النبي وأهل بيته » حول النبي وأهل بيته »

ثقافة التكافل والتواصل الاجتماعي‏

الأسس السياسية الثلاثة في ثقافة أهل البيت (عليهم السلام):

في ظروف الإرهاب الأموي والعبّاسي تستوقفنا في تاريخ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) السياسيّة ثلاثة أسس يتّفق عليها أهل البيت (عليهم السلام) من مصرع الحسين (ع) إلى الغيبة الصغرى.

وهذه الأسس الثلاثة هي:

1- مقاطعة الحكّام الظلمة من بني أميّة وبني العبّاس.

2- الحضور الدائم والقوي والفاعل في وسط الأمّة بعرضها العريض، وعدم الانكفاء على الذات.

3- بناء وتشييد وتوسعة الجماعة الصالحة.

ودونك شرحاً موجزاً لهذه الأسس الثلاثة:

1- مقاطعة الحكّام الظلمة:

كان أهل البيت (عليهم السلام) يؤكّدون على هذه المقاطعة ويصرّحون في كلّ الظروف على حرمة التعاون مع الظلمة، حتى لو كان بمقدار قطّ قلم ومدّة دواة (حبر) أو أن يكي لهم أحد وكاءً:

إلا أن تكون المهمّة التي تناط بهم من المهام التي يحتاج إليها الناس على كلّ حال، وتتوقّف عليها حياتهم، ومن دونها تتعطّل حياة الناس، من قبيل الأمن والتعليم والنظام وأمثال ذلك، دون أن يكون في ذلك دعم وإسناد للظالم. وبين المستثنى (السائغ) والمستثنى منه (المحظور) فرق واضح.

والغايّة من هذا الحظر هو إخلاء أطراف الظالم وعزله سياسياً واجتماعياً، وإبعاد الجمهور عنه، وإشعاره بالعزلة السياسيّة والاجتماعيّة وأنّه حالة منبوذة في وسط المجتمع.

وقد حقّقت هذه التعاليم الكثير من أهدافها في المجتمع الإسلاميّ يومذاك، حتى أصبح العلماء الصالحون يتجنّبون الدخول في أعمال خلفاء بني أميّة وبني العبّاس ويتجنّبون الدخول في قصورهم ومعاشرتهم، ما أمكنهم ذلك.

وقد وردت في هذا المعنى روايات كثيرة نتلو عليكم بعضها:

روى محمّد بن يعقوب الكليني في الكافي بسنده عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) في حديث قال: إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين‏.

وروى طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (ع)، قال: العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء.

وروى الكليني أيضاً: عن محمّد بن عذافر، عن أبيه، قال: قال أبو عبد الله (ع): يا عذافر! نُبّئِت أنك تعامل أبا أيّوب والربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي، فقال له أبو عبد الله (ع) لما رأى ما أصابه: أي عذافر! إنّما خوفتك بما خوّفني الله عزّ وجلّ به، قال محمّد: فما زال أبي مغموماً مكروبا حتى مات.

وروى ابن محبوب، عن حريز، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إتّقوا الله، وصونوا دينكم بالورع، وقوّوه بالتقيّة والاستغناء بالله عزّ وجلّ، عن طلب الحوائج إلى صاحب سلطان، إنّه من خضع لصاحب سلطان، ولمن يخالفه على دينه، طلباً لما في يديه من دنياه أخمله الله عزّ وجلّ ومقته عليه، ووكله إليه، فإن هو غلب على شي‏ء من دنياه، فصار إليه منه شي‏ء نزع الله جلّ اسمه البركة منه، ولم يأجره على شي‏ء منه ينفقه في حجّ ولا عتق ولا بر.

روى الكليني عن هشام بن سالم عن أبي بصير، قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن أعمّالهم فقال لي: يا أبا محمد! لا ولا مَدّة قلم، إنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينه مثله).

عن جهم بن حميد، قال: قال لي أبو عبد الله (ع): أما تغشى سلطان هؤلاء؟ قال: قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: فراراً بديني، قال: وعزمت على ذلك؟ قلت: نعم، قال لي: الآن سلم لك دينك‏.

2- الحضور في وسط الأمّة:

من خلال كلمات أهل البيت (عليهم السلام) نكتشف خيوط مؤامرة واسعة على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) تسعى إلى عزلهم عن الساحة الإسلاميّة الواسعة (الأمة الإسلاميّة)، وحشرهم في زاويّة حرجة، والتضييق عليهم … عندئذ يفقد شيعة أهل البيت (عليهم السلام) دورهم وتأثيرهم في توعيّة الرأي العامّ في مساحة الأمّة الواسعة، وينقلبون إلى مجموعة منكفئة على نفسها، شأنهم في ذلك شأن الخوارج.

لقد أدرك أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هذه المؤامرة الأمويّة الخبيثة، وكافحوها بالتأكيد على شيعتهم بضرورة الحضور المؤثر القوي في وسط الأمّة، ومنعوهم من الانكفاء على الذات، ووضحوا لهم أنهم إذا خرجوا من بحر الأمّة فسوف يفقدون تأثيرهم ودورهم في تصحيح المسيرة، وفضح السلطان وتعريته للجمهور.

وقد وردت في ذلك روايات كثيرة نذكر طائفة منها هنا، شاهدةً على ما نقول: وهذه الثقافة هي ثقافة الانفتاح على الأمّة الكبيرة، وصّى بها أهل البيت (عليهم السلام) شيعتهم …

وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) اليوم في ظروف الفتنة الطائفيّة الحاضرة مدعوّون إلى حالة الانفتاح هذه بشكل قويّ، لإحباط الفتن الطائفيّة التي يثيرها هنا وهناك‏ عملاء الاستكبار العالمي وأذنابهم بين المسلمين من الشيعة والسنّة في كلّ مكان تقريباً.

وإليك نماذج من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الشأن:

روى محمّد بن يعقوب الكليني بسند صحيح في الكافي عن أبي أسامة زيد الشحّام، قال: قال أبو عبد الله (ع): أقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم، ويأخذ بقولي السلام، أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (ص).

وأدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برّاً أو فاجراً، وأن رسول الله (ص) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط.

صِلُوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، فَيسُرنّي ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر، وإذا كان غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره، وقيل هذا أدب جعفر.

والله لحدّثني أبي (ع) أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة عليّ فيكون زينها، أدّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، واليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان! إنّه أدانا للأمانة وأصدقنا لحديث‏.

وأيضاً بسند صحيح عن معاويّة بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (ع) كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا، وفيما بيننا وبين‏ خلطائنا من الناس؟ قال: فقال (ع):

تؤدّون الأمانة إليهم، وتقيمون الشهادة لهم وعليهم، وتعودون مرضاهم، وتشهدون جنائزهم‏.

وأيضاً بسند صحيح عن معاويّة بن وهب، قال: قلت له (الصادق (ع) كيف ينبغي أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ومن ليسوا على أمرنا فقال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون. فوالله إنّهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة لهم‏.

وفي روايّة أخرى للكليني في الكافي بسند صحيح عن حبيب الحنفي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: عليكم بالورع والاجتهاد، واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، وأحضروا مع قومكم مساجدهم، واحبّوا للناس ما تحبّون لأنفسكم، أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقّه ولا يعرف حقّ جاره‏.

وبسند صحيح عن مرازم قال: قال أبو عبد الله (الصادق) (ع):

عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنّه لا بد لكم من الناس، إن أحداً لا يستغني عن الناس في حياته، والناس لابدّ لبعضهم من بعض‏.

3 بناء الجماعة الصالحة:

وهو الأساس الثالث في سياسة أهل البيت (عليهم السلام) وقد وضّحنا أهميّة مشروع الجماعة الصالحة في مواجهة الانحراف الأموي والعبّاسي عن الإسلام النقي الذي جاء به رسول الله (ص) من عند الله.

لقد تعرّض دين الله على يد بني أميّة وبني العباس إلى انحرافات كبيرة في الأصول والفروع، وتغير الكثير من أحكام الله تعالى وحدوده. فقد حلّلوا المنكرات التي حرّمها الله تعالى، واستباحوها في قصورهم، وأشاعوها بين المسلمين … وما بالك إن كان الذي يسمي نفسه خليفة رسول الله (ص) يقارف شرب الخمر علانية، ويعرف الناس منه ذلك، ولا يأبى هو أن يعرف المسلمون منه ذلك، وأشاعوا الظلم والفساد بين المسلمين، وقارفوا من المنكرات والمحرّمات في قصورهم الكثير وأشاعوها بين المسلمين، فاصبح المنكر معروفا والمعروف منكراً.

وكانت خيارات أهل البيت (عليهم السلام) في حفظ الإسلام وتعاليم الوحي والخطّ الصحيح للإسلام محدودة جداً في ظروف القهر والعنف والإرهاب السياسيّ.

وكان من أهمّ الفرص والخيارات الممكنة لهم: أن يبدأوا في ظروف الإرهاب والقهر السياسيّ والأمني ببناء (الجماعة الصالحة) وهم شيعتهم القريبون منهم، ويربون هذه الجماعة على المنهج الإسلاميّ الصحيح في العلاقة بالله، والالتزام بحدوده وأحكامه، ومكافحة التحريفات الأمويّة العباسيّة وتعريتها وفضحها، والالتزام بالسريّة الشديدة المكثّفة لحفظ هذه الجماعة من تسلّل السلطان وعيونه، والابقاء عليهم، بعيداً عن الضوء، وعن متناول جلاوزة الأنظمة وعمّالهم.

وكان لابد من أن يكون بناء هذه الجماعة بناءً محكماً مقاوماً يقاوم ضغوط النظام والفتن السياسيّة والاجتماعية.

ولتحقيق ذلك كان لابدّ من التواصل والتكافل والتعاون الشديد على البرّ والتقوى داخل الجماعة، وفي نفس الوقت المحافظة على سريّة هذه الجماعة وإبعادهم عن الأضواء للابقاء عليهم بعيداً عن سطوة وضراوة النظام.

ولذلك كان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يؤكّدون على أهميّة التواصل والتكافل والتعاون على البر والتقوى بينهم، كما كانوا يؤكّدون في نفس الوقت، على التواصل والتعاون والتكامل في بحر الأمّة العريض.

وكانوا يواجهون أصحابهم بعتاب وانقباض، إذا وجدوا منهم تثاقلًا في مساعدة اخوانهم ومدّ اليد إليهم في ما يواجهونه من المعاناة والعذاب، وعندما يجدون قصوراً من بعضهم في التواصل والتكامل والتعاون داخل الجماعة.

روى إسحاق بن عمّار الصيرفي قال: كنت بالكوفة، فيأتيني إخوان كثيرة، وكرهت الشهرة، فتخوفت أن أشتهر بديني، فأمرت غلامي، كلّما جاءني رجل منهم يطلبني يقول: ليس هو ههنا.

قال فحججت تلك السنة، فلقيت أبا عبد الله (ع)، فرأيت منه ثقلا وتغيّرا فيما بيني وبينه. قال قلت جعلت فداك ما الذي غيّرني عندك؟ قال الذي غيِّركّ للمؤمنين. قلت: جعلت فداك، إنّما تخوفت الشهرة، وقد علم الله شدّة حبّي لهم. فقال: يا إسحاق لا تَمُلَّ زيارة إخوانك، فإن المؤمن إذا لقي أخاه المؤمن، فقال مرحباً كتب الله له مرحبا إلى يوم القيامة، فإذا صافحه أنزل الله فيما بين إبهاميهما مائة رحمة، تسعة وتسعين لأشدّهم حبّاً لصاحبه، ثمّ أقبل الله عليهما بوجهه، فكان على أشدّهما حبّاً لصاحبه أشدّ إقبالا، فإذا تعانقا، غمرتهما الرحمة، فإذا لبثا لا يريدان إلا وجهه، لا يريدان غرضاً من أغراض الدنيا، قيل لهما: غفر الله لكما فاستأنفا فإذا أقبلا على المسائلة قالت الملائكة بعضهم لبعض: تنحّوا عنهما فإن‏ لهما سراً وقد ستَر الله عليهما قال إسحاق: قلت له جعلت فداك: ألايكتب علينا لفظنا، فقد قال الله عزّ وجلّ‏ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [سورة ق: 18].

قال فتنفس ابن رسول الله (ص) الصعداء، ثمّ بكى حتى خضبت دموعه لحيته، وقال يا إسحق إن الله تبارك وتعالى إنما نادى الملائكة أن يغيبوا عن المؤمنين إذا التقيا إجلالا لهما فإذا كانت الملائكة لا تكتب لفظهما، ولا تعرف كلامهما، فقد عرفه الحافظ عليهما، عالم السرّ وأخفى.

يا إسحق فخف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، فإن كنت ترى أنّه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنّه يراك، ثمّ استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها، فقد جعلته في حد أهون الناظرين إليك‏.

والذي يتابع كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من بعد مصرع الإمام الحسين (ع) إلى الغيبة الصغرى، وهي الفترة التي تم فيها تشييد الجماعة الصالحة واستقرارها في الأرض، وتَوَسّعت وانتشرت في بلاد واسعة من الأرض في آسيا وافريقيا، يجد تأكيداً بليغاً في الاهتمام ببناء الجماعة الصالحة والتواصل والتكافل والتعاون على البرّ والتقوى داخل هذه الجماعة.

التواصل والتكافل الاجتماعي في كلمات الإمام عليّ بن الحسين(ع):

وقدّر الله تعالى: أن يكون الإمام عليّ بن الحسين (ع) هو الذي يضع اللبنات الاولى للجماعة الصالحة، في ظروف صعبة غايّة الصعوبة.

ولكن رغم كلّ الإرهاب الأموي، فقد نجح المشروع على يد زين العابدين (ع) نجاحاً باهراً.

وكان للرقيق الذين يشتريهم الإمام عليّ بن الحسين (ع) ويعتقهم في سبيل الله وقد بلغ عددهم الالاف‏ كما يقول المؤرخون دور في إعداد هذه الجماعة.

هؤلاء كانوا في دائرة زين العابدين (ع) يربطهم به ولاء العتق.

يقول عبد العزيز سيّد الأهل في كتابه القيِّم عن الإمام زين العابدين (ع): وجعل الدولاب يسير، والزمن يمرّ، وزين العابدين يهب الحريّة في كلّ عام وكلّ شهر وكل يوم، وعند كلّ هفوة وغلطة، وكل خطأ حتى صار في المدينة جيش من الموالين الأحرار والحرائر، وكلّهم في ولاء زين العابدين‏.

فكان إذا تعرّض زين العابدين (ع) لأذى أو أساءة وقفوا معه وانتصروا له.

يروي ابن الجوزي في صفة الصفوة عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري قال: كان عليّ بن الحسين خارجاً من المسجد فلقيه رجل فسبّه فثارت إليه العبيد والموالي. فقال عليّ بن الحسين مهلًا عن الرجل، ثمّ أقبل على الرجل، فقال له ما ستر عنك من أمرنا أكثر. ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحى الرجل فالقى عليه خميصة كانت عليه، فكان الرجل يقول بعد ذلك: أشهد أنّك من أولاد الرسول‏.

ومهما يكن من أمر فقد بدأ عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) في المدينة بأعداد (الجماعة الصالحة) وهم شيعته، يعلّمهم ويثقّفهم في الدين، ويعظهم، ويتولّى أمورهم، ويتفقدّهم، ويأمرهم بالكتمان وحفظ السر، ويمنعهم من الثرثرة والطيش والنزق.

فكان يقول (ع): وددت والله إنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النزق وقلّة الكتمان‏.

وقد أعطى الإمام زين العابدين (ع) كثيراً من جهده ووقته وإهتمامه لإعداد هذه الجماعة ورعايتها وتثقيفها.

وكان من أهم وجوه تثقيف هذه الجماعة التثقيف بثقافة التواصل والتكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى فيما بينهم.

ونحن إذ لا يسعنا الأن أن نجمع نصوص أحاديث الإمام زين العابدين (ع) في بناء وتشييد الجماعة الصالحة وتحصينها ضدّ التحدّيات المعاصرة لها، في ظروف الإرهاب الأموي … أحاول هنا أن أضع بين يدي القارئ طائفةً من النصوص المرويّة عن الإمام زين العابدين (ع) في التواصل والتكافل الاجتماعي. والتعاون على البرّ والتقوى داخل الجماعة الصالحة، وإليك شواهد ونماذج من هذه النصوص:

1- قضاء حوائج المؤمنين:

نقرء في حديث الإمام زين العابدين (ع) جملة من النصوص في الترغيب في قضاء حوائج المؤمنين نذكر منها النّصين التاليين:

عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) قال‏:) من قضى لأخيه حاجة، قضى الله له بها مائة حاجة، في إحداهنّ الجنّة، ومن نَفَّسَ عن أخيه كُرْبة، نَفّس الله عنه كربة يوم القيامة، بالغاً ما بلغت، ومن أعانه على ظالم له، أعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الاقدام، ومن سعى له في حاجة حتى قضاها له فَسُرّ بقضائها، فكان كإدخال السرور على رسول الله (ص)، ومن سقاه من ظمأ سقاه‏ الله من الرحيق المختوم، ومن أطعمه من جوع أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومن كساه من عرى كساه الله من إستبرق وحرير، ومن كساه من غير عرى لم يزل في ضمان الله ما دام على المكسوّ من الثوب سلك، ومن كفاه بما هو يمتهنه ويكف وجهه ويصل به يديه، يخدمه الولدان، ومن حمله (على) رحله بعثه الله يوم القيامة على ناقة من نوق الجنّة، يباهي به الملائكة، ومن كفنه عند موته، فكأنما كساه يوم ولدته أمه إلى يوم يموت، ومن زوجه زوجة يأنس بها، ويسكن إليها آنسه الله في قبره بصورة أحبّ أهله إليه، ومن عاده عند مرضه حفّته الملائكة تدعو له حتى ينصرف، وتقول طبت وطابت لك الجنة، والله لقضاء حاجته أحب إلى الله من صيام شهرين متتابعين باعتكافهما في الشهر الحرام‏.

وفي نصّ آخر، يحثّهم الإمام (ع) على المواساة والإحسان، والمنافسة فيقول: شيعتنا! أمّا الجنة فلن تفوتكم، سريعا كان أم بطيئا، ولكن تنافسوا في الدرجات!

واعلموا إن أرفعكم درجات، وأحسنكم قصورا، ودورا، وأبنية: أحسنكم إيجاباً بإيجاب المؤمنين، وأكثركم مواساة لفقرائهم.

إنّ الله ليقرب الواحد منكم إلى الجنّة بكلمة يكلّم أخاه المؤمن الفقير، بأكثر من مسيرة ماءة ألف عام في سنة بقدمه، وإن كان من المعذّبين بالنار. فلا تحتقروا الإحسان إلى إخوانكم، فسوف ينفعكم حيث لا يقوم مقام غيره‏.

2- صلة الرحم:

عن أبي جميلة عن الوصافي، عن عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) قال: قال رسول الله (ص):

من سرّه أن يمد الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه،فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق (بليغ) تقول: يا ربّ صلْ من وصلني واقطع من قطعني، فالرجل ليرى بسبيل خير إذ أتته الرحم التي قطعها فتهوى به إلى أسفل قعر في النار.

3- شكر الجميل:

روى سفيان بن عيينة عن عمّار الدهني قال: سمعت عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) يقول:

إن الله يحبّ كلّ قلب حزين ويحبّ كلّ عبد شكور، ويقول الله تعالى لعبد من عبيده يوم القيامة: أشكرت فلانا فيقول: بل شكرتك يا ربّ فيقول: لم تشكرني إذ لم تشكره، ثمّ قال: أشكركم لله أشكركم للناس‏.

4- قبول الاعتذار من المسيئين:

محمّد بن أبي عبد الله عن موسى بن عمران عن عمه الحسين بن عيسى بن عبد الله عن عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (ع) قال: أخذ أبي بيدي ثمّ قال يا بني إن أبي محمّد بن عليّ أخذ بيدي، كما أخذت بيدك وقال إن أبي عليّ بن الحسين أخذ بيدي ثمّ قال‏:) يا بنيّ افعل الخير إلى كلّ من طلبه منك، فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن من أهله، كنت أنت من أهله وإن شتمك رجل عن يمينك ثمّ تحوّل إلى يسارك فاعتذر إليك فاقبل عذره‏.

5- الرفق:

في كتاب الخصال عن الزهري عن عليّ بن الحسين (ع) قال: كان آخر ما أوصى به الخضر، موسى بن عمران (عليهماالسلام) أن قال: لا تُعُيِّر أحداً بذنب، وإنّ أحب‏ الأمور إلى الله تعالى ثلاثة: القصد في الشدّة، والعفو في القدرة، والرفق بعباد الله وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله تعالى به يوم القيامة، ورأس الحكمة مخافة الله تبارك وتعالى‏.

6- الهدايّة والتثقيف والتعليم:

عن عليّ بن الحسين (عليهماالسلام): أوحى الله تعالى إلى موسى (ع):

حبّبني إلى خلقي وحبّب خلقي إليَّ.

قال: يا رب، كيف أفعل؟

قال: ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني، فلئن ترد آبقا عن بابي أو ضالا عن فنائي، أفضل لك من عبادة (مائة) سنة صيام نهارها وقيام ليلها.

قال موسى (ع): ومن هذا العبد الآبق منك؟ قال: العاصي المتمرد.

قال: فمن الضال عن فنائك؟

قال:الجاهل بإمام زمانه تُعَرفّه، والغائب عنه بعد ما عرفه، الجاهل بشريعة دينه تعرفه شريعته، وما يعبد به ربه، وتوصل به إلى مرضاته‏.

7- التحذير من ازدراء الناس:

عن أبي بصير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئاً من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم‏.

8- مقابلة الإساءة بالإحسان:

عن أبي حمزة الثمالي. قال سمعت عليّ بن الحسين زين العابدين (ع)، يقول:

ما من خطوة أحب إلى الله عزّ وجلّ من خطوتين: خطوة يسد بها المؤمن صّفا في سبيل الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع.

وما من جرعة أحب إلى الله عزّ وجلّ من جرعتين: جرعة غيظ ردّها مؤمن بحلم، وجرعة مصيبة ردها مؤمن بصبر.

وما من قطرة أحب إلى الله عزّ وجلّ من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل، لا يريد بها عبد إلا الله عزّ وجلّ‏.

عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) قال: سمعته يقول:

إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ثمّ ينادي مناد: أين أهل الفضل؟ قال يقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة فيقولون ما كان فضلكم؟ فيقولون كنا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا قال: فيقال لهم ادخلوا الجنة.

9- الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب:

عن أبي عبيدة، عن ثوير قال: سمعت عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) يقول:

إنّ الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب أو يذكره بخير قالوا: نعم الأخ لأخيك تدعو له بالخير وهو غائب عنك وتذكره بخير، قد أعطاك الله عزّ وجلّ مثلي ما سألت له وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه ولك الفضل عليه، وإذا سمعوه يذكر أخاه بسوء، ويدعو عليه قالوا له: بئس الأخ أنت لأخيك كُفَّ أيها المُسَتَّر على ذنوبه وعورته، وأربع على نفسك وأحمد الله الذي ستر عليك وأعلم أن الله عزّ وجلّ أعلم بعبده منك‏.

10- طيب الأخلاق:

عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما قال كان رسول الله (ص) يقول في أخر خطبته:

طوبى لمن طاب خلقه، وطهرت سجيته، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله وأنصف الناس من نفسه‏.

عن عليّ بن الحسين (ع) قال قال رسول الله (ص): ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق‏.

11- التزاور والتحابب والتواصل في الله:

قال الإمام عليّ بن الحسين (ع):

إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل، فيقوم ناس من الناس فيقال: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقّاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنّة، قالوا قبل الحساب؟! قالوا نعم. قالوا:

ومن أنتم؟ قالوا: أهل الفضل. قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كُنّا إذا جهُل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسي‏ء إلينا غفرنا. قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.

 

ثم يقول: ينادي مناد ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس. فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنّة بغير حساب، فتتلقّاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبّرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبَّرناها عن معصيّة الله. قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.

ثم ينادي مناد: ليقم جيران الله في داره، فيقوم ناس من الناس، وهم قليل، فيقال لهم: إنطلقوا إلى الجنّة، فتتلقّاهم الملائكة فيقال لهم: مثل ذلك. قالوا: وبم جاورتم الله في داره؟ قالوا كنّا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتبادل في الله. قالوا: ادخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين‏.

وقال رجل لعلي بن الحسين (ع): إنّي لأحبّك في الله حبّاً شديداً، فنكس رأسه، ثمّ قال: اللهم إني أعوذ بك ان أحَبَّ فيك، وأنت لي مبغض، ثمّ قال أحَبكّ الذي تحبّني فيه‏.

الكاتب: محمد مهدي الآصفي