التوحيد

ثقافة الجماعة الصالحة في تراث زين العابدين(ع)/ ثقافة العلاقة بالله

وهذا هو أوسع أبواب ثقافة الجماعة الصالحة، ويعطيها الإمام زين العابدين (ع) الاهتمام الأكبر، ولا نعرف في تراث الإمام عليّ بن الحسين (ع) باباً أوسع وأغنى من هذا الباب.

والصحيفة المعروفة باسمه (ع) في الدعاء والمناجاة أعظمها أو كلّها من هذا الباب، وكذلك أكثر ما يوجد في الصحائف الأخرى المأثورة عنه(ع).

وكلمات الإمام زين العابدين في الدعاء والمناجاة كلمات رقيقة شفّافة، تصدر عن قلب شفّاف رقيق، مؤثرة في نفس

الإنسان، مربّية، معبّرة عن عمق حالة فقر العبد إلى الله، وسعة رجائه في الله تعالى، وثقة العبد برحمة الله، وخوفه من غضب الله، واقتران الخوف بالرجاء في مقام الدعاء والعبودية، فلا يطغى الخوف على الرجاء، ولا يطغى الرجاء على الخوف، تتعدّد فيها ألوان العلاقة بالله. فإن العلاقة الراشدة بالله حزمة من العلائق من الخوف، والرجاء، والدعاء، والحب، والوله، والأنس، والشوق، والتضرع، والإنابة، والإخبات، والطاعة، والركون، والسكون إلى الله، والاستغفار، والاستعاذة بالله، والتوكّل على الله … ونحن نجد كلّ هذه الألوان من العلاقة في أدعيّة الإمام زين العابدين ..

إن أدعيّة الإمام زين العابدين لوحات فنيّة من أروع ما يعرفه الإنسان في أدب الخطاب مع الله تعالى..

ولا أدري أيّ لوحة من هذه اللوحات أقدّم للقارئ شاهداً على ما أقول، فكلّ أدعيته غرر.

باقة من دعاء الأسحار:

اقرأ تسلسل الحمد في دعائه الذي يرويه عنه أبو حمزة الثمالي )رضوان الله عليه(، وكان يتهجد به الإمام في أسحار شهر رمضان:

(الحَمْدُ لله الذي أدْعُوهُ فَيُجيبُني، وَإن كُنتُ بَطيئاً حينَ يَدعوني، وَالحَمدُ للهِ الّذِي أَسأَلُهُ فَيُعطينِي، وإن كُنتُ بَخيلًا حينَ يَستَقرضُني، والحمدُ للهِ الّذي أُناديه كلّما شِئتُ لِحاجَتي، وَأَخلُو بهِ حيثُ شِئتُ لِسرّي، بِغيَرِ شَفيعٍ فَيَقضي لِي حاجَتي. الحَمدُ للهِ الذّي لا أَدعُو غَيرَهُ وَلَو دَعَوتُ غَيرهُ لمَ يَستَجِب لِي دُعائي، وَالحَمدُ للهِ الذّي لا أَرجُو غَيرَهُ، وَلَو رَجَوتُ غَيرَهُ لأَخلَفَ رَجائي، وَالحمدُ للهِ الذّي وَكَلَني إليهِ فَأَكَرَمني، وَلم يَكِلني إلى النّاسِ فَيُهينُوني، وَالحمدُ للهِ الذّي تَحبّبَ إليّ، وهو غَنيّ عَنّي، وَالحَمدُ للهِ الّذي يَحلُمُ عَنّي حتّى كَأَنّي لا ذَنْب لي، فَرَبيّ أحمد شي ءٍ عِندي وأَحقُّ بحِمدِي).

ترى هذا المسلسل الجميل للحمد، يأتي تباعاً حمداً، بعد حمد، مقترناً بالتذكير بنعمه وإحسانه تعالى الذي يحبّب إلى العبد حمد ربّه.

فيحمد العبد ربّه الذي يدعوه فيجيبه، وإن كان العبد بطيئاً في الاستجابة لدعاء ربّه.

ويحمد الله الذي يسأله فيعطيه، وإن كان العبد بخيلًا عندما يستقرضه الله.

ويحمد ربّه الذي يناديه كلما شاء لحاجاته، ويخلو به حيث شاء لسرّه، فيفتح له العبد من سرّ نفسه ما لا يبيحه للآخرين، من دون شفيع، ولا إذن ولا حاجب، يناجي ربّه متى يحبّ، ويفتح مكنون قلبه له متى يريد، ويبثّه همومه وشكواه متى أحبّ، فيقضي الله له حاجته.

ويحمد ربهّ الذي يكل عبده إليه وإلى رحمته وفضله، ويغنيه ويكفيه، ولا يكله إلى عباده فيهينوه، ويطردوه.

ويحمد الله الذي يتحبّب إلى عبده، وهو غنيّ عن حبّ عباده.

وفي نهايّة هذا المسلسل من الحمد تأتي هذه الفقرة الرائعة: (فربيّ أحمد شي ء عندي، وأحقّ بحمدي).

فليس شي ء في هذا الكون أحقّ بحمد العبد، من الله، فهو تعالى (أحمد شي ء لعباده).

***

وفيما يلي ننظر في لوحة أخرى من أدب الدعاء والمناجاة للإمام عليّ بن الحسين (ع) في دعاء الأسحار: (حجتي يالله في جرأتي على مسألتك، مع إتياني ما تكره جودك وكرمك. وعُدّتي في شدّتي مع قلة حيائي رأفتك ورحمتك، وقد رجوت ألا تخيّب بين ذين وذين منيتي).

الحجّة: ما يحتجّ به العبد بين يدي الله تعالى.

والعُدّة ما يستعدّ به العبد من رحمة الله تعالى وفضله لمواجهة الشدائد والأزمات في الدنيا والآخرة، ولابدّ للعبد الخاطئ، وهو يستقبل الحساب والمساءلة من عند الله يوم الحساب العسير، ويستقبل الأزمات والعقبات الصعبة بعد الموت في الحياة البرزخيّة ويوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد … لابدّ له من (حُجّة) و (عُدّة).

حجّة يحتجّ بها في السؤال والطلب، ويقبلها الله.

وعُدّهُ يقابل بها الأزمات والشدائد في ذلك اليوم الصعب العسير.

وحجّة العبد بين يدي الله مع ما جاء به من المعاصي التي يكرهها الله ويمقتها، هي جوده وكرمه، فإنّ العبد يحتجّ عند الله بجوده وكرمه تعالى، فيما يطلب من العفو والمغفرة.

وعُدّة العبد فيما يواجهه من الأزمات والشدائد والعقبات، هي رافته ورحمته تعالى.

فهما حُجّتان وعُدّتان:

أما الحُجتان، فهما جوده وكرمه.

وأما العُدّتان في مواجهة الشدائد والأزمات، فهما رأفته ورحمته.

والإمام يسأل الله ألا يخيّب أمله بين هاتين الحجّتين، وهاتين العدّتين: (بين ذين وذين(.

وكيف ييأس العبد من ربهّ تعالى، ولديه حُجّتان (جوده وكرمه)، وعُدّتان، هما (رأفته وكرمه)؟

فاستمع إليه (ع) في هذه الرائعة من روائع المناجاة، يقول، معتذراً إلى الله، مسترحماً له، منيباً، مستغفراً الله:

حُجّتي يالله، في جرأتي على مسألتك، مع إتياني ما تكره جودك وكرمك.

وعُدّتي في شدّتي، مع قلّة حيائي، رأفتك ورحمتك.

وقد رجوت ألا تُخيِّب بين ذين( الحجّتين ) وذين( العدّتين ) منيتي( رجائي وأمنيّتي.

***

وإليك نصّاً آخر من هذا الدعاء الشريف:

دعاء الاضطرار:

(فبمن أستغيث إن لم تقلني عثرتي؟ وإلى من أفزع إن فقدت عنايتك في ضجعتي؟ وإلى من ألتجأ إن لم تنفّس كربتي؟ سيّدي مَن لي؟ ومَن يرحمني إن لم ترحمني؟ وفضل مَن أؤمل إن عدمت فضلك يوم فاقتي؟ وإلى مَن الفرار من الذنوب إذا انقضى أجلي؟).

منازل الاضطرار:

هذه منازل الاضطرار، حيث لا يجد الإنسان أمامه من يستغيث به، ويفزع إليه، غير الله.

وبمن يستغيث إذا انقطع عن الدنيا، ووري في التراب، وتجسّدت أمامه عثراته وسيّئاته، غير الله؟

وإلى من يفزع الإنسان، يومئذ، وهو في مضجعه الأخير، لا يجد من يفزع إليه من ذنوبه، غير الله؟

وإلى من يلتجأ في ذلك اليوم الرهيب، غير الله؟

وإلى من يفر بذنوبه إذا انقضى أمده في هذه الدنيا، غير الله؟

يومئذ يدرك الإنسان معنى الاضطرار حقّ الإدراك.

معنى الاضطرار:

والاضطرار هو أن يفقد الإنسان، أمامه مسالك الخيارات، كلّها، إلا مسلكاً واحداً، يضطرّ إليه.

فلو أن إنساناً أراد أن يغادر محلّ عمله إلى داره، لوجد أسباباً كثيرة للوصول إلى داره من وسائل النقل، ولكن إذا حدث خلل في الطائرة التي يُقلّها على ارتفاع خمسة وعشرين ألفَ قدم من الأرض، وأخذت تهتز كالسعفة في أعماق الجوّ، فلا يبقى خيار للمسافرين إلا اللجوء إلى الله تعالى … فلو أن أهل الأرض جميعاً أرادوا أن ينقذوهم لم يستطيعوا إنقاذهم.

هذا هو معنى الاضطرار. يفقد الإنسان كلّ الخيارات إلا مسلكاً واحداً يضطر الإنسان إليه، ولا تبقى له مندوحة ولا سعة في الاختيار.

وهذه الحالة من الاضطرار عند اللجوء إلى الله تعالى في الدعاء هي التي تشير إليها أيّة سورة النمل في استجابة الدعاء أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ ]النمل: 1 [ .. فإن من يلجأ إلى الله، مضطراً، ولا يجد غير الله من يلجأ إليه، لا تفوته الإجابة البتة، إلا أن يكون في تأخير الإجابة أو تبديلها مصلحة يعرفها الله تعالى ولا يعرفها العبد  .

وإذا أراد العبد أن يدعو الله تعالى في حاجة من حاجاته لدنياه أو آخرته، عليه أن يقبل على الله بالدعاء في حالة

الاضطرار، ليشمله وعد الله تعالى بالاستجابة لدعائه في أيّة سورة النمل.

روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ابن مريم (ع):

(ادعني دعاء الحزين الغريق، الذي ليس له مغيث. يا عيسى! سلني، ولا تسل غيري، فيحسن منك الدعاء ومنّي

الإجابة .

وفي مناجاة لأمير المؤمنين (ع): (إلهي لا تشبه مسألتي مسألة السائلين، لأن السائل إذا يُمنع امتنع، وأنا لا غناء بي عمّا سألتك) .

الانقطاع والاضطرار:

ويتساءل المؤمنون: وأنّى لنا أن نحقّق حالة الاضطرار في نفوسنا وفي دعواتنا .. وهي حالة تكوينيّة واقعيّة، تحصل حيناً ولا تحصل أحياناً… وليس في كلّ حين يشعر الإنسان بالاضطرار في الدعاء، كما يشعر ركّاب الطائرة التي تتعرّض في أعماق الجوّ للخلل الفني؟

وللإجابة على هذا السؤال نقول:

إن كلّ الناس في كلّ حاجاتهم- بدون استثناء- في حالة الاضطرار إلى الله، غير أن وعي الاضطرار لا يتسنّى لكلّ أحد إلا نادراً.

فما من حاجة للإنسان إلا والإجابة فيها بيد الله تعالى، وحسب، والأسباب التي يسعى إليها الناس في قضاء حوائجهم كلّها من عند الله.. خاضعة لأمر الله، ولا تستجيب للإنسان إلا بإذن الله، فلو طلب الإنسان الرزق في السوق، ووجد أبواب الرزق أمامه مفتوحة في السوق، باباً باباً، فليس معنى ذلك أن أمامه مجموعة من الخيارات في ابتغاء الرزق.

فإن هذه الأبواب كلّها من خلق الله وخاضعة لسلطان الله، يملك الله تعالى ازِمَّتَها ويحكمها ويتحكّم فيها، ويقبضها ويبسطها، وكم من نشيط ذكي يذهب إلى السوق فتنغلق عليه أبواب الرزق، فلا يجد سبيلًا إلى الرزق، في عرض السوق وطوله.

وكم من ضعيف بليد يرزقه الله تعالى ويبسط له أبواب الرزق، وهذا هو معنى التوحيد في الرزق. يقول تعالى:

وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها. (هود:6).

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. (الذاريات:8).

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ. (سبأ:24).

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ. (الرعد:26).

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ. (سبأ:36).

وليس هذا بمعنى أن الإنسان لا يطلب الرزق من أبوابه، فإن الله تعالى يأمر الناس أن يطلبوا أرزاقهم من أبوابها.

فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ. ( الملك:15).

ولكن معنى ذلك أن يعرف الإنسان أن أبواب الرزق وأسبابه كلها بيد الله، وأنَّ هذه الأسباب جميعاً خاضعة لأمر الله، تعمل بإذن الله وأمره، سخّرها الله تعالى للإنسان بإذنه، فلو شاء أن يمنعها لم تتيسّر لأحد.

فإذا وعى الإنسان هذه الحقيقة التوحيديّة الكبرى، عَلِمَ أن الرزق بيد الله وحسب، ولا يرزقه أحد غير الله، وعَلِمَ أن الشفاء بيد الله تعالى فقط، وأن الطبّ والدعاء أسباب سخرها تعالى لعلاجه.

وعَلِمَ أن النصر بيد الله تعالى فقط وأن السلاح والقيادة والعدّة والعدد والتخطيط أسباب سخّرها الله لنا.. وإذا شاء الله عطّل هذه الأسباب ونقضها وحال بيننا وبين النصر.

فقد نصر الله تعالى المؤمنين ببدر وهم أذلةّ ضعفاء (وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) . (آل عمران: 123).

وهُزِموا في حنين، وهم كثرة، أقوياء، سادة الجزيرة، ثمّ فتح الله عليهم ورزقهم النصر، (وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ  تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) (التوبة: 25) .

( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) . (البقرة: 249).

ذلك كلّه لنعلم أن النصر من عند الله. فقط.

( وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) . (آل عمران 126)  ، (الأنفال: 10) وأن الشفاء من عند الله.

(وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ). (الشعراء: 80( .

وأن الرزق من عند الله.

(وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) . ( هود: 6 ) .

(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ) . (الرعد: 26) .

(أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ ) . (الزمر: 52).

(لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ) . (الشورى: 12).

وإذا وعى الإنسان هذه الحقائق يعرف أنهّ مضطرّ إلى الله في كلّ شأن من شؤونه.

فإذا سعى إلى الرزق، فإن الرزق بيد الله تعالى وحده، وهو مضطرّ إلى الله في تحصيل الرزق.

وإذا سعى إلى الشفاء عرف أن الشفاء بيد الله، وهو مضطرّ إلى الله في تحصيل الشفاء.

وإذا سعى إلى النصر عرف أن النصر كله بيد الله ولا سبيل له إلى تحقيق شي ء من النصر إلا إذا أراد الله.

عندئذٍ يعي الإنسان معنى الاضطرار إلى الله تعالى في كلّ شأن من شؤونه وكل حاجة من حاجاته.

وكل دعاء له عندئذٍ يكون عن اضطرار، ويقترن بالاستجابة، كما وعدنا الله تعالى، إلا أن يكون في تأخير الإجابة أو تبديله مصلحة للعبد لا يعرفها العبد، ويعرفها الله.

وهذا هو وعي الاضطرار. وكل الناس في كلّ شؤونهم مضطرّون إلى الله تعالى.

(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). (فاطر: 15).

والفقر هو الاضطرار، ولا معنى للفقر غير الاضطرار.

وإنّ لوعي الاضطرار مفتاحاً إذا عرفه العبد شرح الله صدره للاضطرار إليه في حالات الرخاء، وأشعره الاضطرار في اليسر والسعة، وهذا المفتاح هو قوله (ص)، كما في الرواية: ) إسألوا الله عزّ وجلّ مابدا لكم من حوائجكم حتى شسع النعل، فإنه إن لم ييسر لم يتيسّر ) .

إنَّ الإنسان لا ينال شيئاً من أسباب الرزق والعافيّة والعلم والزواج والذريّة إلا بتوفيق وتيسير من الله. فإن لم ييسّر الله تعالى لعبده أبواب ذلك وأسبابه لا يتيسر له.

ولكن من يعي هذا الاضطرار من الناس قليل. إن الناس مضطرون إلى الله، ولكنهم لا يعون هذا الاضطرار.

والاضطرار في أيّة النمل هو وعي الاضطرار، وليس واقع الاضطرار.

ووعي الاضطرار هو الانقطاع إلى الله، حيث يقطع الإنسان أمله ورجاءه عن كلّ الأسباب، ويحصر أمله ورجاءه في الله تعالى، فإنّه مسبّب الأسباب.

فإن الانقطاع إلى الله ذو وجهين:

الوجه الأوّل: هو القطع عن كلّ سبب غير الله.

والوجه الثاني: هو حصر الطلب والسؤال والرجاء في الله تعالى.

والانقطاع عمل اختياري، يقطع فيه الإنسان باختيار ومعرفة، أمله وطلبه عن كلّ سبب غير الله، ويحصر كلّ أمله ورجائه وطلبه في الله تعالى، فيدعو الله تعالى في الرخاء دعاء المضطرّ.

وفي الدعاء عن عليّ بن الحسين زين العابدين ( ع ) :

)واجعلني ممن يدعوك مخلصاً في الرخاء، دعاء المخلصين المضطرّين لك).

ويقول (ع) أيضاً: (اللهم إنّي أخلصت بانقطاعي إليك، وأقبلت بكلّي عليك، وصرفت وجهي عمّن يحتاج إلى رفْدك،

وقلبت مسألتي عمّن لا يستغني عن فضلك، ورأيت أن طلب المحتاج إلى المحتاج سفه في رأيه، وزلةّ من عقله( .

كيف يلجأ الإنسان إلى الله في أيّام اضطراره؟

إذا عرف الإنسان اضطراره إلى الله تعالى في منازل الآخرة، وعرف أن لا سبيل له إلى تجاوز ذلك اليوم، ولابدّ له من استقبال تلك المنازل، ولا خيار له في تلك المنازل الصعبة إلا اللجوء إلى الله .. فلابدّ له من أن يسعى في الحياة الدنيا، قبل أن يفارقها، إلى تحصيل مرضاة الله لتلك المنازل في الآخرة.

وسبيل الإنسان لتحصيل مرضاة الله في تلك المنازل الرهيبة هي طاعة الله تعالى والاستجابة لأمره في الدنيا.

تأمّلوا في هذه الآيّة الكريمة: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ، وَ ما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) . الشورى: 47

يدعو الله تعالى عباده للاستجابة لأمره في الحياة الدنيا، قبل أن يأتي اليوم الموعود الذي لا مردّ له، ولا يمكن تجاوزه …وعندئذ لا ملجأ لكم من الله إلا الله، ولا مجال للإنسان من الهروب عن الله، ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ، ولا ينفعه إنكار ذنوبه وسيّئاته بين يدي الله، ( وَ ما لكَم مِنْ نَكِيرٍ ) .

عودة إلى دعاء الاضطرار:

ثم يقول (ع): (سيّدي لا تعذّبني وأنا أرجوك).

إن الله تعالى كريم، وواهب الكرم للكرام. والكريم لا يعذّب من يرجو عفوه وتجاوزه.

وإن الله عند حسن ظن عبده، في الحديث القدسي:

(أنا عند ظنّ عبدي، فلا يظن بي إلا خيراً) .

وعن رسول الله (ص( : ) ادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة ).

وأوحى الله إلى موسى بن عمران (ع) : (ما دعوتني ورجوتني فإنيّ سامع لك).

وعن أبي عبد الله الصادق (ع)، قال : (إذا دعوت فأقبل بقلبك وظنّ حاجتك بالباب) .

وفي دعاء كميل الذي علمه أمير المؤمنين (ع) لكميل بن زياد النخعي رحمه الله :

(يا مولاي فكيف يبقى في العذاب، وهو يرجو ما سلف من حلمك؟ أم كيف تؤلمه النار وهو يأمل فضلك ورحمتك؟ أم كيف يحرقه لهيبها، وأنت تسمع صوته وترى مكانه؟ أم كيف يشتمل عليه زفيرها، وأنت تعلم ضعفه؟ أم كيف يتقلقل بين أطباقها، وأنت تعلم صدقه؟ أم كيف تزجره زبانيتها، وهو يناديك يا ربه؟ أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها فتتركه فيها؟ … هيهات ما ذلك الظن بك، ولا المعروف من فضلك، ولا مُشْبِهٌ لما عاملت به الموحِدين مِن بِرك وإحسانك(  .

الكاتب: محمد مهدي الآصفي