حصاد ثلاث سنوات

مع مضي العام الثالث لإطلاق وتطبيق إستراتيجية التعليم العالي للأعوام ۲۰۱۱- ۲۰۱۲- ۲۰۱۳ ، ودخولنا العام الرابع يمكننا القول بأن ما تحقق من حلقات تطوير المنظومة التعليمية في العراق خلال هذه الأعوام، كان بوابة حقيقية لاستعادة العراق دوره الفاعل في النظام التعليمي العربي والإقليمي، كمقدمة لعودته الى مصاف الدول المتقدمة في شتى المجالات المعرفية.

ولا نكشف سرا إذا ما قلنا ان تحريك قطاع التعليم العالي وتحريره من القيود التي أعاقت تقدمه لسنوات طوال، لم يكن سهلا على الإطلاق. إذ أن التعامل مع مفاصل متعددة خضعت للتدمير الممنهج خلال عهود الدكتاتورية يتطلب اتخاذ خطوات جريئة، والاستعداد لتحمل النقد والتعامل معه ايجابيا أيا كان مصدره وحجمه وبواعثه، ففي النهاية، يجب عليك أن ترسخ لممارسات مؤسساتية تكفل للتعليم العالي أن يكون الحلقة الأهم في إعادة تأهيل البلاد وربطها بحركة التقدم التي يشهدها العالم المتحضر.

يمكن لنا أن نستعرض من خلال هذا الإصدار الذي يحكي تفاصيل عمل وزارة التعليم العالي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، مقدار المنجز الذي تحقق على ارض الواقع ويمكن احتسابه بمعايير كمية ونوعية واضحة المعالم. لكن المنجز الأكبر، المنجز الحقيقي الذي سعينا الى تحقيقه بقوة وثبات، هو ذلك المنجز الذي يتعلق بالتطور المعرفي.

عمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي يتعلق في اغلبه بالعقل البشري، مع ذهنية خاصة بنخبة المجتمعات، مع نوع من أنواع البناء الفكري والاستثمار المعرفي، وهذه الحلقة بالذات، هي ما لا يمكن قياسه بالمقاييس المتعارف عليها، ولا يمكن أيضا أن نتلمس آثاره إلا بعد سنوات طوال، وعبر مساهمات علمية وإنسانية تدخل في كل مجالات الحياة.

لكن هنا، يمكن لنا أن نشرح كيف أن خطوات نوعية وقرارات حاسمة واجراءات عملية اتخذناها، ساهمت الى حد بعيد في حل مشكلة التعقيدات التي أحاطت بالعملية التعليمية في العراق.

في هذه الخلاصة يمكن أن أؤشر بضعة مفاصل نجحنا في ترسيخها على مراحل، بعضها آتى ثماره خلال مدة قصيرة، بضعة أشهر أو ربما عام أو عامين، وبعضها سيستغرق أعواما أخرى كي نتمكن من قياس مقدار النجاح الذي تحقق فيه.

ابرز هذه الخطوات، يمكن تلخيصها بالآتي:

-إطلاق اكبر حملة ابتعاث في تاريخ العراق المعاصر: وهذه الحملة التي وصفت بأنها الأكثر جرأة وطموحا في عمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منذ عقود، كانت تمثل حتى وقت قريب، حلما بعيد المنال وسط ما شهدته حركة الابتعاث من تعثرات بسبب قلة التخصيصات او تضارب خطط التنفيذ مع بعضها البعض،على الرغم من كل الجهود التي بذلت لتحرير هذا الملف من المشاكل التي واجهته.

وانطلقت هذه الخطوة بعد قناعة الوزارة بان هذا المشروع ممكن التحقيق لو تضافرت الجهود واعتمدت المعايير المناسبة لتطبيقه على ارض الواقع، وتطلبت المرحلة اللاحقة اقناع مجلس الوزراء ووزارة التخطيط ووزارة المالية برصد الميزانية الكفيلة بانجاح مشروع نوعي بهذا الحجم. واخيرا تحقق لنا ان نرفع الميزانية المخصصة للبعثات والزمالات والاجازات الدراسية من ۸۰ مليون دولار الى نحو ۳۵۰ مليون دولار يمكنها أن تؤمن لنا ارسال ۱۰ الاف طالب للدراسة في الجامعات البريطانية والاميركية والاسترالية والفرنسية والكندية وغيرها من البلدان المتقدمة، والحصول على شهادة الدكتوراه في التخصصات الطبية والهندسية والطب البيطري والعلوم الصرفة والمحاسبة والقانون وغيرها من مجالات الدراسات العلمية والإنسانية.

وفعلا، خلال عامين فقط، نجحت وزارة التعليم في ارسال وتمويل ودعم ۸۵۵۵ بعثة وزمالة واجازة دراسية، اضافة الى متابعة والاشراف على ما يقارب عشرة الاف دراسة على النفقة الخاصة في كل بلدان العالم.

ما يمكن قوله عن حركة الابتعاث الكبرى، انها ستكون الخميرة التي يمكنها ان تعيد الى التعليم العالي في العراق وهجه وقدرته على مواكبة النظام التعليمي المتطور في العالم المتقدم، والمبتعثون الذي سيكملون تعليمهم في الجامعات العالمية الكبرى سينجحون بلا شك في توطين المعرفة والعلوم واساليب التعليم الناجحة داخل الجامعات العراقية. فلا احد ينكر ان المبتعثين الاوائل الذين درسوا في الجامعات العالمية خلال الاربعينات والخمسينات والستينات من القرن المماضي، كانوا فاعلين جدا في عملية توطين المعرفة حتى وصلت الجامعات العراقية الى صدارة العالم العربي والشرق الاوسط، قبل ان يباغتها نظام البعث بتسييس ملف البعثات وتبعيثه بالكامل، ثم انهائه بشكل مبرم.

النقطة الابرز التي راعيناها في رسم خطة الابتعاث، هو ان تحظى كل محافظات العراق بفرصة الحصول على مقاعد في البعثات توزاي حجمها السكاني، فلا يمكن لحركة تطوير المنظومة التعليمية مطلقا ان تعتمد على سياقات وقواعد لا تقوم على البعد الوطني والمعرفي وحاجة المجتمع في كل تفاصيلها.

التوسع الأفقي والعمودي في المنظومة التعليمية: على الرغم من التوسع السكاني الكبير الذي شهده العراق خلال العقود الماضية، كانت الاستجابة لعملية توسيع الرقعة الجامعية أقل بكثير من حاجة البلاد الى المؤسسات التعليمية التي يمكنها ان تلبي الرغبة المتزايدة للطلبة العراقيين في استكمال دراستهم الجامعية. هذه الحاجة الملحة وضعتنا أمام مهمة صعبة فعلا، وهي افتتاح جامعات جديدة بامكانها ان تنظم الى المنظومة التعليمية في العراق وتمنح الفرصة لعدد اكبر من شباب العراق، كي يتمكنوا من الحصول على مقاعد دراسية تستوعب طموحاتهم في خدمة بلادهم.

خلال ثلاثة أعوام فقط، انجزنا اكبر خطة للتوسع التعليمي في تاريخ العراق، وهي انشاء عشر جامعات عراقية جديدة، وهذا ما رفع عدد الجامعات من ۱۹ جامعة تم تأسيسها خلال نحو قرن من الزمن، الى ۲۹ جامعة. لغة الارقام تقول اننا حققنا خلال ثلاث سنوات فقط زيادة في عدد الجامعات بنسبة ۵۲,۶% قياسا الى كل الجامعات العراقية التي تأسست منذ تأسيس دولة العراق الحديثة.

في البداية، اعتقد بعضهم مخطئا، عن قصد او غير قصد، ان العراق لا يحتاج الى هذا العدد من الجامعات، لكن لاحقا، أثبتت قدرة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على استيعاب العدد من المتزايد من مخرجات وزارة التربية التي تجاوزت الـ۱۶۰ الف طالب مقبولين قبولا مركزيا خلال العام الدراسي الحالي وفي الدراسة الصباحية فقط ،ان العراق كان يعاني اصلا، نقصا كبيرا في المؤسسات التعليمية وان افتتاح المزيد من الجامعات سيكون هو الحل الأمثل لاستقطاب الأعداد الكبيرة من الطلبة الذين يمكن ان يلبوا حاجات المجتمع وسوق العمل.

مبدئيا، حتى مع افتتاح الجامعات الجديدة، بقي مجموع عدد طلبة الجامعات العراقية متراجعا بشكل كبير عن بلدان عربية واقليمية مناظرة لعدد السكان في العراق، فمقابل ۱٫۲ مليون طالب جامعي في الجزائر ذات الـ۳۰ مليون مواطن، لا يتجاوز عدد الطلبة الجامعيين في العراق نصف مليون طالب وهو عدد متواضع قياسا الى عدد سكانه البالغ ۳۳ مليون مواطن. وفي تركيا ذات الـ۷۵ مليون مواطن، هناك اكثر من ۱۸۵ جامعة حكومية وخاصة، في حين لم يكن لدى العراق حتى العام ۲۰۱۰ سوى ۱۹ جامعة و۲۶ كلية أهلية. هذه المقارنة البسيطة تشرح بعمق، لماذا أسسنا جامعات جديدة، بعضها جامعات متخصصة.

يرافق هذا التوسع، عملية توسع اخرى اجريناها داخل الجامعات العراقية نفسها، فخلال ثلاثة اعوام فقط، اضيفت الى المؤسسات التعليمية (۶۹) كلية و (۲۱۷) قسما و (۴۸) فرعا في الجامعات العراقية كافة والكليات والمعاهد التابعة لهيئة التعليم التقني.

إتاحة الفرصة للقيادات الشابة: وهذه الخطوة كانت هي من أكثر الخطوات جرأة فيما يتعلق بتحديث هياكل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فإدخال دماء جديدة لمفاصل الوزارة كان يعني مبدئيا المراهنة على خبرات لم يجد القسم الأكبر منها الفرصة لإثبات الذات. لكن التجربة اثبتت ان القيادات الشابة نجحت في هذه التجربة الفريدة، خصوصا ان عملية التغيير جرت بطريقة تدريجية ومنهجية خضعت بشكل كامل لمعايير الكفاءة والنزاهة. وهذا الهدف تحقق عبر تنفيذ حركة استبدال وتنقلات في الملاكات الإدارية للدوائر والمؤسسات التابعة للوزارة، من رؤساء جامعات ومساعدين وعمداء كليات ورؤساء أقسام والمناصب الفاعلة في الوزارة.

منح الاستقلالية للجامعات: كانت خطوات تحرير الجامعات العراقية من قيود المركزية الصارمة، من أهم الخطوات التي كان يحتاجها قطاع التعليم العالي ليأخذ طريقه الى التقدم والنماء، فالجامعات كانت تحتاج فعلا الى منحها اعلى درجات الاستقلالية لكي تسرع من عملية تطورها والدخول في سباق مع الوقت لتحقيق المزيد من النجاحات. حتى وقت قريب كان على الجامعات ان تنتظر ما تقرره دوائر ديوان الوزارة في كل خطوة من خطواتها، وغالبا ما كان اتخاذ قرارات بسيطة يتطلب انتظار سلسلة من الموافقات الوزارية لكي تأخذ طريقها الى التنفيذ. لم يكن امر مناقلة الاموال لتسريع عمل بعض المشاريع متاحا ولا قدرة للجامعات والمراكز البحثية على عقد مذكرات توأمة او شراكة مع جامعة اجنبية الا بأوامر من مصادر القرار في الوزارة.

تطلب تجاوز هذه الطريقة في حركة العمل والعلاقة بين الوزارة والجامعات، تحويل جزء مهم من صلاحيات الوزارة الى الجامعات نفسها. وتطلب الامر ايضا، وهذا كان هو المهمة الاصعب، اقناع الجامعات نفسها بضرورة عدم التردد في استخدام هذه الصلاحيات اذ كان في ذلك تسريعا لتطوير العمل في الجامعة.

تحويل نظام القبول المركزي من الورقي الى الالكتروني: حتى خريف العام ۲۰۱۰، كان من الواضح ان خطوات اعتماد الاستمارات الالكترونية في القبول المركزي قد تعثرت كثيرا بسبب المخاوف من ان التكنولوجيا لن تكون قادرة على التوافق مع المجتمع العراقي. الكثير من الاراء كانت تدفع باتجاه تأجيل هذه الخطوة الى ابعد توقيت ممكن. لكن في المقابل، كان أمامنا كم هائل من السلبيات التي يفرضها الابقاء على طريقة الاستمارة الورقية في تحديد مصير ما بين ۱۲۰ الى ۱۵۰ الف طالب سنويا.

جاء قرار اعتماد لاستمارة الالكترونية بشكل كامل في التقديم للقبول المركزي، بمثابة قفزة واسعة باتجاه عصرنة التعليم العالي، والاعتماد على التكنولوجية الحديثة لتنظيم قبولات الطلبة وفقا لاستحقاقاتهم التي تؤهلهم في دخول المجالات التعليمية التي يرغبون بها. كانت الخطوة حساسة جدا وتتطلب قياسات محددة لمعرفة مدى نجاح كل خطوة من خطوات القبول المركزي. ومنذ العام الاول من تطبيق الاستمارة الالكترونية كان معدل النجاح في خطوات القبول المركزي بنسبة ۱۰۰%، بضمنها اجراءات الاعتراض واعادة الترشيح وكل ما يتعلق بتنظيم عملية القبول المركزي وفقا لاستحقاقات الطلبة ورغبتهم في نوع ومكان الدراسة التي يتطلعون اليها.

الدراسات العليا: تشير الارقام التي تنشرها دائرة البحث والتطوير، الى ان دائرة الدراسات العليا صارت اوسع بكثير مما تحقق خلال الاعوام الماضية. ففي حين كانت قدرات الكليات والاقسام تعمل في حدها الادنى لاستيعاب الراغبين بنيل شهادات عليا تتوافق مع حاجة البلاد والمؤسسات التعليمية وتراعي رغبة طلبة الدراسات العليا. كان لزاما علينا ان نفتح مديات اوسع لهذا النمط من الدراسة لما تشكله من اضافة علمية ومعرفية للمنظومة التعليمية في العراق.

حين بدأنا مشوارنا مع التعليم العالي اواخر العام ۲۰۱۰، كان عدد حملة شهادة الماجستير يعادل ۸۰% من مجموع حملة الشهادات العليا، واغلب الكليات والاقسام كانت تعتمد في الكثير من مراحلها الدراسية على حملة الماجستير الذين لم تتح لهم فرصة كافية لاستكمال دراستهم في الدكتوراه بسبب الضوابط والقبول المحدود. بطبيعة الحال كان القبول بهذه الحالة يعني المجازفة بثبات طبيعة الكوادر التدريسية وعددها قياسا الى الارتفاع الكبير في معدلات الالتحاق لطلبة الجامعات.

ولهذا كله اعتمدت الوزارة خطة لزيادة عدد مقاعد الدراسات العليا بما يتناسب مع الاتساع الكبير للمنظومة التعليمية في العراق. فارتفع عدد الطلبة الدارسين في الدراسات العليا للعام ۲۰۱۲ بنسبة تتجاوز الـ (۵۶%) عن العام ۲۰۱۰٫ حيث ارتفع عدد الطلبة الملتحقين بدراسة الدبلوم العالي (۴۷%) في عام ۲۰۱۲ مقارنة بالعام ۲۰۱۰، والطلبة الملتحقين بدراسة الماجستير بنسبة (۶۵%) خلال المدة نفسها، والطلبة الملتحقين بدراسة الدكتوراه (۴۳%) مقارنة بالعام ۲۰۱۰٫

برنامج البعثات البحثية: حتى وقت قريب، اقتصر التواصل مع الجامعات العالمية على طلبة البعثات الذين حازوا فرصة الدراسة خارج العراق، في المقابل، لم يتسن لاعداد كبيرة من طلبة الدراسات العليا داخل العراق توسيع نطاق بحثهم اكثر من الامكانيات التي تتيحها الجامعات العراقية. لهذا جاء برنامج البعثات البحثية ليفتح الباب واسعا امام طلبة الدراسات العليا داخل العراق للحصول على زمالة بحثية من ۶ الى ۹ اشهر في احدى الجامعات العالمية، وعلى نفقة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لاستكمال مشروعه البحثي والافادة من المختبرات المتقدمة والمصادر الحديثة في تلك الجامعات لاكمال بحوث متقنة وعالية المستوى تساهم في اثراء المنجز البحثي العراقي.

التعليم الاهلي: لم تكن تجربة التعليم الاهلي في العراق، حتى سنوات قريبة، تحظى بالثقة الكافية التي تؤهلها لأن تصبح الرديف الاساس للتعليم الحكومي. بدا ذلك واضحا من خلال تعثر القوانين والاجراءات التي تسبق الاعتراف بهذه الكليات، ولاحقا، مراقبة عمل هذه الكليات والتأكد من التزامها بشروط الجودة والاعتمادية وكل مستلزمات التعليم الجامعي المنظم.

اعادة الثقة لهذا النوع من التعليم، تطلب منا اجراء سلسلة من الاجراءات التي اتاحت للتعليم الاهلي ان يستيعد مكانته ضمن المنظومة التعليمية في العراق، ويتحول خلال الاعوام الثلاثة الماضية الى ظهير ناجح للتعليم الحكومي بامكانه ان يتسقطب جزءا كبيرا من مخرجات التعليم الثانوي، ويوفر خيارات اوسع لمن يرغب في اختيار تخصصات تتوافق مع رغباته وتطلعاته.

خلال الاعوام ۲۰۱۱ و۲۰۱۲ و۲۰۱۳ ارتفع عدد الكليات الاهلية من ۲۶ كلية اهلية الى ۳۹ كلية، وهو ما يمثل نسبة زيادة وصلت الى ۵۰%. وتزامن مع ارتفاع عدد الكليات الاهلية زيادة في معدلات الالتحاق بهذه الكليات وصل الى ۲۰% والامل معقود على رفع النسبة الى ۳۰% خلال العامين القادمين، وهي النسبة التي ترفع من تقييم العراق على صعيد التعليم الجامعي دوليا نظرا للاهتمام البالغ الذي توليه المنظمات العالمية المعنية بشوؤن التعليم الجامعي للتعليم الاهلي.

تمكنت الكليات الاهلية هذا العام من استقطاب اكثر من ۴۰ الف طالب خلال العام الدراسي ۲۰۱۳-۲۰۱۴، ومع الاخذ بنظر الاعتبار ان التعليم الحكومي استقطب اكبر رقم في تاريخه خلال هذا العام وهو ۱۶۰ الف طالب، يمكن للمتابع ان يدرك سر اهتمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في دعم واسناد قطاع التعليم الاهلي.

بطبيبعة الحال، حرصت وزارة التعليم العالي على ان تكون جودة التعليم في الكليات الاهلية على اعلى المواصفات التي حددتها لافتتاح واستمرار عمل الكليات الاهلية، وبدا هذا واضحا من الاهتمام العالي بتوافر كل الشروط التي تتطلبها العملية التعليمية بما فيها البنى التحتية للكليات الاهلية واستكمال الكادر التدريسي وفقا للالقاب العلمية المحددة ونوع المناهج الدراسية وتوافر الخبرات العالية التي تضمن مجاراة التعليم الاهلي لنظيره الحكومي.

التصنيفات العالمية: ما زال الحصول على مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية، يمثل حلما لطالما سعى اليه القائمون على التعليم العالي، خصوصا في بلدان الشرق الاوسط والمنطقة العربية وهو لا يرتبط بالجامعة نفسها، بل بمجموعة من الشروط التي تتوزع عليها درجات التصنيف مثل عدد جوائز نوبل التي حصل عليها خريجو الجامعة وتدريسيوها ومجموع الجوائز العالمية الرفيعة وحجم البحوث المنجزة.

مع هذا، وعلى الرغم من الفارق الشاسع الذي فصل بين العراق وباقي بلدان العالم المتقدم خلال العقود الماضية، نجحت الجامعات العراقية في ايفاء شروط متعددة اهلتها لاستعادة جزء كبير من رصانتها العلمية ومكانتها العلمية، وتحققت خلال السنوات الماضية قفزات نوعية تمثلت بدخول عدد الجامعات العراقية للتصنيف الاسباني Webometrics. ثم نجحت جامعة بغداد في عام ۲۰۱۱ من حيازة المرتبة ۱۹۵۲ من بين أفضل ۲۰۰۰ جامعة عالمية دخلت تصنيف URAP (University Ranking by Academic Performance ) الذي يقوم على تقييم جودة الأداء الأكاديمي بحسب نوعية وكمية النشر العلمي.

ولاحقا، عادت جامعة بغداد لتحقق منجزا تعليميا ومعرفيا كبيرا للعراق تمثل بحصولها على المرتبة المرتبة ۶۰۱ عالميا للعامين ۲۰۱۱ و۲۰۱۲ على التوالي في التصنيف العالمي ( QS Top University) لأفضل واعرق ۷۰۰ جامعة في العالم من بين عشرين الف جامعة دخلت هذا التصنيف المهم.

تأسيس أكبر ثلاث مستشفيات جامعية في العراق: وانطلق هذا المشروع ليؤسس حالة جديدة في مساقات التعليم العالي العراقي، مفادها ان التعليم الجامعي هو بوابة لتقديم خدمة مجتمعية لا تتوقف فقط عند تخريج النخب والكوادر التي يحتاجها المجتمع، بل ايضا تقديم خدمات مباشرة للمجتمع يستفيد منها المواطن والجامعة في ذات الوقت. ولهذا بدأنا بتأسيس ثلاث مستشفيات جامعية متخصصة مستشفى ابن سينا الجامعي الذي تبلغ سعته ۶۰۰ سرير ويمتد على مساحة ۱۰۶ دونم في مجمع البياع الطبي والمستشفى التعليمي في جامعة الموصل بسعة ۶۰۰ سرير على مساحة ۱۰۰ الف متر مربع داخل الحرم الجامعي، والمستشفى الجامعي في كربلاء وبسعة ۶۰۰ سرير، وعلى مساحة ۵۰ دونما.

المدن الجامعية: خلال السنوات الثلاث الماضية، شرعنا في وزارة التعليم بخطة طموحة لتحويل الجامعات العراقية إلى مدن جامعية تحتوي على جميع المرافق الخدمية من دور سكنية للأساتذة وأقسام داخلية ومستشفيات ومجمعات تجارية وحدائق وملاعب رياضية.

زيادة عدد القيادات النسوية في الجامعات العراقية: تأسيسا على سياسة الوزارة بضرورة أن تشارك المرأة العراقية في النهضة العملية والاجتماعية الاقتصادية التي يشهدها العراق وكسر الجمود الذي أصاب المجتمع العراقي خلال السنوات الماضية، فقد شرعنا بزيادة عدد القيادات النسوية من ۱۰ عميدات في مجمل التعليم العالي الى اكثر من ۳۴ عميدة ومساعدة رئيس جامعة ومديرة مركز بحثي، وتتوزع هذه المناصب بواقع اثنين مساعدتي رؤساء جامعات للشؤون العلمية، و۲۵ عميدة لكليات ومعاهد، ورئيسة مجلس علمي ومديرتين لمراكز بحثية و۵ مديرات لوحدات علمية.

اعادة تاهيل البنية التحتية للتخصصات العلمية: يهدف هذا المشروع الريادي الضخم والحيوي، الى توفير اكثر من ۱۰۰ الف مختبر وجهاز طبي وهندسي متطور ومن مناشيء عالمية وبقيمة تصل الى (۱,۶) ترليون دينار عراقي (نحو ۱,۳ مليار دولار) لتأهيل بنية متكاملة للبحث العلمي والاكاديمي في المجالات العلمية الرئيسية، في التخصصات الطبية والهندسية والعلوم. اهمية هذا المشروع تاتي من خلال ما سيوفره من متطلبات الدراسات العلمية المتخصصة اسوة بالجامعات العالمية المتقدمة على مستوى العالم. وهو ايضا، الوسيلة الاكثر نجاحا لتعويض ما عجزت عن توفيره الدولة العراقية منذ سبعينيات القرن الماضي بسبب الحروب والازمات وعدم تخصيص الموارد المالية الكافية لتوفير مثل هذه الجهزة الحديثة منذ اكثر من ثلاثة عقود.

تعاقدت الوزارة خلال العام الماضي مع شركة (كارل كولب) الالمانية لتوفير الاجهزة المختبرية الخاصة بالتخصصات الطبية وبقيمة تصل الى ۱۰۰ مليون دولار، ولاحقا سيتم استكمال مشروع تجهيز الاجهزة المتعلقة بالاختصاصات الهندسية والعلوم والتربية وصولا الى استكمال البنية العلمية والاكاديمية المتكورة لكل الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية في العراق.

هذه الملامح العامة التي استعرضناها في هذا المقال، لا تغني ابدا عن الاطلاع المفصل على ما ورد في كتاب (التعليم العالي .. انجازات ثلاث سنوات ) من ارقام وحقائق موثقة شكلت بمجملها، صورة عن حجم المنجز التعليمي والمعرفي الذي حققته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي خلال الاعوام الثلاثة الماضية. وهي تحدد في الوقت نفسه، طبيعة الخطوات التي يمكن اجتيازها خلال المدة المقبلة للوصول الى غاية كبرى، هي اعادة التعليم العالي في العراق الى صدارة المنطقة العربية والشرق اوسطية، وتمكين العراق من استعادة دوره الحضاري والمعرفي والثقافي.

الكاتب: علي محمد الحسين الاديب