حذار من اليهود

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران:۱۱۸-۱۲۰].

سبب النزول:

في بيان سبب نزول الآيات السابقة قال الطبرسي في مجمع البيان: (نزلت في رجال من المسلمين كانوا يواصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من الصداقة والقرابة والجوار والحلف والرضاع).

والمواصلة كانت بكشف أسرار المسلمين وقضاياهم الخاصة وخططهم وبيان مواطن ضعفهم وقوتهم في مواجهة أعدائهم، وذلك عن طيب نية وبساطة في تقدير الأمور.

فجاءت الآيات تحذيراً للمؤمنين من مغبة الاستسلام للثقة الساذجة باليهود، لأن هؤلاء اليهود في واقعهم إنما يكيدون للإسلام والمسلمين، ويحملون في داخلهم الحقد والعداوة اللامتناهية لكل الأغيار ـ أي سوى اليهود ـ وعلى رأسهم في ذلك المجتمع وذلك الزمان هم المسلمون.

وهي تطالب المسلمين بأن يواجهوا الواقع بوعي، وأن يدرسوا بشئ من التمعن الخلفيات العقائدية والسياسية لهؤلاء اليهود.. بل أن يتبصّروا في واقع حركتهم، وحينها سيجدون بكل وضوح أن هؤلاء اليهود لا يريدون الخير للمسلمين أبداً، وإن رحّبوا بهم، وتلقّوهم بالابتسامة المخادعة.

فلتات لسان ونية شر:

(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ).. ألا تنتبهون أيها المسلمون إلى حقيقة مشاعر هؤلاء اليهود وما يضمرونه في قلوبهم من خلال ما يظهر من فلتات ألسنتهم المعبِّرة ـ تلقائياً ـ عمّا يضمرونه في داخلهم، لأنَّه من الصعب على الإنسان ـ حتّى في حالات الحذر ـ إخفاء ما يضمره في نفسه، وبتعبير أمير المؤمنين علي عليه السلام: (ما أضمر أحدٌ شيئاً إلاَّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه).. أليس في هذا دلالة لكم عن نواياهم الخبيثة؟! فكيف تتخذونهم أولياء تختصونهم بالاطلاع على باطن أمركم، وتجعلونهم موضع ثقتكم وسرّكم؟

بطانة سوء:

وفي التعبير بالبطانة في قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) دلالة رائعة على عمق الخطر المحدق بالإنسان، لأنه الجزء الملاصق للجسد بخلاف الظِّهارة، فكيف تأمنونهم؟ بل إنكم لو تعلمون ما يُضمره هؤلاء اليهود نحوكم، لكنتم أشد فزعاً عندما تكتشفون عمق خطرهم، فإن ما تُخفي صدورهم أعظم مما يظهر على فلتات لسانهم.

إن ما يلخّص مشاعرهم وأمنياتهم ومساعيهم بحقكم هو أنهم (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) ولا يقصّرون في أي أمر يمكنه أن يلحق بكم الضرر الشديد ويدمّر مواقع القوة عندكم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) فالسعادة تغمرهم في كل لحظة تعيشون فيها الآلام وتواجهون فيها المتاعب.

أيها المسلمون كفّوا عن السذاجة التي تتعاملون بها مع هؤلاء.. إنهم ليسوا بسطاء كما تتصورون، ولا هم من طاهري القلوب والنيات، وقد جعل الله لكم الصورة بيّنة واضحة، فحركوا عقولكم قبل أن تندموا.

اتفاقية أمنية:

قبل أيام نُشر مقال لـ (هيلين كوبر) في صحيفة (نيويورك تايمز) يتحدث عن احتمال عقد اتفاقية سرية للتعاون الأمني والمخابراتي بين دول الخليج وإسرائيل.. وأن هذا الاحتمال ناشئ عن تصريح لرئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي (مارتن إي ديمبسي) قاله بعد الخروج من اجتماع عقده مع نظيره الإسرائيلي.

هذا التقرير إن صح، فلا يملك الإنسان أن يقول أكثر مما قالته الآية الشريفة في بيان المشاعر والنوايا الحقيقية لليهود تجاه المسلمين عموماً.. وهي لا تختص بعصر النزول فقط، بل هي مشاعر ونوايا مستمرة عبر الزمن تجاه كل (الأغيار)، للعقدة المستحكمة في التعاليم اليهودية تجاه غير اليهود والنظرة الدونية لهم.. والمسلمون والعرب اليوم على رأس القائمة كما لا يخفى على أبسط المتابعين للصراع العربي الإسرائيلي.

موقف متميز للكويت:

وإذا كانت بعض الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي عازمة فعلاً على المضي في هذا الاتجاه، فإننا نتطلع أن تقف الكويت موقفاً متميزاً على الحياد وعنوانه الممانعة، كما اتخذت موقفاً متميزاً حكيماً في ما يتعلق بالموقف من خلاف بعض أعضاء مجلس التعاون الخليجي مع دولة قطر، وكذلك من إعلان جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية.

مرارات عملية السلام:

لقد عاش المسلمون في تاريخهم الماضي وفي تاريخهم المعاصر كثيراً من الحالات العاطفية التي تحوّلت إلى نكسات وهزائم اجتماعية وسياسية، لأنَّهم خضعوا للأجواء السطحية، فتخلّوا تحت وطأة ذلك عن كثير من مواقعهم.. وما التجربة المريرة للسلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني في نطاق ما يُعرف بعملية السلام إلا تجربة حية ومريرة. فهل لنا أن نتّعظ وقد قال تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).

الكاتب: الشيخ علي حسن