في النصف الثاني من القرن العشرين مقارنة بهامش التسامح الديني وحرية الفكر في النصف الأول من القرن العشرين، إلى تعثر التقدم العَلْماني في العالم العربي.

فمن كان يجرؤ من المفكرين العرب في النصف الثاني من القـرن العشرين على إعلان إلحاده وكتابة مقال تحت عنوان (لماذا أنا ملحد؟) كما فعل إسماعيل أدهم المفكر المصري في العام ۱۹۳۷والذي تمَّ الرد عليه من قبل أشياخ الأزهررداً علمياً متسامحـاً، فيه كثير من اللين والموعظـة الحسنـة؟

ومن كان يجرؤ في النصف الثاني من القرن العشرين على أن يقول كما قال سلامة موسى من أن ” التوحيد دين أمم بدوية كاليهود والعرب والهكسوس، لا تُحسن فن نحت الأصنام والتماثيل على غرار اليونان والرومان، فآمنت بإله واحـد موجود في كل مكان ترتحل إليه دون الحاجة إلى حمل صنم”؟

ومن كان يجرؤ في النصف الثاني من القرن العشرين على أن يقول كما قال زكي الأرسوزي من أن “الأخلاق الجاهلية أرفع من الأخلاق الإسلامية. فهي تقوم على سليقة طبيعية تمكِّن من الدنيا. على عكس الإسلام الذي قصَّر في أدائه كلما ابتعد عن الجاهلية التي تفوّقت في حسها الجماعي والفني على شكل شبه مطلق” ؟

ومن كـان يجرؤ في النصف الثاني من القـرن العشرين على أن يقـول كما قال إسماعيل مظهـر من أن “الإعجاز في القـرآن أمر نسبي. فالقرآن معجز بالنسبة للعرب كما هي الإلياذة معجزة بالنسبة لليونان والكوميديا الإلهية معجزة بالنسبة للإيطاليين. أي أن الإعجاز قائم على الأوضاع التي اصطلح العرب على بلاغتهـا. وإعجازه للعـرب لا يعني أنه مُعجز بأي معنى آخر”؟ فمن المعروف أنه ظهر من بين صفوف المعتزلة من لم يقبل فكرة عدم المقدرة على الإتيان بمثل القرآن. ومن المعروف أيضاً، أن أبا العلاء المعري قام بتقليد النظم القرآني.

ومن كان يجرؤ في النصف الثاني من القرن العشرين على أن يقول كما قال إسماعيل مظهر أيضاً من أنه “لم يكن مفيداً ولا نافعاً جمع القرآن في صورة كتاب. وليس في السير القديمة ما يدلنا على أن النبي أمر بمثل هذا الجمع ومثل هذا الترتيب. وأن مجهودات عثمان بن عفان في هذا الصدد غير محمودة ولا مشكورة على كل حال. ولقد أغفل جامعو القرآن هذه الحقيقة”؟ فمن المعروف أن الخليفة عثمان استعمل سلطته في جمع القرآن الذي يُعرف بالمصحف العثماني وأمر بإحراق أكثر من عشرين مصحفاً موثوقاً بينها اختلافات في نصوص الآيات القرآنية منها مصحف عمر بن الخطاب، ومصحف عائشة، ومصحف حفصة، ومصحف علي بن أبي طالب وغيرها من المصاحف الموثوقة. بدلاً من التحقيق في نصوصها، وفرض مصحفه الذي يُقال انه مصحف حفصة. والسؤال هنا: لماذا لم يكن مصحف عائشة التي كانت أقرب الناس إلى الرسول هو المصحف الصحيح؟ والرسول هو الذي قال عنها “خذوا نصف دينكم عن هذه الحُميراء”. ورغم ذلك فقد وجد القراء اختلافات في المصاحف العثمانية التي أرسلها عثمان إلى الأمصار. ومن هنا كان عبد الله بن مسعود على رأس المعارضين لمصحف عثمان حيث طعن بأهلية زيد بن ثابت الذي عُهدت إليه مهمة جمع القرآن.

فبالأمس فقط، قال حسن حنفي في مكتبة الإسكندرية أقوالاً في القرآن الكريم أقل من هذه بكثير، فقام المتأسلمون عليه ولم يقعدوا، وهم يدقون الآن مسامير نصب المشنقة، كما فعلوا مع نصر حامد أبو زيد الذي أفلت منها بجلده. وكما كان مصير فرج فوده (مفكر مصري قتله ارهابيون مصريون) ومهدي عامل وحسين مروة (مفكران لبنانيان قتلهما ارهابيون لبنانيون شيعيون) ومحمد أحمد محمود (مفكر سوداني شنقه حسن الترابي وجعفر النميري) وكما كان مفترض أن يكون مصير نجيب محفوظ كذلك، لولا أن نجّاه الله.

السلام عليكم.

الكاتب: شاكر النابلسي